‏إظهار الرسائل ذات التسميات سنة الميلاد:478. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سنة الميلاد:478. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 21 مايو 2017

محمد بن ملكشاه السلجوقي

    أبو شجاع محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان المذكور قبله، الملقب غياث الدين، وقد تقدم في ترجمة جده تتمة نسبه فلا حاجة إلى الإعادة.
    ولما توفي والده ملكشاه اقتسم مملكته أولاده الثلاثة وهو بركياروق وسنجر - وقد تقدم ذكرهما - ومحمد المذكور، ولم يكن لمحمد وسنجر، وهما من أم واحدة، وجود بركياروق حديث، لأنه كان السلطان المشار إليه، وهما كالأتباع له، ثم اختلف محمد وبركياروق، فدخل محمد المذكور وأخوه سنجر إلى بغداد، وخلع عليهما الإمام المستظهر بالله، وكان محمد قد التمس من أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه سنجر، فأجيب إلى ذلك، وجلس لهما في قبة التاج وحضر أرباب المناصب وأتباعهم وجلس أمير المؤمنين على سدته، ووقف سيف الدولة صدقة بن مزيد صاحب الحلة عن يمين السدة، وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب، وأفيض على محمد الخلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها، وأبس الطوق والتاج والسوارين، وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلده سيفين، وأعطاه خمسة أفراس بمراكبها، وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله، وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع بغداد كجاري عادتهم في ذلك الزمان وتركوا الخطبة لبركياروق لسبب اقتضى ذلك، ولا حاجة لشرحه لطوله، قال محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه: وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وقال صاحب تاريخ السلجوقية: أقيمت الخطبة ببغداد للسلطان محمد في سابع عشر ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعين واربعمائة، ووافقه على ذلك غيره؛ ثم قال الهمداني: وكان من الاتفاق العجيب أن خطيب جامع القصر ببغداد لما بلغ إلى الدعاء للسلطان بركياروق، وأراد أن يذكره، سبق لسانه للسلطان محمد ودعا له، فأتى أصحاب بركياروق وشنعوا بما جرى في الديوان العزيز، فعزل الخطيب لهذا السبب ورتبوا ولده موضعه، فلم تتأخر خطبة السلطان محمد عن هذه الواقعة إلا أياماً قلائل، وكان ذلك فألاً للسلطان محمد، وأما بركياروق فإنه كان مريضاً وانحدر إلى واسط، ثم قوي أمره واستظهر، وجرى بينه وبين أخيه محمد مصاف على الري، وانكسر محمد، وبالجملة فإن شرح ذلك يطول.
    وكان السلطان محمد المذكور رجل الملوك السلجوقية وفحلهم، وله الآثار الجميلة والسيرة الحسنة، والمعدلة الشاملة، والبر للفقراء والأيتام، والحرب للطائفة الملحدة والنظر في أمور الرعية.
    وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وذكر أنه وصل إليها في تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ورحل عنها متوجهاً إلى الموصل في ثاني عشر الشهر المذكور، ثم قال: ووجدت في كتاب ذكره الإمام أبو حامد الغزالي في مخاطبته السلطان محمد بن ملكشاه: اعلم يا سلطان 
    العالم أن بني آدم طائفتين: طائفة غفلاء نظروا إلى مشاهد حال الدنيا، وتمسكوا بتأميل العمر الطويل، ولم يتفكروا في النفس الأخير، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم، لينظروا إلى ماذا يكون مصيرهم، وكيف يخرجون من الدنيا ويفرقونها وإيمانهم سالم، وما الذي ينزل من الدنيا في قبورهم، وما الذي يتركون لأعيادهم من بعدهم ويبقى عليهم وباله ونكاله.
    ثم إن السلطان محمداً استقل بالمماليك بعد موت أخيه بركياروق - في التاريخ المذكور في ترجمته - ولم يبق له منازع وصفت له الدنيا، وأقام على ذلك مدة، ثم مرض زماناً طويلاً، وتوفي يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة بمدينة أصبهان، وعمره سبع وثلاثون سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وهو مدفون بأصبهان في مدرسة عظيمة، وهي موقوفة على الطائفة الحنفية، وليس بأصبهان مدرسة مثلها. ولما أيس من نفسه  أحضر ولده محمداً - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقبله وبكى كل واحد منهما، وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة وينظر في أمور الناس، فقال لوالده: إنه يوم غير مبارك، يعني من طريق النجوم، فقال: صدقت، ولكن على أبيك، وأما عليك فمبارك بالسلطنة. فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين، ولم يخلف أحد من الملوك السلجوقية ما خلفه من الذخائر وأصناف الموال والدواب وغير ذلك مما يطول شرحه، رحمه الله تعالى؛ وسيأتي ذكر والده في هذا الحرف، إن شاء الله تعالى.
     وتزوج الإمام المقتفي أمر الله فاطمة ابنة السلطان محمد المذكور، وكان الوكيل في قبول النكاح الوزير شرف الدين أبا القاسم علي ابن طراد الزينبي، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وحضر أخوها مسعود العقد، ونقلت  فاطمة ابنة السلطان المذكورة إلى دار الخلافة للزفاف سنة أربع وثلاثين، ويقال إنها كانت تقرأ وتكتب، ولها التدبير الصائب، وسكنت في الموضع المعروف بدركاه خاتون، وتوفيت في عصمته يوم السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع

السبت، 13 مايو 2017

الخالدي المعروف بابن القيسراني الشاعر

    أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير بن داغر بن محمد بن خالد بن نصر بن داغر بن عبد الرحمن بن المهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي، الخالدي الحلبي الملقب شرف المعالي عدة الدين، المعروف بابن القيسراني، هكذا أملى علي نسبه بعض حفدته، الشاعر المشهور؛ من الشعراء المجيدين والأدباء المتفنين (2) ، قرأ الأدب على توفيق بن محمد وأبي عبد الله ابن الخياط الشاعر - المقدم ذكره  - وكان فاضلا في الأدب وعلم الهيئة، سمع بحلب من الخطيب أبي طاهر هاشم بن أحمد الحلبي وغيره، وسمع منه الحافظان أبو القاسم ابن عساكر وأبو سعد ابن السمعاني  ، وذكراه في كتابيهما، وكذلك ابو المعالي الحظيري، وذكره في كتاب " الملح " (5) أيضا.
    وكان هو وابن منير - المذكور في حرف الهمزة  - شاعري الشام في ذلك العصر، وجرت بينهما وقائع وماجرايات وملح ونوادر، وكان ابن منير ينسب إلى التحامل على الصحابة، رضي الله عنهم، ويميل إلى التشيع، فكتب إليه ابن القيسراني المذكور وقد بلغه أنه هجاه:
    ابن منير هجوت مني ... حبرا أفاد الورى صوابه
    ولم تضيق بذاك صدري ... فإن لي أسوة الصحابة ومن محاسن شعره قوله:
    كم ليلة بت من كاسي وريقته ... نشوان أمزج سلسالا بسلسال
    وبات لا تحتمي عني مراشفه ... كأنما ثغره ثغر بلا والي
    وظفرت بديوانه وجميعه بخطبه وأنا يومئذ بمدينة حلب ونقلت منه أشياء فمن ذلك قوله في مدح خطيب:
    شرح المنبر صدرا ... لتلقيك رحيبا
    أترى ضم خطيبا ... منك أم ضمخ طيبا
    وهذا الجناس في غاية الحسن؛ ثم وجدت هذين البيتين لأبي القاسم ابن زيد ابن أبي الفتح أحمد بن عبيد بن فضل  الموازيني الحلبي المعروف أبوه بالماهر، وأن ابن القيسراني المذكور أنشدهما للخطيب ابن هاشم لما تولى خطابة حلب فنسيا إليه  ، ورأيت الأول على هذه الصورة، وهو:
    قد زها المنبر عجبا ... إذ ترقيت خطيبا وله في الغزل:
    بالسفح من لبنان لي ... قمر منازله القلوب
    حملت تحيته الشما ... ل فردها عني الجنوب
    فرد الصفات غريبها ... والحسن في الدنيا غريب
    لم أنس ليلة قال لي ... لما رأى جسدي يذوب
    بالله قل لي من أعل ... ك يافتى قلت: الطبيب
    وله أيضا  :
    وقالوا لاح عارضه ... وما ولت ولايته
    فقلت عذار من أهوى ... أماراته إمارته
    ومن معانيه البديعة قوله من جملة قصيدته رائقة :
    هذا الذي سلب العشاق نومهم ... أما ترى عينيه ملأى من الوسن
    وهذا البيت ينظر إلى قول المتنبي في مدح سيف الدولة بن حمدان:
    نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
     وكان كثير الإعجاب بقوله من جملة قصيدة:
    وأهوى الذي أهوى له البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر الترب وحضر مرة في سماع وكان المغني حسن الغناء، فلما طربت الجماعة وتواجدت عمل :
    والله لو أنصفت العشاق انفسهم ... فدوك منها بما عزوا وما صانوا
    ما أنت حين تغني في مجالسهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان
    وأنشدني صاحبنا الفخر إسحاق بن المختص الإربلي لنفسه دوبيت، وأخبرني أنه كان في سماع وفيه جماعة من أرباب القلوب، فلما طابت  الجماعة كان هناك فرش منضود على كراسي فتساقطت، قال: فعملت في الحال:
    داعي النغمات حلقة الشوق طرق ... وهنا فأجابته شجون وحرق لو أسمع صخرة لخرت طربا ... من نغمته فكيف قطن وخرق وكانت ولادة ابن القيسراني المذكور سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعكا. وتوفي ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة من شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بمدينة دمشق، ودفن بمقبرة باب الفراديس، رحمه الله تعالى.
    والخالدي: بفتح الخاء المعجمة وبعد الألف لام ثم دال مهملة، هذه النسبة إلى خالد بن الوليد المخزومي، رضي الله عنه؛ هكذا يزعم أهل بيته، وأكثر المؤرخين وعلماء الأنساب يقولون: إن خالدا رضي الله عنه، لم يتصل نسبه بل انقطع منذ زمان، والله أعلم.
    والقيسراني: بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة والراء وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى قيسارية، وهي بليدة بالشام على ساحل البحر.

