الاثنين، 8 يونيو 2026

القاضي النعمان (340-389)

أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد الله محمد بن المنصور بن أحمد بن حيون ، أحد الأئمة الفضلاء المشار إليهم، ذكره الأمير المختار المسبحي في تاريخه فقال: كان من أهل العلم والفقه والدين والنبل على ما لا مزيد عليه، وله عدة تصانيف: منها كتاب " اختلاف أصول المذاهب " وغيره، انتهى كلام المسبحي في هذا الموضع.
وكان مالكي المذهب ثم انتقل إلى مذهبه الإمامية، وصنف كتاب " ابتداء الدعوة للعبيديين "  وكتاب " الأخبار " في الفقه، وكتاب " الاقتصار "  في الفقه أيضاً.
وقال ابن زولاق في كتاب " أخبار قضاة مصر " في ترجمة أبي الحسن علي بن النعمان المذكور، ما مثاله: وكان أبوه النعمان بن محمد القاضي في غاية الفضل، من أهل القرآن والعلم بمعانيه، وعالماً بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر الفحل والمعرفة بأيام الناس، مع عقل وإنصاف  ، وألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف وأملح سجع، وعمل في المناقب والمثالب كتاباً حسناً، وله ردود على المخالفين: له رد على أبي حنيفة وعلى مالك والشافعي وعلى ابن سريج، وكتاب " اختلاف الفقهاء " ينتصر فيه لأهل البيت رضي الله عنهم، وله القصيدة الفقيهة لقبها بالمنتخبة.
زكان أبو حنيفة المذكور ملازماً صحبة المعز أبي تميم معد بن منصور - المقدم ذكره - ولما وصل من إفريقية إلى الديار المصرية كان معه، ولم تطل مدته، ومات فيمستهل رجب سنة ثلاث وستين وثلثمائة بمصر. وذكر أحمد بن محمد بن عبد الله الفرغاني في " سيرة القائد جوهر " أنه توفي في ليلة الجمعة سلخ جمادى الآخرة من السنة  ، وصلى عليه المعز، وذكر ابن زولاق في تاريخه بعد ذكر وفاة المعز وذكر أولاده وقضاة المعز فقال: قاضية الواصل معه من المغرب أبو حنيفة النعمان بن محمد الداعي، ولما وصل إلى مصر وجد جوهراً قد استخلف على القضاء أبا طاهر الذهلي النغدادي فأقره، انتهى كلام ابن زولاق. وكان والده أبو عبد الله محمد قد عمر، ويكي أخباراً كثيرة نفيسة حفظها وعمره أربع سنين، وتوفي في رجب سنة إحدى وخمسين وثلثمائة، وصلى عليه ولده أبو حنيفة المذكور، ودفن في باب سلم، وهو أحد أبواب القيروان، وكان عمره مائة وأربع سنين.
«وكان لأبي حنيفة أولاد نجباء سروات، فمنهم أبو الحسن علي بن النعمان  ، أشرك المعز المذكور بينه وبين أبي طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن يجير بن صالح بن أسامة الذهلي قاضي مصر في الحكم، ولم يزل مشتركين فيه إلى أن توفي المعز، وقام بالأمر ولده العزيز نزار - وقد تقدم ذكره أيضاً - فرد إلى القاضي أبي الحسن المذكور أمر الجامعين ودار الضرب، وهما على الاشتراك في الحكم، واستمروا على ذلك إلى أن لحقت القاضي أبا طاهر المذكور رطوبة عطلت شقه ومنعته من الحركة والسعي إلا محمولاً، فركب العزيز المذكور إلى الجزيرة التي بين مصر والجيزة في مستهل صفر سنة ست وستين وثلثمائة، فحمل أبو طاهر إليه، فلقيه الشهود معه عند باب الصناعة، فرآه نحيلاً، وسأله استخلاف ولده أبي العلاء بسب ما يجده من الضعف، فحكى عن العزيز أنه قال: ما بقي إلا أن تقددوه. ثم قلد العزيز ثالث هذا اليوم القاضي أبا الحسن علي بن النعمان المذكور القضاء مستقلاً فركب إلى الجامع القاهرة، وقرىء سجله، ثم عاد إلى الجامع العتيق بمصر وقرىء سجله، وكان القارىء أخاه أبا عبد الله محمد ابن النعمان، وكان في سجله القضاء بالديار المصرية والشام والحرمين والمغرب وجميع مملكة العزيز والخطابة والإمامة والعيار في الذهب والفضة، والموازين والمكاييل، ثم انصرف إلى داره في جمع عظيم، ولم يتأخر عنه أحد، وأقام القاضي أبو طاهر المذكور منقطعاً في بيته عليلاً، وأصحاب الحديث يترددون إليه ويسمعون عليه، إلى أن توفي سلخ ذي القعدة سنة سبع وسيتن وثلثمائة، وسنة ثمان وثمانون سنة، ومدة ولايته ست عشرة سنة وسبعة عشر يوماً، وأذن له العزيز أيضاً أن ينظر في الأحكام في هذه المدة، فلم يكن فيه فضل، وكان قد حكم في الجانب الغربي ببغداد أيضاً مدة ثم انتقل إلى مصر.
ثم إن القاضي أبا الحسن استخلف في الحكم أخاه أبا عبد الله محمداً، وفوض إليه الحكم بدمياط وتينس والفرما والجفار، فخرج إليها واستخلف بها ثم عاد، ثم سافر العزيز إلى الشام في سنة سبع وستين، وسافر معه القاضي أبو الحسن المذكور، وجلس أخوه محمد مكانه للحكم بين الناس.
وكان القاضي أبو الحسن المذكور مفنناً في عدة فنون، منها علم القضاء والقيام به بوقار وسكينة، وعلم الفقه والعربية والأدب والشعر وأيام الناس، وكان شاعراً مجيداً في الطبقة العليا، ومن شعره ما رواه له أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " وهو قوله:
ولي صديق ما مسني عدم … مذ وقعت عينه على عدمي
أغنى وأقنى وما يكلفني … تقبيل كف له ولا قدم
قام بأمري لما قعدت به … ونمت عن حاجتي ولم ينم

 وأورد له الثعالبي أيضاً في المعنى :
صديقٌ لي له أدب … صداقة مثله نسب
رعى لي فوق ما يرعى … وأوجب فوق ما يجب

فلو نقدت خلائقه … لبهرج عندها الذهب

  وأورد له أبو الحسن الباخزري - المقدم ذكره - في كتاب " دمية القصر  وأوردها أيضاً أبو محمد ابن زولاق في كتاب " أخبار قضاة مصر " في ترجمة أبي الحسن المذكور، أبياتاً أحسن فيها كل الإحسان، وهي:
رب خود عرفت في عرفات … سلبتني بحسنها حسناتي
حرمت حين أحرمت نوم عيني … واستباحت حماي باللحظات
وأفاضت مع الحجيج ففاضت … من جفوني سوابق العبرات
ولقد أضرمت على القلب جمراً … محرقاً إذ مشت إلى الجمرات
لم أنل من منى منى النفس حتى  … خفت بالخيف أن تكون وفاتي
»

