‏إظهار الرسائل ذات التسميات سنة الميلاد:544. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سنة الميلاد:544. إظهار كافة الرسائل

السبت، 3 يونيو 2017

موفق الدين العيلاني المصري

    أبو العز مظفر بن إبراهيم بن جماعة بن علي بن شامي (2) بن أحمد بن ناهض بن عبد الرزاق العيلاني، الحنبلي المذهب الملقب موفق الدين، الشاعر المشهور المصري؛ كان أديباً عروضياً شاعراً مجيداً، صنف في العروض مختصراً جيداً دل على حذقه فيه، وله ديوان شعر رائق (3) ، وكان ضريراً، فمن شعره:
    قالوا عشقت وأنت أعمى ... ظبياً كحيل الطرف ألمى
    وحلاه ما عاينتها ... فنقول قد شغفتك هما
    وخياله بك في المنا ... م فما أطاف ولا ألما
    من أين أرسل للفؤا ... د، وأنت لم تنظره، سهما
    ومتى رأيت جماله ... حتى كساك هواه سقما
    والعين داعية الهوى ... وبه تنم إذا تنمى] (1)
    وبأي جارحة وصل ... ت لوصفه نثراً ونظما
    فأجبت إني موسو ... ي العشق إنصاتاً وفهما
    أهوى بجارحة السما ... ع، ولا أرى ذات المسمى ولقد أذكرتني هذه الأبيات أبياتاً لرجل ضرير أيضاً، والشيء بالشيء يذكر، وهي هذه:
    وغادة قالت لأترابها ... يا قوم ما أعجب هذا الضرير
    أيعشق الإنسان ما لا يرى ... فقلت والدمع بعيني غزير:
    إن لم تكن عيني رأت شخصها ... فإنها قد مثلت في الضمير ومثل هذا أيضاً قول المهذب عمر بن محمد المعروف بابن الشحنة الموصلي الأديب الشاعر المشهور من جملة قصيدة طويلة مدح بها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والبيت المقصود قوله:
    وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها، والأذن كالعين تعشق
    وقد أخذ هذا المعنى من قول بشاربن برد الشاعر المقدم ذكره:
    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... سمعت بها، والأذن تعشق قبل العين أحياناً
     وكان الوزير صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي، عرف بابن شكر، قد عاد من الشام إلى مصر، فخرج أصحابه للقائه إلى الخشبي المنزلة المجاورة للعباسة، فكتب مظفر المذكور إليه هذه الأبيات، يعتذر من تأخره عن الخروج إليه وهي:
    قالوا إلى الخشبي سرنا على عجل ... نلقى الوزير جميعاً ذوي الرتب 
    ولم تسر أيها الأعمى، فقلت لهم: ... لم أخش من تعب ألقى ولا نصب
    وإنما النار في قلبي لوحشته ... فخفت أجمع بين النار والخشب وهذا المعنى مطروق لكنه استعمله حسناً.
    وأخبرني أحد أصحابه أن شخصاً يقال له: رأيت في بعض تواليف أبي العلاء المعري ما صورته: أصلحك الله وأبقاك، لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم إلى منزلنا الخالي، لكي نحدث عهداً بك يا زين الأخلاء، فما مثلك من غير عهداً أو غفل؛ وسأله: من أي الأبحر هذا وهل هو بيت واحد أم أكثر فإن كان أكثر فهل أبياته على روي واحد أم هي مختلفة الروي قال: فأفكر فيه، ثم أجابه بجواب حسن، فلما قال لي المخبر ذلك قلت له: اصبر علي حتى أنظر فيه ولا تقل ما قاله، ثم أفكرت فيه فوجدته يخرج من بحر الرجز، وهو المجزوء منه، وتشتمل هذه الكلمات على أربع أبيات على روي الكلام، وهي على صورة يسوغ استعمالها عند العروضيين، ومن لا يكون له معرفة بهذا الفن فإنه ينكرها، لأجل قطع الموصول منها، ولا بد من الإتيان بها لتظهر صورة ذلك، وهي:
    أصلحك (1) الله وأب ... قاك لقد كان من ال