الخميس، 2 مارس 2017

الشيخ الخصر بن عقيل الإربلي

    أبو العباس الخصر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي الفقيه الشافعي؛ كان فقيهاً فاضلاً عارفاً بالمذهب والفرائض والخلاف، اشتغل ببغداد على الكيا الهراسي وابن الشاشي ولقي عدة من مشايخها، ثم رجع إلى إربل، وبنى له بها الأمير أبو منصور سرفتكين بن عبد الله الزيني، نائب صاحب إربل، مدرسة القلعة، وتاريخها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودرس فيها زماناً، وهو أول من درس بإربل، وله تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقه وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ستاً وعشرين خطبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكان رجلاً صالحاً زاهداً عابداً ورعاً متقللاً ونفسه مباركاً.
    وذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (2) وأثنى عليه، وكان قد قدم دمشق فأقام بها مدة ثم رجع إلى إربل.
    ومن جملة من تخرج عليه الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو عمرو عثمان بن عيسى
    ابن درباس الهذباني، الذي شرح " المهذب " - وسيأتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى - وتخرج عليه أيضاً بان أخيه عز الدين أبو القاسم نصر بن عقيل ابن نصر وغيرهما.
    وكانت ولادته سنة ثمان وسبعين وأربعمائة  وكانت وفاته ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمسمائة بإربل ودفن بها في مدرسته التي بالربض في قبة مفردة، وقبره يزار وزرته كثيراً، رحمه الله تعالى.
     ولما توفي تولى موضعه ابن أخيه المذكور في المدرستين، وكان فاضلاً، ومولده بإربل سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وسخط عليه الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل وأخرجه منها، فانتقل إلى الموصل، فكتب إليه أبو الدر الرومي - الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - من بغداد، وكان صاحبه (2) :
    أيا ابن عقيل لا تخف سطوة العدا ... وإن أظهرت ما أضمرت من عنادها
    وأقصتك يوماً عن بلادك فتية ... رأت فيك فضلاً لم يكن في بلادها
    كذا عادة الغربان تكره أن ترى ... بياض البزاة الشهب بين سوادها
     وأشار بذلك إلى الجماعة الذين سعوا به حتى غيروا خاطر الملك عليه، وكان ذلك في سنة اثنتين أو ثلاث وستمائة، كذا أعرفه، وقال ابن باطيش: في سنة ست وستمائة، والله أعلم.
     وفي تلك السنة خرجت الكرج على مدينة مرند، من أعمال أذربيجان، وهي قريبة من إربل، فقتلوا وسبوا واسروا، فعمل شرف الدين محمد وله عز الدين أبي القاسم المذكور في إخراجهم من إربل:
    إن يكن أخرجوا النساء من الأو ... طانِ ظلماً وأسرفوا في التعدي
    قلنا أسوة بمن جارت الكر ... ج عليهم وأخرجوا من مرند وهذا الشرف له في عمل الدوبيت اليد الطولى، ولولا خوف التطويل لذكرت شيئاً منها.