«ولم يزل أبو الحسن المذكور مستمراً على أحكامه، وافر الحرمة عند العزيز، حتى أصابته الحمى وهو بالجامع ينظر في الأحكام، فقام من وقته ومضى إلى داره، وأقام عليلاً أربعة عشر يوماً، وتوفي في الإثنين لست خلون من رجب  سنة أربع وسبعين وثلثمائة، وأخرج تابوته من الغد إلى العزيز وهو معسكر بسطح الجب عند الموضع المعروف الآن بالبركة، فوضع التابوت بالمسجد المعروف بالبئر والجميزة، وسار العزيز إليه من مخيمه حتى وصل عليه في المسجد، وردت الجنازة إلى داره بالحمراء فدفن فيها.
والحمراء: محلة بمصر، وهي ثلاث حمراوات، وإنما قيل لها الحمراء لنزول الروم بها.
وأرسل العزيز إلى أخيه أبي عبد الله محمد - المذكور في هذه الترجمة - وكان ينوب عن أخيه أبي الحسن كما ذكرنا، فقال له: إن القضاء لك من بعد أخيك، ولا تخرجه عن هذا البيت.
وكانت مدة ولاية أبي الحسن تسع سنين وخمسة أشهر وأربعة أيام. وكانت ولادته بالمغرب، في شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلثمائة، رحمه الله تعالى. وأقامت مصر بغير قاض ينظر فيها ثمانية عشر يوماً لأن أبا عبد الله مان مريضاً، ثم أخف عنه المرض فركب في وقته إلى معسكر العزيز يوم الخميس لثمان بقين من رجب، ثم عاد من عنده إلى الجامع العتيق بمصر في يوم الجمعة وقد قلده العزيز القضاء وخلع عليه وقلده سفياً، فلم يقدر على النزول في الجامع لضعفه من العلة، فسار إلى داره، ونزل ولده وجماعة من أهل بيته إلى الجامع العتيق بمصر، وقرىء سجله بعد صلاة الجمعة، وكان مثل سجل أخيه أبي الحسن في جميع ولايته.
وفي ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلثمائة استخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز على القضاء بالإسكندرية بأمر العزيز، وخلع عليه العزيز.
وفي يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى سنة خمس وسبعين عقد القاضي محمد بن النعمان المذكور نكاح ولده أبي القاسم عبد العزيز المذكور على ابنة القائد أبي
«الحسن جوهر - المقدم ذكره في حرف الجيم - وكان العقد في مجلس العزيز ولم يحضره إلا خواصه، وكان الصداق ثلاثة آلاف دينار، والكتاب ثوباً مصمتاً.
وكان المعز أبو تميم معد والد العزيز المذكور قد تقدم وهو بالمغرب إلى القاضي أبي حنيفة النعمان المذكور في أول الترجمة بعمل اسطرلاب فضة، وأن يجلس مع الصائغ أحد ثقاته، فأجلس أبو حنيفة ولده المذكور محمداً، فلما فرغ الاسطرلاب حمله أبو حنيفة إلى المعز، فقال له: من أجلست معه فقال: ولدي محمداً، فقال: هو قاضي مصر، فكان كما قال، لأن المعز كانت تحدثه نفسه أبداً بأخذ مصر، فلهذا تلفظ بهذا الكلام، ورافقته السعادة مع المقادير.
وقال القاضي محمد المذكور: كان المعز إذا رآني وأنا صبي بالمغرب يقول لولده العزيز: هذا قاضيك. وكان محمد جيد المعرفة بالأحكام مفنناً في علوم كثيرة حسن الأدب والدراية بالأخبار والشعر وأيام الناس، وله شعر، فمن ذلك قوله:
أيا مشبه البدر بدر السماء … لسبع وخمسٍ مضت واثنتين
ويا كامل الحسن في نعته … شغلت فؤادي وأسهرت عيني
فهل لي من مطمعٍ أرتجيه … وإلا انصرفت بخفي حنين
ويشمت بي شامت في هواك … ويفصح لي ظلت صفر اليدين
فإما مننت وإما قتلت … فأنت القدير على الحالتين
وكتب إليه عبد الله بن الحسن الجعفري السمرقندي:


تعادلت القضاة علاً فأما … أبو عبد الإله فلا عديل
وحيدٌ في فضائله غريبٌ … خطيرٌ في مفاخرة جليل
تألق بهجةً ومضى اعتزاماً … كما يتألق السيف الصقيل
فيقضي والسداد له حليف … ويعطي والغمام له رسيل
لو اختبرت قضاياه لقالوا … يؤيده عليها جبرئيل
إذا رقي المنابر فهو قس … وأن حضر المشاهد فالخليل
فكتب إليه القاضي محمد المذكور:

«قرأنا من قريضك ما يروق … بدائع حاكها طبعٌ رقيق
كأن سطورها روضٌ أنيقٌ … تضوع بينها مسكٌ فتيق
إذا ما أنشدت أرجت وطابت … منازلها بها حتى الطريق
وإنا تائقون إليك فاعلم … وأنت إلى زيارتنا تتوق


فواصلنا بها في كل يومٍ … فأنت بكل مكرمةٍ حقيق وقال ابن زولاق في " أخبار قضاة مصر ": ولم نشاهد بمصر لقاض من القضاة من الرياسة ما شاهدناه  لمحمد بن النعمان، ولا بلغنا ذلك عن قاض بالعراق، ووافق ذلك استحقاقاً، لما فيه من العلم والصيانة والتحفظ وإقامة الحق والهيبة.
وفي المحرم سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة استخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز المذكور في الأحكام بالقاهرة ومصر على الدوام، بعد أن كان ينظر فيها يوم الإثنين والخميس لا غير، فصار يسمع البينات ويحكم ويسجل، وكان يخلفه أولاً ولد أخيه، وهو أبو عبد الله الحسين بن علي بن النعمان، فصرفه لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع وسبعين، واستخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز المذكور في الإثنين والخميس خاصة.
وارتفعت رتبة القاضي محمد عند العزيز حتى أصعده معه إلى المنبر يوم عيد النحر سنة خمي وثمانين، ولما توفي العزيز في الناريخ المذكور في ترجمته تولى غسله القاضي محمد المذكور، وقام بالأمر من بعده ولده الحاكم - المقدم ذكره - فأقر القاضي محمداً على أشغاله، وزادت منزلته عنده رفعة وبسط يده.
ولما حصلت له المنزلة والمكنة من الدولة كثرت علله ولازمه النقرس والقولنج، فكان أكثر أوقاته عليلاً، والأستاذ أبو الفتوح براجوان - المقدم ذكره - على جلالته وعظم شأنه يعوده كل وقت، ثم تزايدت علته وتوفي ليلة الثلاثاء بعد العشاء الآخرة رابع صفر سنة تسع وثمانين وثلثمائة؛ وركب الحاكم إلى داره بالقاهرة، وصلى عليه فيها ووقف على دفنه ثم انصرف إلى قصره.
كانت ولادته يوم الأحد لثلاث خلون من صفر سنة أربعين وثلثمائة بالمغرب.
ووهب الحاكم داره لبعض أصحابه، فنقل القاضي محمد المذكور إلى داره التي بمصر يوم الأربعاء لتسع خلون من شهر رمضان من هذه السنة، ثم نقل عيشة الجمعة لعشر خلون من شهر رمضان المذكور إلى مقبرة أخيه وأبيه بالقرافة، رحمهم الله تعالى. ولما مات القاضي محمد أبو عبد الله المذكور أقامت مصر بغير قاض أكثر من شهر، ثم قلد الحاكم صاحب مصر القضاة أبا عبد الله الحسين بن علي بن النعمان   الذي كان ينوب عن عمه القاضي محمد أبي عبد الله المذكور وصرفه واستخلف ولده أبا القاسم عبد العزيز - وقد تدم ذكر ذلك في هذه الترجمة - وكانت ولاية الحسين المذكور لست خلون من شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلثمائة، واستمر في الحكم إلى يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان سنة أربع وتسعين، فصرف بابن عمه أبي القاسم عبد العزيز بن محمد - المقدم ذكره - ثم ضربت عنق الحسين بن علي النعمان المذكور يوم الأحد سادس المحرم سنة خمس وتسعين في حجرته، وأحرقت جثته، وذلك بأمر الحاكم، لقصة يطول شرحها   .  واستقل أبو القاسم   في الأحكام، وضم إليه الحاكم النظر في المظالم، ولم يجتمعا قبله لأحد من أهله، وعلت رتبته عند الحاكم وأصعده معه علة المنبر يوم عيد الفطر بعد قائد القواد، وكذلك في عيد النحر، وتصلب في الأحكام، وتشدده على من عانده   من روساء الدولة، ورسم على جماعة ممن وجب عليه حق فامتنع من الخروج منه. ولم يزل قاضياً في جميع ما فوضه إليه الحاكم، إلى أن صرفه عن ذلك جميعه يوم الجمعة سادس عشر رجب سنة ثمان وتسعين وثلثمائة.
وفوض القضاء إلى أبي الحسن مالك بن سعيد بن مالك الفارقي، وأخرجه عن أهل بيت النعمان.
«ثم إن الحاكم أمر الأتراك بقتل القاضي أبي القاسم عبد العزيز المذكور والقائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر وأبي علي إسماعيل أخي القائد فضل بن صالح، فقتلوهم ضرباً بالسيوف في ساعة واحدة، لأمر يطول شرحه، وذلك يوم الجمعة الثاني والعشرين منجمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة، رحمهم الله تعالى؛ وكانت ولادة أبي القاسم عبد العزيز المذكور يوم الإثنين مستهل ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلثمائة.
  وأما القاضي أبو طاهر المذكور، فقال أبو منصور أحمد عبد الله بن أحمد الفرغاني المصري في تتاريخه: إنه كان كثير الرواية حسن المجالسة، شيخ مع الشيوخ، كهل مع الكهول، شاب مع الشباب. وتوفي لليلة بقيت من ذي القعدة سنة سبع وستين وثلثمائة، رحمهم الله تعالى 