    واجب أن تأتينا الي ... وم إلى منزلنا ال
    خالي لكي نحدث عه ... داً بك يا زين الأخل
    لاء فما مثلك من ... غير عهداً أو غفل وهذا إنما يذكره أهل هذا الشأن للمعاياة، لا لأنه من الأشعار المستعملة، فلما استخرجته عرضته على ذلك الشخص فقال: هكذا قاله مظفر الأعمى.
    وقال الشيخ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المحدث المصري، رحمه الله تعالى، أخبرني الأديب موفق الدين مظفر الضرير الشاعر المصري أنه دخل على القاضي السعيد بن سناء الملك - قلت: وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، واسمه هبة الله - قال: فقال لي: يا أديب، قد صنعت نصف بيت، ولي أيام أفكر فيه، ولا يأتي لي تمامه، فقلت: وما هو فأنشدني:
    بياض عذارى من سواد عذاره ... قال مظفر: فقلت: قد حصل تمامه وأنشدت:
    كما جل ناري فيه من جلناره ... فاستحسنه، وجعل يعمل عليه، فقلت في نفسي: أقوم وإلا يعمل المقطوع من كيسي  .
    وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود، لكن الكلام يسوق بعضه بعضاً.
    [وكتب مظفر المذكور لتقي الدين، ومدحه جماعة هو منهم، فخلع على الجميع ولم يخلع عليه:
    العبد مملوك مولانا وخادمه ... مظفر الشاعر الأعمى حليف ضنى
    يقبل الأرض إجلالاً لمالكه ... رقاً، وينهي إليه بعد كل هنا
    أن القميص جميع الناس قد بصروا ... به وما منهم يعقوب غير أنا وله يوم رمي الشواني:
    يا أيها الملك المسرور آمله ... هذي شوانيك ترمي يوم سراء
    كأنما هي قعبان بها ظمأ ... طاردت من البحر وانقضت على الماء وله في يوم لعبها:
    مولاي هذه الشواني في ملاعبها ... مثل الشواهين بين السهل والجبل
    تسقي مجاذيفها ماء وتنفضه ... نفض العقاب جناحهيا من البلل وله يصف فانوس الجامع العتيق بمصر:
    أرى علماً للناس ينصب ... على جامع ابن العاص أعلاه كوكب
    وما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمح زنجي سنان مذهب
    ومن عجب أن الثريا سماؤها ... مع الليل تلهي كل من يترقب
    فطوراً تحييه بباقة نرجس ... وطوراً يحييها بكاس تلهب
    وما الليل إلا قانص لغزالة ... بفانوس نار نحوها يتطلب
    ولم أر صيداً على البعد قبله ... إذا قربت منه الغزالة يهرب وشعره كثير] (1) .
    وكانت ولادة مظفر المذكور لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمصر. وتوفي بها سحر يوم السبت التاسع من المحرم سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن من الغد بسفح المقطم، رحمه الله تعالى.
    والعيلاني، بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد اللام ألف نون، هذه النسبة إلى قيس عيلان، وقيل قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن عدنان، فمن قال إنه قيس علان فقد اختلفوا في عيلان ماذا فمنهم من قال: هو اسم فرس كان له فأضيف إليه، وقيل اسم كلب كان له، وقيل اسم رجل كان قد حضنه صغيراً، وإنما أضيف إلى عيلان لأنه كان في عصره شخص يقال له قيس كبة - بضم الكاف وتشديد الباء الموحدة - وهو اسم فرس كنت له أيضاً، فكان كل واحد منهما يضاف إلى ما له ليتميز عن الآخر، والله أعلم، وقد قيل إن قيس عيلان اسمه الناس - بالنون - وهو أخو إلياس - بالياء - جد النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم بالصواب.

