‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:316. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:316. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 4 مايو 2017

أبو بكر ابن السراج النحوي

    أبو بكر محمد بن السري بن سهل  النحوي المعروف بابن السراج؛ كان أحد الأئمة المشاهير، المجمع على فضله ونبله وجلالة قدره في النحو والآداب، أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد - المقدم ذكره - وغيره، وأخذ عنه جماعة من الأعيان منهم: أبو سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما، ونقل عنه الجوهري في كتاب الصحاح في مواضع عديدة. وله التصانيف المشهورة في النحو: منها كتاب الأصول وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، وكتابجمل الأصول وكتاب الموجز صغير، وكتاب الاشتقاق وكتابشرح كتاب سيبويه وكتاب احتجاج القراء وكتاب الشعر والشعراء وكتاب الرياح والهواء والنار وكتاب الجمل وكتاب " المواصلات " .
    وكان يلثغ في الراء فيجعلها غينا، فأملى يوما كلاما فيه لفظة بالراء، فكتبوها عنه بالغين، فقال: لا، بالغاء، لا بالغاء يريد بالراء، وجعل يكررها على هذه الصورة  . ورأيت في بعض المجاميع أبياتا منسوبة إليه ولا أتحقق صحتها، وهي سائرة بين الناس في جارية كان يهواها، وهي:
    ميزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
    حلفت لنا أن لاتخون عهودنا ... فكأنما حلفت لنا أان لا تفي
    والله لا كلمتها ولو أنها ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
    وبعد الفراغ من هذه الترجمة وجدت هذه الأبيات له، ولها قصة عجيبة  ، وهي أن أبا بكر المذكور كان يهوى جارية فجفته، فاتفق وصول الإمام المكتفي في تلك الأيام من الرقة، فاجتمع الناس لرؤيته، فلما رآه أبو بكر استحسنه، وأنشد لأصحابه الأبيات المذكورة، ثم إن أبا عبد الله محمد بن إسماعيل بن زنجي الكاتب أنشدها لأبي العباس ابن الفرات، وقال: هي لابن المعتز، وأنشدها أبو العباس للقاسم بن عبيد الله الوزير، فاجتمع الوزير بالمكتفي وأنشده إياها فقال لمن هي، فقال لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فأمر له بألف دينار، فوصلت إليه فقال ابن زنجي: ما أعجب هذه القصة! يعمل أبو بكر ابن السراج أبياتا تكون سببا لوصول الرزق إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر.
    توفي أبو بكر المذكور يوم الأحد لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
    والسراج: بفتح السين المهملة والراء المشددة وبعد الألف جيم، هذه النسبة إلى عمل السروج.