الجمعة، 29 مايو 2026

«الإمام أبو حنيفة(80-150)

أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه الفقيه الكوفي، مولى تيم الله ابن ثعلبة، وهو من رهط حمزة الزيات؛ كان خزازاً يبيع الخز، وجده زوطى من أهل كابل، وقيل بابل، وقيل من أهل الأنبار، وقيل من أهل نسا، وقيل من أهل ترمذ، وهو الذي مسه الرق فأعتق، وولد ثابت على الإسلام.
وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس من الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط. ولد جدي  سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب ذلك لعلي فينا، والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، الفالوذج في المهرجان النيروز  ،»
«فقال: مهرجونا كل يوم، هكذا قال الخطيب في تاريخه، والله تعالى أعلم.
وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة، رضوان الله عليهم وهم: أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بكمة، ولم يلق أحداً منهم ولا أخذ عنه   ، وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل. وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد "   أنه رأى أنس بن مالك، رضي الله عنه. وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار والهيثم بن حبيب الصواف ومحمد بن المنكدر ونافعاً مولى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، وهشام بن عروة وسماك بن حرب؛ وروى عنه عبيد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم.
وكان عاملاً زاهداً عابداً ورعاً تقياً كثير الخشوع دائم التضرع إلى الله تعالى، ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، فأراده على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف أبو حنيفة أن لايفعل [فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، وقال: إني لن أصلح إلى قضاء]   فقال الربيع بن يونس الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبى أن يلي، فأمر به إلى الحبس في الوقت، والعوام يدعون أنه تولى عدد اللبن أياماً ليكفر بذلك عن يمنه، ولم يصح هذا من جهة النقل. وقال الربيع: رأيت المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله، ولا ترعي 
«أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب ولو اتجه الحكم عليك، ثم تهددتني أن تغرقني في الفرات أو تلي   الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم   لك، ولا أصلح لذلك، فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال له: قد حكمت لي على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب
وحكى الخطيب أيضاً في بعض الرويات  : أن المنصور لما بنى مدينته ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد الرصافة، أرسل إلى أبي حنيفة فجيء به، فعرض عيله قضاء الرصافة فأبى، فقال له: إن لم تفعل ضربتك بالسياط، قال: أو تفعل قال: نعم، فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق ثمن تور صفر  ، فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، قال: ليس له علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول فقال: استحلفه لي، فقال أبو حنيفة للرجل: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة معتمداً على أن يقول قطع عليه وضرب بيده إلى كمه، فحل صرة وأخرج درهمين ثقيلين للصفار: هذان الدرهمان عوض عن باقي تورك، فنظر الصفار إليهما وقال: نعم، فأخذ الدرهمين، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات.
وكان (5) يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين أراده أن يلي القدر بالكوفة أيام مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، فأبى عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله. وكان أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضرب أحمد على القول بخلق القرآن.
«وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: مررت مع أبي بالكناسة فبكى، فقلت له: يا أبت ما يبكيك فقال: يا بني، في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبي عشرة أيام، في كل يوم عشرة أسواط، على أن يلي القضاء، فلم يفعل.
والكناسة، بضم الكاف، موضع بالكوفة.
" قال الفضل بن غانم: كان أبو يوسف مريضاً شديد المرض فعاده أبو حنيفة مراراً، فصار إلى آخر مرة، فرآه ثقيلاً فاسترجع ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصيب الناس بك ليموتن معك علم كثير. ثم رزق العافية وخرج من الغد فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه فاتفعت نفسه وانصرفت وجوه الناس إليه فعقد لنفسه مجلساً في الفقه، وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة فسأل عنه فأخبر أنه عقد مجلساً وأنه يلقي كلامك فيه، فدعا رجلاً كان له عنده قدر فقال: سر إلى مجلس يعقوب فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره بدرهم إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصار: ما لك عندي شيء وأنكره، ثم إن رب الثوب رجع إليه فدفع له الثوب مقصوراً، أله أجرة فإن قال لك: له أجرة فقل له أخطأت، وإن قال: لا أجرة له فقل: أخطأت؛ فسار إليه وسأله، فقال أبو يوسف: له أجرة، فقال: أخطأت، فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له، فقال له: أخطأت، فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة فقال: ما جاء بك إلى مسألة القصار، قال: أجل، قال: سبحان الله، من قعد بفتي الناس وعقد مجلساً يتكلم في دين الله وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الاجارات فقال: يا أبا حنيفة، علمني، فقال: إن كان قصره بعدما غصبه فلا أجرة لاأنه قسر لصاحبه؛ ثم قال: من ظن أنه يستغني عن التعلم فلبيك على نفسه "   .
وكان أبو حنيفة حسن الوجه حسن المجلس، شديد الكرم حسن المواساة لإخوانه، وكان ربعة من الرجال، وقيل كان طوالا تعلوه سمرة، أحسن»