    وسكن عز الدين ظاهر الموصل في رباط ابن الشهرزوري، وقرر له صاحب الموصل راتباً، ولم يزل هناك حتى توفي يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر وقيل جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى، ودفن بمقبرة تل توبه، وهو ابن خالة الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس، وتوفي ولده الشرف المذكور ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، رحمه الله تعالى، ومولده في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل، وقرأ الفقه على أبيه وعلى عماد الدين بن يونس، والأدب على أبي الحرم مكي.
    ) وسرفتكين - بفتح السين المهملة والراء وسكون الفاء وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها نون - كان مملوك زين الدين علي صاحب إربل، والد مظفر الدين، وكان أرمنياً صالحاً فأعتقه وتقدم عنده واعتمد عليه واستنابه في المملكة، وبنى مساجد كثيرة بإربل وقراها وبنى المدرسة المذكورة، وبنى سور مدينة فيد التي في طريق مكة من جهة بغداد، وأثر آثاراً صالحة، كل ذلك من ماله، وتوفي في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

السبت، 28 يناير 2017

ابن الحطيئة اللخمي

    أبو العباس أحمد بن عبد الله بن احمد بن هشام بن الحطيئة اللخمي الفاسي؛ كان من مشاهير الصلحاء وأعيانهم، وكان مع صلاحه فيه فضيلة ومعرفة بالأدب، وكان رأساً في القراءات السبع، ونسخ بخطه كثيرا من كتب الأدب وغيرها، وكان جيد الخط، حسن الضبط، والكتب التي توجد بخطه مرغوب فيها للتبرك بها ولإتقانها.
    ومولده في الساعة الثامنة من يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمدينة فاس، وانتقل إلى الديار المصرية، ولأهلها فيه اعتقاد كبير لما رأوه من صلاحه، وكان قد حج ودخل الشام، واستوطن خارج مصر في جامع راشدة، وكان لا يقبل لأحد شيئا ولا يرتزق على الإقراء، واتفق بمصر مجاعة شديدة فمشى إليه أجلاء المصريين وسألوه قبول شيء فامتنع، وكان عدلاً بزازاً في القاهرة، فتزوجها وسأل أن تكون أمها عندها، فأذن في ذلك، وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه، وبقي منفردا ينسخ ويأكل من نسخه [وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئا؛ قيل: جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف وحلف عليه به، فقال: اجعله على ذلك الوتد، فأقام ثلاثين سنة موضعه. لم يزل بالشرق إلى نوبة مصر المشهورة وحريقها فنزل في دويرة بها ... ]
    وتوفي في أواخر المحرم سنة ستين وخمسمائة بمصر، ودفن في القرافة الصغرى
    وقبره يزار بها، وزرته ليلا فوجدت عنده أنسا كثيرا، رحمه الله تعالى.
    وكان يقول: أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أشار إلى الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد، وشرع بعده في التضعضع والاضطراب.
    وذكر في كتاب " الدول المنقطعة " (1) في ترجمة أبي الميمون عبد المجيد صاحب مصر أن الناس أقاموا بلا قاض ثلاثة أشهرفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ثم اختير في ذي القعدة أبو العباس ابن الحطيئة، فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة فلم يمكن من ذلك، وتولى غيره، والله تعالى أعلم.
    والحطيئة: بضم الحاء المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الهمزة هاء.
    والفاسي - بفتح الفاء وبعد الألف سين مهملة - هذه النسبة إلى فاس وهي مدينة كبيرة بالمغرب بالقرب من سبتة خرج منها جماعة من العلماء.