أبو عبد الله اليزيدي

    أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد اليزيدي النحوي - وسيأتي ذكر جده أبي محمد يحيى بن المبارك العدوي اليزيدي إن شاء الله تعالى -؛ كان محمد المذكور إماما في النحو والأدب ونقل النوادر وكلام العرب. ومما رواه أن أعرابيا هوي أعرابية فأهدى إليها ثلاثين شاة وزقا من خمر مع عبد له أسود فأخذ العبد شاة في الطريق فذبحها وأكل منها وشرب بعض الزق، فلما جاءها بالباقي عرفت أنه خانها في الهدية، فلما عزم على الانصراف سألها: هل لك من حاجة فأرادت إعلام سيده بما فعله في الطريق فقالت له: اقرأعليه السلام وقل له: إن الشهر كان عندنا محاقا، وإن سحيما راعي غنمنا جاء مرثوما، فلم يعلم العبد ما أرادت بهذه الكناية، فلما عاد إلى مولاه أخبره برسالتها ففطن لما أرادته، فدعا له بالهراوة وقال: لتصدقني وإلا ضربتك بهذه ضربا مبرحا، فأخبره الخبر، فعفا عنه، وهذه من لطائف الكنايات وأحلى الإشارات.
    [وروى أبو محمد ابن قتيبة في هذا المعنى عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: حدثني شيخ من بني العنبر قال: أسرت بنو شيبان رجلا من العرب من بني العنبر، فقال لهم: أرسل إلي أهلي ليفدوني فقالوا: ولا تكلم الرسول إلا بين أيدينا، فجاءوه برسول فقال له: ايت قومي فقل لهم: إن الشجر قد أورق وإن النساء قد أشكت، قال له: أتعقل قال: نعم، قال: فما هذا وأشار بيده، فقال: هذا الليل، فقال: أراك تعقل، انطلق فقل لأهلي: عروا جملي الأصهب واركبوا ناقتي الحمراء واسألوا حارثة عن أمري؛ فأتاهم الرسول، فأرسلوا إلى حارثة فقص عليه الرسول القصة، فلما خلا معهم قال: أما قوله: ان الشجر قد أورق فإنه يريد أن القوم قد تسلحوا، وقوله: ان النساء قد شكت [أشكت أي] اتخذت الشكاء للغزو وهي أسقية، وقوله: هذا الليل، يريد يأتونكم مثل الليل، أو في الليل، وقوله: عروا جملي الأصهب، يريد ارتحلوا عن الصمان، وقوله: اركبوا ناقتي [الحمراء] يريد: اركبوا الدهناء. فلما قال لهم ذلك تحملوا من مكانهم، فلما أتاهم القوم لم يجدوا منهم أحدا.
    وحكي عن الأعرابي قال: أسرت طيء رجلا شابا من العرب، فقدم عليه أبوه وعمه ليفدياه، فاشتطوا عليهما في الفداء فأعطيا به عطية لم يرضوا بها، فقال أبوه: لا والذي جعل الفرقدين يصبحان ويمسيان على جبل طيء لاأزيدكم على ما أعطيتكم. ثم انصرفا، فقال الأب للعم: لقد ألقيت إليه كلمة لئن كان فيه خير لينجون، فما لبث أن نجا وطرد قطعة من إبلهم فذهب بها، كأنه قال له: الزم الفرقدين على جبلي طيء فإنهما طالعان عليه ولا يغيبان عنه]  .
    والمرثوم: بفتح الميم وسكون الراء وضم الثاء المثلثة، المكسور الألف الملطخ بالدم، والرثم: البياض في جحفلة الفرس العليا، وهو في الزق مستعمل على سبيل الاستعارة.
    وله تصانيف، فمن ذلك كتاب " الخيل " وكتاب " مناقب بني العباس " وكتاب أخبار اليزيدين وله مختصر في النحو. وكان قد استدعي في آخر عمره إلى تعليم أولاد المقتدر بالله فلزمهم مدة، ولقيه بعض أصحابه بعد اتصاله بالخليفة فسأله أن يقرئه فقال: أنا في شغل عن ذلك .
     وتوفي أبو عبد الله المذكور ليلة الأحد أول الليل لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة عشر وثلثمائة، وعمره اثنتان وثمانون سنة وثلاثة أشهر، رحمه الله تعالى.
    واليزيدي:نسبة إلى يزيد بن منصور  - وسيأتي الكلام على ذلك في ترجمة جده أبي محمد يحيى بن المبارك، إن شاء الله تعالى.

الخميس، 6 أبريل 2017

الأخفش الأصغر

    أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المعروف بالأخفش الأصغر النحوي؛ كان عالماً، روى عن المبرد وثعلب وغيرهما، وروى عنه المرزباني وأبو الفرج المعافى الجريري وغيرهما، وكان ثقة، وهو غير الأخفش الأكبر والأخفش الأوسط.
     فإن الأخفش الأكبر هو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد من أهل هجر من مواليهم، وكان نحوياً لغوياً وله ألفاظ لغوية انفرد بنقلها عن العرب وأخذ عنه سيبويه وأبو عبيدة ومن في طبقتهما، ولم أظفر له بوفاة حتى أفرد له ترجمة.
    والأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة - وقد تقدم ذكره في حرف السين  - وهو صاحب سيبويه.
    وكان بين الأخفش المذكور وبين ابن الرومي الشاعر منافسة، فكان الأخفش يباكر داره ويقول عند بابه كلاماً يتطير به ، وكان ابن الرومي كثير التطير، فإذا سمع كلامه لم يخرج ذلك اليوم من بيته، فكثر ذلك منه، فهجاه ابن الرومي بأهاج كثيرة، وهي مثبتة في ديوانه، وكان الأخفش يحفظها ويوردها في جملة ما يوردها استحساناً لها وافتخاراً بأنه نوه بذكره إذ هجاه، فلما علم ابن الرومي بذلك أقصر عنه.
    وقال المرزباني : لم يكن الأخفش بالمتسع في الرواية للأشعار والعلم بالنحو؛ وما علمته صنف شيئاً البتة ولا قال شعراً، وكان إذا سئل عن مسألة في النحو ضجر وانتهر من يسأله.
    وكان وفاة أبي الحسن المذكور في ذي القعدة، وقيل شعبان، سنة خمس عشرة، وقيل ست عشرة وثلثمائة، فجاءة ببغداد، ودفن بمقبرة قنطرة بردان. ودخل مصر سنة سبع وثمانين ومائتين، وخرج منها إلى حلب سنة ست وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
    والأخفش: بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الفاء وبعدها شين معجمة، وهو الصغير العين مع سوء بصرها.
    وبردان: بفتح الباء الموحدة والراء والدال المهملة وبعد الألف نون، وهي قرية من قرى بغداد خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم.
    وقال أبو الحسن ثابت بن سنان: كان الأخفش المذكور يواصل المقام عند أبي علي ابن مقلة، وأبو علي يراعيه ويبره، فشكا إليه في بعض الأيام ما هو فيه من وشدة الفاقة وزيادة الإضاقة، وسأله أن يكلم (2) الوزير أبا الحسن علي بن عيسى في أمره، ويسأله إقرار رزق له في جملة من يرتزق من أمثاله، فخاطبه أبو علي في ذلك، وعرّفه اختلال حاله وتعذر القوت عليه في أكثر أيامه، وسأله أن يجري عليه رزقاً أسوة بأمثاله، فانتهره الوزير انتهاراً شديداً، وكان ذلك في مجلس حافل، فشق ذلك على أبى علي وقام من مجلسه، وصار إلى منزله لائماً نفسه على سؤاله، ووقف الأخفش على الصورة، فاغتم لها وانتهت به الحال إلى أكل السلجم النيئ، فقيل إنه قبض على فؤاده، فمات فجأة في التاريخ المذكور.
    كان أبو الحسن الأخفش كثيراً ما ينشد وعلي على الناس، وكأنه كان يعرض بأبي علي ابن مقلة الوزير :
    هون عليك فإني غير جائيكا ... وإنني غير ماضٍ في نواحيكا
    والله لو كانت الدنيا بزينتها ... وادٍ بكفك لم أحلل بواديكا
    ولو ملكت رقاب الناس كلهم ... شرقاً وغرباً لما جئنا نهنيكا