«الناس منطقاً وأحلامهم نغمة.
وذكر الخطيب في تاريخه  أن أبا حنيفة رأى في المنام كأنه ينبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فبعث من سأل ابن سيرين، فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثور   علماُ، لم يسبقه أحد قبله.
قال الشافعي   ، رضي الله عنه، قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة فقال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته.
وروى حرملة بن يحيى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال   : الناس عيال على هؤلاء الخمسة، من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه، ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان، هكذا نقله الخطيب في تاريخه.
وقال يحيى بن معين: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة على هذا أدركت الناس. وقال جعفر بن الربيع: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتاً منه، فإذا سئل عن الفقه تفتح وساهل كالوادي، وسمعت له دوياً وجهارة في الكلام.
وكان إماماً في القياس؛ قال علي بن عاصم  : دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذه من شعره، فقال للحجام: تتبع مواضع البياض، فقال الحجام: لا تزد، فقال: ولم قال لأنه يكثر، قال فتتبع مواضع السواد لعله يكثر، وحكيت لشريك هذه الحكاية فضحك وقال: لو ترك أبو حنيفة قياسه لتركه مع الحجام.
«وقال عبد الله بن رجاء : كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحماً فطبخه أو سمكة فيشويها ثم لا يزال يشرب، حتى إذا دب الشراب فيه غرد بصوت، وهو يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل ليلة، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غدٍ، وركب بغلته، واستأذن على الأمير، فقال الأمير: ايذنوا له وأقبلوا به راكباً ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ببغلته (2) ، ففعل، ولم يزل الأمير يوسع له في مجلسه، وقال: ما حاجتك فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم، وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه وقال: يا فتى أضعناك فقال: لا، بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار ورعاية الحق، وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان عليه.
وقال ابن المبارك   : رأيت أبا حنيفة في طريق مكة، وشوي لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخل فلم يجدوا شيئاً يصبون فيه الخل، فتحيروا، فرأيت أبا حنيفة وقد حفر في الرمل  حفرة وبسط عليها السفرة، وسكب الخل على ذلك الموضع، فأكلوا الشواء بالخل، فقالوا: تحسن كل شيء، فقال: عليكم بالشكر، فإن هذا شيء ألهمته لكم فضلاً من الله عليكم.
«وحكى الحسن بن زياد قال: دفن رجل مالاً في موضع، ثم نسي في أي موضع دفنه فلم يقع عليه، فجاء إلى أبي حنيفة فشكا إليه فقال له أبو حنيفة: ما هذا فقه فأحتال لك، ولكن اذهب فصل الليلة، ففعل الرجل، ولم يقم إلا أقل من ربع الليل حتى ذكر الموضع، فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره، فقال له: قد علمت أن الشيطان لا يدعك تصلي حتى يذكرك، فهلا أتممت ليلتك شكراً لله عزوجل.
وقال ابن شبرمة: كنت شديد الازراء على أبي حنيفة، فحضرالموسم وكنت حاجاً يومئذ، فاجتمع إليه قوم يسألونه، فوقفت من حيث لا يعلم من أنا، فجاءه رجل فقال: يا أبا حنيفة: قصدتك أسألك عن أمر أهمني وأزعجني قال: وما هو قال: لي ولد وليس لي غيره، فإن زوجته طلق، وإن سريته أعتق، وقد عجزت عن هذا فهل من حيلة قال له: نعم اشتر الجارية التي يرضاها لنفسه ثم زوجها منه، فإن طلق رجعت إليك مملوكتك وإن أعتق أعتق ما لايملك، وإن ولدت ثبت نسبه لك، فامت أن الرجل فقيه من يومئذ وكففت عن ذكره إلا بخير "   .
وقال ابن المبارك أيضاً: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعته يغتاب عدواً له قط، فقال: هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها   .
وقال أبو يوسف  : دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع صاحب المنصور، وكان يعادي أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جدك، كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين جاز الإستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلاً باليمين، فقال أبو حنيفة: يا أميرالمؤمنين، إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جندك بيعة، قال: وكيف قال: يحلفون لك
ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم، فضحك المنصور وقال: يا ربيع، لا تتعرض لأبي حنيفة، فلما خرج أبو حنيفة قال له الربيع: أردت أن تشيط بدمي، قال: لا، ولكنك أردت أن تشيط بدمي فخلصتك وخلصت نفسي.
وكان أبو العباس   الطوسي سيء الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على المنصور، وكثر الناس، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة، فأقبل عليه فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل فيأمره بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب عنقه فقال: يا أبا العباس أمير المؤمنين يأمر بالحق أم الباطل فقال: بالحق، قال: أنقذ الحق حيث كان ولا تسأل عنه؛ ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني    فربطته.
وقال يزيد بن الكميت  : كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا علي بن الحسن   المؤذن ليلة العشاء الأخيرة سورة " إذا زلزلت " وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يتفكر ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجت تركت القنديل ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم وقد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خيرً خيراً، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شراً، أجر النعمان عبدك من النار، ومما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك، قال: فأذنت   وإذا القنديل يزهر وهو قائم، فلما دخلت قال لي: تريد أن تأخذ القنديل، قلت: قد أذنت لصلاة الغداة، فقال: اكتم علي ما رأيت، وركع ركعتين وجلس حتى أقمت الصلاة وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل.
«وقال أسد بن عمرو  : صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، وكان عامة ليلة يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة وكان يسمع بكاؤه في الليل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة.
وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه   : لما مات أبي سألنا الحسن ابن عمارة أن يتولى غسله ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله وغفر لك! لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء.
ومناقبه وفضائله كثيرة، وقد ذكر الخطيب في تاريخه منها شيئاً كثيراً، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق في تركه والإضراب عنه، فمثل هذا الإمام لا يشك في دينه، ولا في روعه وتحفظه  ، ولم يكن يعاب بشيء سوى قلة العربية، فمن ذلك ما روي أن أبا عمرو بن العلاء المقرىء النحوي - المقدم ذكره - سأله عن القتل بالمثل: هل يوجب القود أم لا قفال: لا، كما هو قاعدة مذهبه خلافاً للإمام الشافعي رضي الله عنه، فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق، فقال: ولو قتله بأبا قبيس، يعني الجبل المطل على مكة حرسها الله تعالى. وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يقول: إن الكلمات الست المعربة بالحروف - وهي أبوه وأخوه وحموه وهنوه وفوه وذو مال - أن إعرابها يكون في الأحوال الثلاث بالألف، وأنشدوا في ذلك:
إن أباها وأبا وأباها … قد بلغنا في المجد غايتاها وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، فهي لغته، والله أعلم.
وهذا وإن كان خروجاً عن المقصود لكن الكلام ارتبط بعضه ببعض فانتشر.
وكانت ولادة أبي حنيفة سنة ثمانين للهجرة   ، وقيل سنة إحدى وستين،
والأول أصح، وتوفي في رجب، وقيل في شعبان سنة خمسين ومائة، وقيل لأحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة، وقيل إحدى وخمسين وقيل ثلاث وخمسين، والأول أصح؛ وكانت وفاته في السجن ليلي القضاء فلم يفعل، هذا هو الصحيح، وقيل إنه لم يمت في السجن، وقيل توفي في اليوم الذي ولد فيه الإمام الشافعي رضي الله عنهما، ودفن بمقبرة الخيرزان، وقبره هناك مشهور يزار.
وزوطى: بضم الزاي وسكون الواو وفتح الطاء المهملة وبعدها ألف مقصورة، وهو اسم نبطي.
وكابل: بفتح الكاف وضم الباء الموحدة بعد الألف وبعدها لام، وهي ناحية معروفة من بلاد الهند ينسب إليها جماعة من العلماء وغيرهم.
وأما بابل والأنبار فهما معروفان فلا حاجة إلى الكلام عليهما.
(286) وبنى شرف الملك أبو سعد  محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي على قبر الإمام أبي حنيفة مشهداً وقبة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنيفة، ولما فرغ من عمارة ذلك ركب إليها في جماعة من الأعين ليشاهدوها، فبينما هم هناك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر سعود المعروف بالبياض الشاعر - المقدم ذكره - وأنشده:
 