الأحد، 30 أبريل 2017

فخر الدين الرازي

    أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي البكري الطبرستاني الأصل الرازي المولد، الملقب فخر الدين، المعروف بابن الخطيب، الفقيه الشافعي، فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة منها تفسير القرآن الكريم جمع فيه كل غريب وغريبة، وهو كبير جدا لكنه لم يكمله، وشرح سورة الفاتحة في مجلد، ومنها في علم الكلام المطالب العالية ونهاية العقول وكتاب الأربعين والمحصل  وكتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان وكتاب المباحث العمادية في المطالب المعادية وكتاب تهذين الدلائل وعيون المسائل وكتاب إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار وكتاب أجوبة المسائل التجارية وكتاب تحصيل الحق وكتاب الزبدة والمعالم، وغير ذلك، وفي أصول الفقه المحصول والمعالم، وفي الحكمة الملخص وشرح الإشارات لابن سينا وشرح عيون الحكمة وغير ذلك، وفي الطلسمات السر المكتوم  وشرح أسماء الله الحسنى ويقال: إن له شرح المفصل في النحو للزمخشري، وشرح الوجيز في الفقه للغزالي، وشرح سقط الزند للمعري، وله مختصر في الإعجاز، ومؤاخذات جيدة على النحاة، وله طريقة في الخلاف، وله في الطب شرح الكليات للقانون، وصنف في علم الفراسة، وله مصنف في مناقب الشافعي ، وكل كتبه ممتعة، وانتشرت تصانيفه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وهو أو لمن اخترع هذا الترتيب في كتبه، وأتى فيها بما لم يسبق إليه.
    وكان له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين العربي والهجمي، وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة، ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة، وكان يلقب بهراة شيخ الإسلام.
    وكان مبدأ اشتغاله على والده إلى أن مات، ثم قصد الكمال السماني واشتغل عليه مدة، ثم عاد إلى الري واشتغل على المجد الجيلي، وهو أحد أصحاب محمد ابن يحيى، ولما طلب المجد الجيلي إلى مراغة ليدرس بها صحبه فخر الدين المذكور إليها، وقرأ عليه مدة طويلة علم الكلام والحكمة، ويقال إنه كان يحفظ الشامل لإمام الحرمين في علم الكلام، ثم قصد خوارزم وقد تمهر في العلوم فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى المذهب والاعتقاد، فأخرج من البلد، فقصد ما رواء النهر، فجرى له أيضا هناك ما جرى له في خوارزم، فعاد إلى الري، وكان بها طبيب حاذق له ثروة ونعمة، وكان للطبيب ابنتان، ولفخر الدين ابنان، فمرض الطبيب وأيقن بالموت فزوج ابنتيه لولدي فخر الدين، ومات الطبيب فاستولى فخر الدين على جميع أمواله، فمن ثم كانت له النعمة، ولازم الأسفار، وعامل شهاب الدين الغوري صاحب غزنة في جملة من المال، ثم مضى إليه لاستيفاء حقه منه فبالغ في إكرامه والإنعام عليه وحصل له من جهته مال طائل، وعاد إلى خراسان، واتصل بالسلطان محمد بن تكش المعروف بخوارزم شاه، وحظي عنده، ونال أسنى المراتب، ولم يبلغ أحد منزلته عنده، ومناقبه أكثر من أن تعد، وفضائله لا تحصى ولا تحد.
    وكان له مع هذه العلومشيء من النظم، فمن ذلك قوله:
    نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
    وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
    ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أنم جمعنا فيه قيل وقالوا
    ولم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
    وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