الثلاثاء، 17 يناير 2017

بو إسحاق الزجاج

    أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السرى بن سهل الزجاج النحوي؛ كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، وصنف كتاباً في معاني القرآن وله كتاب الأمالي، وكتاب مافسر من جامع المنطق، وكتاب الاشتقاق، وكتاب العروض، وكتاب القوافي وكتاب الفرق، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب خلق الفرس، وكتاب مختصر في النحو، وكتاب فعلت وأفعلت، وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف، وكتاب شرح أبيات سيبويه، وكتاب النوادر، وكتاب الأنواء، وغير ذلك.
    وأخذ الأدب عن المبرد وثعلب، رحمهما الله تعالى، وكان يخرط الزجاج، ثم تركه واشتغل بالأدب، فنسب إليه. روى أبو سليمان الخطابي عن أحمد بن الحسين الفرائضي قال: كان أصحاب المبرد إذا اجتمعوا واستأذنوا يخرج الآذن فيقول: إن كان فيكم أبو إسحاق الزجاج وإلا انصرفوا، فحضروا مرة ولم يكن الزجاج معهم؛ فقال لهم ذلك فانصرفوا، وثبت رجل منهم يقال له عثمان، فقال للآذن: قل لأبي العباس: انصرف القوم كلهم إلا عثمان فإنه لمينصرف، فعاد إليه الآذن وأخبره، فقال: قل له إن عثمان إذا كان نكرة انصرف، ونحن لا نعرفك فانصرف راشدا . واختص بصحبة الوزير عبيد الله ابن سليمان بن وهب، وعلم ولده القاسم الأدب، ولما استوزر القاسم بن عبيد الله أفاد بطريقه مالاً جزيلاً.
    وحكى الشيخ أبو علي الفارسي النحوي قال  : دخلت مع شيخنا أبي إسحاق الزجاج على القاسم بن عبيد الله الوزير فورد إليه الخادم فساره بسراستبشر له، ثم نهض، فلم يكن بأسرع من أن عاد وفي وجهه أثر الوجوم، فسأله شيخنا عن ذلك لأنس كان بينهما، فقال له: كانت تختلف إلينا جارية لإحدى القينات فسمتها أن تبيعني إياها، فامتنعت من ذلك، ثم أشار عليها أحد من ينصحها بأن تهديها إلي رجاء أن أضاعف لها ثمنها، فلما جاءت أعلمني الخادم بذلك، فنهضت مستبشراً لافتضاضها فوجدتها قد حاضت، فكان مني ما ترى، فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه، وكتب:
    فارس ماض بحربته ... حاذق بالطعن في الظلم
    رام أن يدمي فريسته ... فاتقته من دمٍ بدم قلت: وسيأتي في ترجمة بوران بنت الحسن بن سهل ذكر هذين البيتين على صورة أخرى، فيما جرى لها مع المأمون، والله أعلم بالصواب، ويحتمل أن تكون قضية المأمون مع بوران هي الأصل، وأن الزجاج تمثل بالبيتين لما جرى للوزير هذه القضية، والله أعلم.
    توفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة سنة عشر - وقيل: سنة إحدى عشرة، وقيل: سنة ست عشرة - وثلثمائة، ببغداد، رحمة الله تعالى، وقد أناف على ثمانين سنة.
    وإليه ينسب أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي صاحب كتاب الجمل في النحو، لأنه كان تلميذه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته، رحمه الله؛ وعنه أخذ أبو علي الفارسي أيضاً.