ألم تر أن العلم كان مبدداً … فجمعه هذا المغيب في اللحد
كذلك كانت هذه الأرض ميتة … فأنشرها فعل العميد أبي سعد

 فأجازه أبو سعد جائزة سنية.
ولهذا أبي سعد مدرسة بمدينة مرو، وله عدة ربط وخانات في المفاوز، وكان كثير الخير وعمل المعروف، وانقطع في آخر عمره عن الخدمة ولزم بيته، وكانوا يراجعونه في الأمور، وتوفي في المحرم سنة أربع وستين وأربعمائة بأصبهان، رحمه الله تعالى.
وكان بناء المشهد والقبة في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وقد تقدم في ترجمة»


الثلاثاء، 26 مايو 2026

النضر بن شميل(-,204)

أبو الحسن النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عبدة بن زهير السكب، الشاعر، ابن عروة بن حليمة  بن حجر خزاعي بن مازن ابن مالك بن عمرو بن تميم، التميمي المازني النحوي البصري؛ كان عالماً بفنون من العلم صدوقاً ثقة، صاحب غريب وفقه وشعر ومعرفة بأيام العرب ورواية الحديث، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد؛ ذكره أبو عبيدة في كتاب " مثالب أهل البصرة "  فقال: ضاقت المعيشة على النضر بن شميل البصري بالبصرة فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة نحو من ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو عروضي أو أخباري، فلما صار بالمربد جلس فقال: يا أهل البصرة، يعز علي فراقكم، ووالله لو وجدت كل يوم كيلجة باقلى ما فارقتكم، قال: فلم يكن أحداً فيهم يتكلف  له ذلك، فسار حتى وصل خراسان فأفاد بها مالاً عظيماً، وكانت إقامته بمرو. وقد سبق في أخبار القاضي عند الوهاب المالكي نظير هذه الحكاية لما خرج من بغداد  .وسمع بن هشام بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد وحميد الطويل وعبد الله ابن عون وهشام بن حسان وغيرهم من التابعين، وروى عنه يحيى بن معين وعلي ابن المديني وكل من أدركه من أئمة عصره، ودخل نيسابور غير مرة وأقام بها رماناً وسمع منه أهلها.وله مع المأمون بن هارون الرشيد لما كان مقيماً بمرو حكايات ونوادر، لأنه كان يجالسه، فمن ذلك ما حكاه الحريري في كتاب " درة الغواص في أوهام الخواص " في قوله  : ويقولون هو سداد من عوز، فيلحنون في فتح السين  ، والصواب أن يقال بالكسر: وقد جاء في أخبار النحويين أن النضر بن شميل المازني استفاد بإفادة هذا الحرف ثمانين ألف درهم، وساق خبره، وذكر إسناداً انتهى فيه إلى محمد بن ناصح الأهوازي قال: حدثني النضر بن شميل قال: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت ذات ليلة وعلي ثوب  مرقوع، فقال: يا نضر، ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان قلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ ضعيف وحر مرو شديد، فأتبرد بهذه الخلقان، قال: لا، ولكنك قشف، ثم أجرينا الحديث، فأجرى هو ذكر النساء فقال: حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز " فأورده بفتح السين، قال: فقلت " صدق يا أمير المؤمنين هشيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها  سداد من عوز " قال: وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً  ، وقال: يا نضر، كيف قلت سداد لأن السداد ها هنا لحن قال: أو تلحنني قلت: إنما لحن هشيم وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال فما الفرق بينهما قلت: السداد، بالفتح، القصد في الدين والسبيل، والسداد، بالكسر، البلغة، وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد، قال: أو تعرف العرب ذلك قلت: نعم، هذا العرجي يقول:أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له، وأطرق ملياً ثم قال: ما مالك يا نضر قلت: أريضة لي بمرو أتصاببها وأتمززها  ، قال: أفلا نفيدك مالا معها قلت: إني إلى ذلك لمحتاج، قال: فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب. ثم قال: كيف يقول إذا أمرت أن يترب قلت: أتربه، فهو ماذا، قلت: مترب، قال: فمن الطين قلت: طنه، قال: فهو ماذا قلت: مطين، هذه أحسن من الأولى، ثم قال: يا غلام، أتربه وطنه، ثم صلى بنا العشاء وقال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل بن سهل؛ قال: فلما قرأ الفضل الكتاب  قال: يا نضر، إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه فأخبرته ولم أكذبه، فقال: لحنت أمير المؤمنين فقلت: كلا إنما لحن هشيم وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه، وقد تتبع ألفاظ
الفقهاء ورواة الآثار، ثم أمر لي بثلاثين ألف درهم فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني.والبيت الذي استشهد به هو لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي العرجي الشاعر المشهور، وهو من جملة أبيات له، وهي هذه الأبيات 

أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر

وصبر عنه معترك المنايا  ... وقد شرعت أسنتها لنحريأجرر

 في الجوامع كل يوم ... فيا الله مظلمتي وقسري 

كأني لم أكن فيهم وسيطاً ... ولم تك نسبتي في آل عمر

وعسى الملك المجيب لمن دعاه ... سينجيني فيعلم كيف شكري

فأجزي بالكرامة أهل ودي ... وأجزي بالضغائن أهل وتري

 والعرجي: بفتح العين وسكون الراء وفي آخرها جيم، هذه النسبة إلى العرج، وهو موضع بمكة سمي به؛ وقال ابن الأثير في كتاب " تهذيب النسب ": العرج بين مكة والمدينة، وليس بمكة، والله أعلم.وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: لما حبس المنصور عبد الله بن علي كان يكثر التمثل بقول العرجي:أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... فبلغ ذلك المنصور فقال: هو أضاع نفسه بسوء فعله، فكانت أنفسنا عندنا أبر من نفسه. قال إسحاق، وقال الأصمعي: مررت بكناس بالبصرة يكنس كنيفاً ويغني:أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر
فقلت: أما سداد الكنيف فأنت ملي به، وأما الثغر فلا لنا كيف أنت فيه، وكنت حديث السن وأردت العبث به، فأعرض عني ملياً، ثم أقبل علي متمثلاً يقول:وأكرم نفسي إنني إن أهنتها ... وحقك لم تكرم على أحد بعدي فقلت: والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها له فقال لي: والله إن من الهوان لشراً مما أنا فيه، فقلت: وما هو قال: الحاجة إليك وإلى أمثالك