الاثنين، 23 يناير 2017

الحافظ السلفي

    الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد إبراهيم سلفة الأصبهاني الملقب صدر الدين؛ أحد الحفاظ المكثرين، رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ وكان شافعي المذهب، ورد بغداد، واشتغل بها على الكيا أبي الحسن علي الهراسي في الفقه وعلى الخطيب أبي زكيريا يحيى بن علي (2) التبريزي اللغوي باللغة. وروى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأمائل، وجاب البلاد وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية سنة إجدى عشرة وخمسمائة في ذي القعدة، وكان قدومه إليه في البحر من مدينة صور، وأقام به، وقصده الناس من الأماكن البيعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار، وزير الظافر العبيدي صاحب مصر، في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المذكور وفوضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن، وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية، وسمعت عليهم وأجازوني. وكان قد كتب الكثير، ونقلت من خطة فوائد جمة، ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي من قصيدة:
    لولا اشتغالي بالأمير ومدحه ... لأطلت في ذاك الغزال تغزلي
    لكن أوصاف الجلال عذبن لي ... فتركت أوصاف الجمال بمعزل
    ونقلت من خطه أيضا لبثينة صاحبة جميل ترثيه  :

    وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
    سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها

     وكان كثيراً ما ينشد:
    قالوا نفوس الدار سكانها ... وأنتم عندي نفوس النفوس
     وأماليه  وتعاليقه كثيرة، والاختصار بالمختصر أولى.
    وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريباً بأصبهان، وتوفي ضحوة نهار الجمعة - وقيل: ليلة الجمعة - خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، ودفن في وعلة، وهي مقبرة داخل السور عند الباب الخضر فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره.
    ووعلة: بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء، ويقال: إن هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وعلة السبئي المصري، صاحب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل غير ذلك، رحمه الله تعالى.
    قلت: وجدت العلماء المحدثين بالديار المصرية، من جملتهم: الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (3) ، محدث مصر في زمانه، يقولون في مولد الحافظ السفلي هذه المقالة. ثم وجدت في كتاب زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض، تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن ابن أبي الفضل عبد المجيد بن إسماعيل بن حفص الصفراوي (4) الإسكندري، أن 
    الحافظ أبا طاهر السفلي المذكور وهو شيخه - كان يقول: مولدي بالتخمين، لا باليقين، سنة ثمان وسبعين، فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانياً وتسعين سنة،هذا آخر كلام الصفراوي المذكور. ورأيت في تاريخ الحافظ محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي، فإنه قال: قال عبد الغني المقدسي: سألت الحافظ السفلي عن مولده، فقال: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان لي من العمر حدود عشر سنين.قلت: ولو كان مولده على ما يقوله أهل مصر أنه في سنة اثنتين وسبعين ما كان يقول أذكر قتل الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فانه على مايقولون قد كان عمره ثلاث عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة، ولم تجر العادة أن من يكون في هذا السن يقول: أنا أذكر القضية الفلانية، وإنما يقول ذلك من يكون عمره تقديراً أربع سنين أو خمس سنين أو ستاً، فقد ظهر بهذا أن قول الصفراوي أقرب إلى الصحة، وهو تلميذه، وقد سمع منه أنه قال: مولدي في سنة ثمان وسبعين، وليس الصفراوي ممن يشك في قوله، ولا يرتاد في صحته، مع أننا ماعلمنا أن أحداً منذ ثلثمائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلاً عن أنه زاد عيها، سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، فإنه عاش مائة سنة وسنتين - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى -.
    ونسبته إلى جده إبراهيم سلفة - بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء - وهو لفظ عجمي، ومعناه بالعربي ثلاث شفاه، لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية، والأصل فيه سلبه بالباء، فأبدلت بالفاء.