 .وكان سبب عمله هذه الأبيات أن محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك لما كان والي مكة حبس العرجي المذكور لأنه كان يشبب بأمه جيداء، وهي من بني الحارث بن كعب، ولم يكن ذلك لمحبته إياها، بل يفضح ولدها المذكور، وأقام في حبسه تسع سنين، ثم مات فيه بعد أن ضربه بالسياط وسهره بالأسواق، فعمل هذه الأبيات في السجن  .[قال إسحاق: وكان الوليد بن يزيد مضغطاً على محمد بن هشام أشياء كانت تبلغه عنه في هشام، فلما ولي الخلافة قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم بن هشام وأشخاص الشام، ثم دعا بالسياط، فقال له محمد: أسألك بالقرابة، فقال: وأي قرابة بيني وبينك، هل أنت من أشجع قال: فأسألك بصهر عند الملك، قال: فلم تحفظه؛ قال: يا أمير المؤمنين قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب قريش بالسياط إلا في حد، قال: ففي حد أضربك وقود، " أنت ممن سن " ذلك على العرجي وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان فما راعيت حق جده ولا نسبته إلى هشام، ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر، وأنا ولي ثأره، اضرب يا غلام، فضربهما ضرباً مبرحاً وأثقلا بالحديد ووجهها إلى يوسف بن عمرو بالكوفة وأمر باستقصائهما وتعذيبهما حتى يتلفا،
وكتب إليه: احتبسهما مع ابن النصرانية، يعني خالداً القسري، إن عاش أحد منهما؛ فعذبهما عذاباً شديداً وأخذ منهما مالاً عظيماً، حتى لم يبق فيهما موضع للضرب، وكان محمد بن هشام مطروحاً فإذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوها بها، ولما اشتد الحال بهما تحامل إبراهيم لينظر في وجه محمد فوقع عليه فماتا جميعاً ومات خالد القسري معهما في يومٍ واحد.قال إسحاق: غنيت الرشيد يوماً في عرض الغناء:أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر فقال لي: ما كان سبب العرجي حتى قال الشعر فأخبرته بخبره من أوله إلى آخره إلى أن مات فرأيته يتغير كلما مر به شيء، فأتبعه بحديث مقتل ابني هشام، فجعل وجهه يسفر وغضبه يسكن، فلما انقضى الحديث قال: يا إسحاق والله لولا ما حدثتني به من فعل الوليد لما تركت أحداً من بني مخزوم إلا قتلته بالعرجي .وقد خرجنا عن المقصود، ونرجع أن آن إلى تتمة أخبار النضر بن شميل.فمن ذلك ما حكاه الحريري " درة الغواص  أيضاً في أوائل الكتاب في قوله: ويقولون للمريض ( مسح الله ما بك، بالسين، والصواب فيه مصح، بالصاد، فقال: ويحكى أن النضر بن شميل المزني مرض فدخل عليه قوم يعودونه، فقال: له رجل منهم يكنى أبا صالح: مسح الله ما بك، فقال: لا تقل مسح بالسين ولكن قل مصح بالصاد، أي أذهبه وفرقه، أما سمعت قول الأعشى:وإذا ما الخمر فيها أزبدت ... أفل الإزباد فيها ومصح فقال له الرجل: إن السين قد تبدل من الصاد، كما يقال الصراط والسراط،
وسقر وصقر، فقال: له النضر: فإذا أنت أبو سالح؛ ويشبه هذه النادرة ما حكي أيضاً: أن بغض الأدباء جوز بحضرة الوزير أبي الحسن بن الفرات: أن تقام السين مقلم الصاد في كل موضع، فقال له الوزير: أتقرأ " جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " " الرعد:٢٣ " أم من سلح فخجل الرجل وانقطع؛ انتهى كلام الحريري.قلت أنا: والذي ذكره أرباب اللغة في جواز إبدال الصاد من السين: أن كل كلمة فيها سين، وجاء بعدها أحد الحروف الأربعة - وهي الطاء والخاء والغين والفاء - فيجوز إبدال السين بالصاد، فنقول في " السراط " الصراط، وفي " سخر لكم " صخر، وفي " مسغبة " مصغبة، وفي " سيقل " صيقل، وقس على هذا كله. ولم أر في شيء من كتب اللغة من ذكر هذا وحكى فيه خلافاً، سوى الجوهري في كتاب " الصحاح " في لفظة صدغ  ، فإنه قال: وربما قالوا السدغ بالسين، قال قطرب محمد بن المستنير: إن قوماً من بني تميم يقال لهم بلعنبر يقلبون السين صاداً عند أربعة أحرف، الطاء والقاف ولغين والخاء، إذا كن بعد السين، ولا يبالي أثانية كانت أم ثالثة أم رابعة، بعد أن تكون بعدها، يقولون: سراط وصراط، وبسطة وبصطة، سيقل صيقل، وسرقت وصرقت، ومسغبة مصغبة، ومسدغة ومصدغة، وسخر لكم، وصخر لكم، والسخب والصخب؛ انتهى كلامه في هذا الفصل.وأخبار النضر كثيرة، والاختصار أولى.وله تصانيف كثيرة، فمن ذلك  كتاب في الأجناس على مثال " الغريب " وسماه: " كتاب الصفات ". قال علي بن الكوفي: الجزء الأول منه يحتوي على خلق الإنسان والجود والكرم وصفات النساء. والجزء الثاني يحتوي الأخبية والبيوت وصفة الجبال والشعاب. والجزء الثالث يحتوي على الإبل فقط والجزء الرابع يحتوي على الغنم والطير والشمس والقمر والليل والنهار والألبان والكمأة والآبار والحياض والأرشية والدلاء وصفة الخمر  . والجزء الخامس
يحتوي على الزرع والكرم والعنب  وأسماء البقول والأشجار والرياح والسحاب والأمطار. وله كتاب " السلاح "، وكتاب " خلق الفرس " وكتب " الأنواء " وكتاب " المعاني " وكتاب " غريب الحديث " وكتاب " المصادر " وكتاب " المدخل إلى كتاب العين للخليل بن أحمد "، وغير من التصانيف.وتوفي في ساخ ذي الحجة سنة أربع ومائتين، وقيل في أولها، وقيل سنة ثلاث ومائتين بمدينة مرو من بلاد خراسان، وبها ولد، ونشأ بالبصرة فلذالك نسب إليها، رحمه الله تعالى.والنضر: بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء.وشميل: بضم الشين المعجمة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام.وخرشة: بفتح الخاء المعجمة والراء والشين المعجمة.وكلثوم: بضم الكاف والثاء المثلثة وبينهما لام ساكنة.وعبدة: بفتح العين والدال المهملة وبينهما باء موحدة وهاء ساكنة.والسكب: بفتح السين المهملة وسكون الكاف وبعدها باء موحدة، وإنما قيل له " سكب " لقوله :برقٌ يضيء خلال البيت أسكوب ... وحليمة: بفتح الحاء المهملة وكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وقال ابن الجوزي في كتاب " الألقاب " في ترجمة السكب: هو زهير بن عروة بن جلهمة، والله أعلم بالصواب.وجلهمة: بضم الجيم والهاء وبينهما لام ساكنة، وهو في أصل: اسم لجنب الوادي، يقال له: جلهمة، وجلهة: بفتح الجيم والهاء بغير ميم، وبه سمي الرجل.وحجر: بضم الحاء المهملة وبعدها جيم ساكنة ثم راء.
وخزاعي: بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة مكسورة ثم ياء مشدودة تشبه ياء النسب.والباقي معروف فلا حاجة إلى ضبطه

السبت، 23 مايو 2026

ضياء الدين ابن الأثي(558-637)

أبو الفتح نصر الله بن أبي بكر محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، الملقب ضياء الدين؛ كان مولده بجزيرة ابني  عمر، ونشأ بها، وانتقل مع والده إلى الموصل " في رجب سنة تسع وسبعين وخمسمائة  وبها اشتغل وحصل العلوم وحفظ كتاب الله الكريم وكثيراً من الأحاديث النبوية وطرفاً صالحاً من النحو واللغة وعلم البيان وشيئاً كثيراً من الأشعار حتى قال في أول كتابه الذي سماه " الوشي المرقوم " ما مثاله: " وكنت حفظت من الأشعار القديمة والمحدثة ما لا أحصيه كثيرة، ثم اقتصرت بعد ذلك على شعر الطائيين: حبيب بن أوس، يعني أبا تمام، وأبي عبادة البحتري، وشعر أبي الطيب المتنبي، فحفظت هذه الدواوين الثلاثة، وكنت أكرر عليها بالدرس مدة سنين، حتى تمكنت من صوغ المعاني، وصار الإدمان لي خلقاً وطبعاً " وإنما ذكر هذا الفضل في معرض أن المنشئ ينبغي أن يجعل

دأبه في الترسل حل المنظوم، ويعتمد عليه في هذه الصناعة.

ولما كملت لضياء الدين المذكور الأدوات قصد جناب الملك الناصر صلاح الدين، تغمده الله برحمته، في شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فوصله القاضي الفاضل لخدمة صلاح الدين في جمادى الآخرة من السنة، وأقام عنده إلى شوال من السنة، ثم طلبه ولده الملك الأفضل نور الدين من والده، فخيره صلاح الدين بين الإقامة في خدمته، والانتقال إلى ولده ويبقى المعلوم الذي قرره له باقياً عليه، فاختار ولده، فمضى إليه، وكان يومئذ شاباً، فاستوزره ولده الملك الأفضل نور الدين على - المقدم ذكره - رحمه الله تعالى، وحسنت حاله عنده.

ولما توفي السلطان صلاح الدين، واستقل ولده الملك الأفضل بمملكة دمشق، استقل ضياء الدين المذكور بالوزارة وردت أمور الناس إليه، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه، ولما أخذت دمشق من الملك الأفضل وانتقل إلى صرخد - حسبما شرحناه في ترجمته - وكان ضياء الدين قد أساء العشرة مع أهلها، وهموا بقتله، فأخرجه الحاجب محاسن بن عجم مستخفياً في صندوق مقفل عليه، ثم صار إليه ، وصحبه إلى مصر لما استدعي لنيابة ابن أخيه الملك المنصور - قد تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الملك الأفضل فأغنى عن الإعادة.

ولما قصد الملك العادل الديار المصرية، وأخذها من ابن أخيه - كما ذكرناه هناك - وتعوض الملك الأفضل البلاد الشرقية، وخرج من مصر، لم يخرج ضياء الدين في خدمته، لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا يقصدونه، فخرج منها

مستتراً، وله في كيفية خروجه مستخفياً رسالة طويلة، شرح فيها حاله، وهي موجودة في ديوان رسائله، وغاب عن مخدومه الملك الأفضل مديدة، ولما استقر الأفضل في سميساط عاد إلى خدمته وأقام عنده مدة ثم فارقه في ذي القعدة من سنة سبع وستمائة، واتصل بخدمة أخيه الملك الظاهر صاحب حلب - المقدم ذكره - فلم يطل مقامه عنده ولا انتظم أمره، وخرج مغضباً وعاد إلى الموصل فلم يستقم حاله، فورد إربل فلم يستقم حاله، فسافر إلى سنجار ثم عاد إلى الموصل واتخذها دار إقامته واستقر، وكتب الإنشاء لصاحبها ناصر الدين محمود ابن الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه - المقدم ذكره في حرف الهمزة - وأتابكه يومئذ الأمير بدر الدين لؤلؤ أبو الفضائل النوري، وذلك في سنة ثماني عشرة وستمائة.

ولقد ترددت إلى الموصل من إربل أكثر من عشر مرات، وهو مقيم بها، وكنت أود الاجتماع به لآخذ عنه شيئاً، ولما كان بينه وبين الوالد، رحمه الله تعالى، من المودة الأكيدة، فلم يتفق ذلك، ثم فارقت بلاد المشرق وانتقلت إلى الشام وأقمت به  مقدار عشر سنين، ثم انتقلت إلى الديار المصرية وهو في قيد الحياة، ثم بلغني بعد ذلك خبر وفاته وأنا بالقاهرة، وسيأتي تاريخه في أواخر الترجمة إن شاء الله تعالى.

ولضياء الدين من التصانيف الدالة على غزارة فضله وتحقيق نبله، كتابه الذي سماه " المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر "، وهو في مجلدين، جمع فيه فأوعب، ولم يترك شيئاً يتعلق بفن الكتابة إلا ذكره، ولما فرغ من تصنيفه كتبه الناس عنه، فوصل إلى بغداد منه نسخة، فانتدب له الفقيه الأديب عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المدائني، وتصدى لمؤاخذته والرد عليه، وعنته  في ذلك، وجمع هذه المؤاخذات في كتاب سماه " الفلك الدائر على المثل السائر " فلما أكمله وقف عليه أخوه موفق الدين أبو المعالي أحمد، ويدعى القاسم أيضاً، فكتب إلى أخيه المذكور قوله:

المثل السائر يا سيدي ... صنفت فيه الفلك الدائرا

لكن هذا فلك دائر ... تصير فيه المثل السائرا (٢٨٣) وكانت ولادة عز الدين المذكور بالمدائن يوم السبت مستهل ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة. وتوفي في بغداد سنة خمس وخمسين وستمائة.

(٢٨٤) وتوفي أخوه موفق الدين المذكور ببغداد، في سنة ست وخمسين وستمائة، بعد أن أخذها التتر بقليل. وكانا فقيهين أدبيين فاضلين، لهما أشعار مليحة. ومولد الموفق المذكور في جمادى الآخرة، وقيل في شهر ربيع الأول، سنة تسعين وخمسمائة بالمدائن.

وله كتاب " الوشي المرقوم في حل المنظوم " وهو مع وجازته في غاية الحسن والإفادة، وله كتاب " المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء "، وهو أيضاً نهاية في بابه، وله مجموع اختار فيه أبي تمام والبحتري وديك الجن والمتنبي، وهو في مجلد واحد كبير، وحفظه مفيد، وقال أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل ": نقلت من خطه، في آخر هذا الكتاب المختار ما مثاله:
تمتع بع علقاً نفيساً فإنه اخ ... تيار بصير بالأمور حكيم
أطاعته أنواع البلاغة فاهتدى ... إلى الشعر من نهجٍ إليه قويم وله أيضاً ديوان ترسل في عدة مجلدات والمختار منه في مجلد واحد. ومن جملة رسائله، وكتبه إلى مخدومه وقد سافر في زمن الشتاء والبرد الشديد: " وينهي أنه سار عن الخدمة، وقد ضرب الدجن فيه مضاربه، وأسبل عليه ذوائبه، وجعل كل قرارة حفيراً، وكل ربوة غديراً، وخط كل أرض خطاً، وغادر كل جانب شطاً، كأنه يوازي يد مولانا في شيمة كرمها، والتثاث صوب ديمها، والمملوك يستغفر الله من هذا التمثيل، العاري عن فائدة التحصيل، وفرق بين ما يملأ الوادي بمائه، ومن يملأ النادي بنعمائه، وليس ما ينبت زهراً يذهبه المصيف، أو تمراً يأكله الخريف، كمن ينبت ثروة تغوث الأعطاف، ويأكل المرتبع والمصطاف، ثم استمر على مسير يقاسي الأرض ووحلها، والسماء ووبلها، ولقد جاد حتى ضجر، وأسرف حتى اتصل بره بالعقوق، وما خاف
المملوك لمع البوارق كما خاف لمع البروق، ولم يزل من مواقع قطره في حرب، ومن شدة برده في كرب، والسلام ".
ولما سمع صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام، المعروف بالحاجري الإربلي - المقدم ذكره - هذا المعنى، وهو قوله " ومن شدة بردة في كرب " أعجبه ونظم أبياتاً، ونت جملتها بيت أودعه هذا المعنى، وهو:
ويلاه من برد رضابٍ له ... أشكو إلى العذال منه الحريق ومن وقف على هذا البيت ربما يتشوق  على بقية أبيات، وهي قليلة فلا بأس بذكرها، وهي  
بين لوي الجزع ووادي العقيق ... من لا إلى السلوان عنه طريق
جانٍ جنى الخلة من ريقه ... حلو التثني والثنايا رشيق
لو لم تكن وجنته جنةً ... ما أنبتت ذاك العذار الأنيق
ويلاه من برد رضابٍ له ... أشكو إلى العذال منه الحريق
واعجبا يفعل بي في الهوى ... ما تفعل الأعداء وهو الصديق
روحي فدى الظبي الذي قده ... يفعل فعل السمهري الدقيق وقد سبق في ترجمة النفيس القطرسي - في حرف الهمزة  - بيت من جملة أبياته الكافية يتضمن هذا المعنى، وهو قوله:
أحرقت يا ثغر الحبي ... ب حشاي لما ذقت بردك وأصل هذا المعنى لابن التعاويذي - المقدم ذكره - في بيت من جملة قصيدته النونية المشهورة، وهو:
يذكي الجوى بارد من ثغره شبمٌ ... ويوقظ الوجد طرف منه وسنان
ومن رسائل ضياء الدين ما كتبه عن مخدومه إلى الديوان العزيز من جملة رسالة، وهي: " ودولته هي الضاحكة، وإن كان نسبها إلى العباس، فهي خير دولة أخرجت للزمن، كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلاً بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوبة من أبكار السعادة بالحب الذي لا يسلى والوصل الذي لا يصرم، وهذا معنى اخترعه الخادم للدولة وشعارها، وهو مما لم تخطه الأقلام صحفها، ولا أجالته الخواطر في أفكارها ".
ولعمري ما أنصف ضياء الدين في دعواه الاختراع لهذا المعنى، وقد سبقه إليه ابن التعاويذي
في قصيدته السينية، التي مدح بها الإمام الناصر لدين الله أبا العباس أحمد أول يوم جلس في دست الخلافة، وهو يوم الأحد مستهل ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وأول القصيدة 
طاف يسعى بها على الجلاس ... كقضيب الأراكة المياس ومنها عند المخلص، وهو المقصود بالذكر هاهنا:
يا نهار المشيب من لي هيها ... ت بليل الشبيبة الديماس
حال بيني وبين لهوي وأطرا ... بي دهرٌ أحال صبغة راسي
ورأى الغانيات شيبي فأعرض ... ن وقلن السواد خير لباس
كيف لا يفضل السواد وقد أضح ... ى شعاراً على بني العباس ولا شك أن ضياء الدين زاد على هذا المعنى، لكن ابن التعاويذي هو الذي فتح الباب وأوضح السبيل، فسهل على ضياء الدين سلوكه.
وله من جملة رسائله في ذكر العصا التي يتوكأ عليها الشيخ الكبير، وهو معنى غريب: " وهذا (لمبتدأ ضعفي خبر، ولقوس ظهري وتر، وإن كان إلقاؤها دليلاً على الإقامة فإن حملها دليل على السفر ". وله في وصف المسلوبين من جملة كتاب يتضمن البشرى بهزيمة الكفار وهو: " فسلبوا وعاضتهم الدماء


عن اللباس، فهم في صورة عار وزيهم زي كاس، وما أسرع ما خيط لهم لباسها المحمر، غير أنه لم يجب عليهم ولم يزر (١) ، وما لبسوه حتى لبس الإسلام شعار النصر، الباقي على الدهر، وهو شعار نسجه السنان الخارق، لا الصنع (٢) الحاذق، ولم يغب عن لابسه إلا ريثما غابت البيض في الطلى والهام، وألف الطعن بين ألف الخط واللام.

وأول هذا الفضل مأخوذ من قول البحتري:

سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا وله رسالة يصف فيها الديار المصرية، وهي طويلة، ومن جملتها فصل صفة نيلها وقت زيادته، وهو معنى بديع غريب، ولم أقف لغيره على أسلوبه، وهو قوله: " وعذب رضابه فضاهى جنى النحل، واحمر صفيحة فعملت أنه قد قتل المحل ". وهذا المعنى نهاية في الحسن، ثم إني وجدت هذا المعنى لبعض العرب، وقد أخذ ضياء الدين منه، وهو قوله:

لله قلب ما يزال يروعه ... برق الغمامة منجداً أو مغورا

ما احمر في الليل البهيم صفيحه ... متجرداً إلا وقد قتل الكرى ولقد أحسن في أخذه وتلطف في نقله إلى هذا المعنى، ومثله قول عبد الله ابن المعتز المقدم ذكره في غلام أرمد:

قالوا اشتكت عينه فقلت لهم: ... من كثرة القتل مسها الوصب

حمرتها من دماء من قتلت ... والدم في النصل شاهد عجب

وله كل معنى مليح في الترسل، وكان يعارض القاضي الفاضل في رسائله، فإذا أنشأ رسالة أنشأ مثلها، وكان بينهما مكاتبات ومجاوبات، ولم يكن له في النظم شيء حسن، وسأذكر منه أنموذجاً:

ثلاثة تعطي الفرح ... كأس وكوب وقدح

ما ذبح الزق لها ... إلا وللهم ذبح وكان كثيراً ما بنشد:

قلب كفاه من الصبابة أنه ... لبى دعاء الظاعنين وما دعي

ومن الظنون الفاسدات توهم ... بعد اليقين بقاؤه في أضلعي وهذان البيتان من جملة أبيات للفقيه عمارة اليمني - المقدم ذكره.

ومحاسنه كثيرة، وقد طال الشرح.

وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وبالغ في الثناء عليه وقال: ورد إربل في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وستمائة، وكانت ولادته بجزيرة ابن عمر في يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة؛ وتوفي في إحدى الجماديين سنة سبع وثلاثين وستمائة، ببغداد، وقد توجه إليها رسولاً من جهة صاحب الموصل، وصلي عليه من الغد بجامع القصر ودفن بمقابر قريش في الجانب الغربي بمشهد موسى بن جعفر، رضي الله عنهما.

قال أبو عبد الله محمد بن النجار البغدادي في " تاريخ بغداد ": توفي يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة، وهو أخبر، لأنه صاحب هذا الفن، وقد مات عندهم.