    وكان العلماء يقصدونه من البلاد، وتشد إليه الرحال من الأقطار، وحكى شرف الدين بن عنين - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - أنه حضر درسه يوما وهو يلقي الدروس في مدرسته بخوارزم ودرسه حافل بالأفاضل واليوم شات وقد سقط ثلج كثير وخوارزم بردها شديد إلى غاية ما يكون  ، فسقطت بالقرب منه حمامة وقد طردها بعض الجوارح، فلما وقعت رجع عنها الجارح خوفا من الناس الحاضرين، فلم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد، فلما قام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورق لها أخذها بيده، فأنشد ابن عنين في الحال:
    يا ابن الكرام المطمعين إذا شتوا ... في كل مسغبة وثلج خاشف
    العاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين الصوارم والوشيج الراعف
    من نبأ الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف
    وفدت عليك وقد تدانى حتفها ... فحبوتها ببقائها المستأنف
    ولو أنها تحبى بمال لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف
    جاءت سليمان الزمان بشكوها ... والموت يلمع من جناحي خاطف
    قرم لواه القوت حتى ظله ... بإزائه يجري بقلب واجف 
    ولابن عنين المذكور فيه قصيدة من جملتها:
    ماتت به بدع تمادى عمرها ... دهرا وكاد ظلامها لا ينجلي
    فعلا به الإسلام أرفع هضبة ... ورسا سواه في الحضيض الأسفل
    غلط امرؤ بأبي علي قاسه ... هيهات قصر عن مداه أبو علي
    لو أن رسطاليس يسمع لفظة ... من لفظه لعرته هزة أفكل
    ولحار بطليموس لو لاقاه من ... برهانه في كل شكل مشكل
    ولو أنهم جمعوا لديه تيقنوا ... أن الفضيلة لم تكن للأول
    وقال أبو عبد الله الحسين الواسطي: سمعت فخر الدين بهراة ينشد على المنبر عقيب كلام عاتب فيه أهل البلد:
    المرد ما دام حيا يستهان به ... ويعظم الرزء فيه حين يفتقد وذكر فخر الدين في كتابه الذي سماه تحصيل الحق أنه اشتغل في علم الأصول على والده ضياء الدين عمر، ووالده على أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على إمام الحرمين أبي المعالي، وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي، وهو على شيخ السنة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وهو على أبي علي الجبائي أولا ثم رجع عن مذهبه ونصر مذهب أهل السنة والجماعة.
    وأما اشتغاله في المذهب فإنه اشتغل على والده، ووالده على أبي محمد الحسين ابن مسعود الفراء، البغوي، وهو على القاضي حسين المروزي ، وهو على القفال المروزي، وهو على أبي زيد المروزي، وهوعلى أبي إسحاق المروزي، وهو على أبي العباس بن سريج، وهو على أبي القاسم الأنماطي، وهو على أبي إبراهيم المزني، وهو على الإمام الشافعي، رضي الله عنه.
    وكانت ولادة فخر الدين في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين، وقيل ثلاث وأربعين وخمسمائة، بالري. وتوفي يوم الاثنين، وكان عيد الفطر، سنة ست وستمائة بمدينة هراة، ودفن آخر النهار في الجبل المصاقب لقرية مزداخان، رحمه الله تعالى، ورأيت له وصية أملاها في مرض موته على أحد تلاميذته تدل على حسن العقيدة.
    ومزداخان: بضم الميم وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وبعد الألف خاء معجمة مفتوحة وبعد الألف الثانية نون، وهي قرية بالقرب من هراة. وقد تقدم الكلام على هراة.

الثلاثاء، 25 أبريل 2017

مجد الدين ابن الأثير الجزري

    أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، الملقب مجد الدين.
    قال أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل في حقه: أشهر العلماء ذكرا، وأكبر النبلاء قدرا، وأحد الأفاضل المشار إليهم، وفرد الأماثل المعتمد في الأمور عليهم، أخذ النحو عن شيخه أبي محمد سعيد بن المبارك الدهان - وقد سبق ذكره  - وسمع الحديث متأخرا، ولم تتقدم روايته.
    وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعهة، منها: جامع الأصول في أحاديث الرسول جمع فيه بين الصحاح الستة، وهو على وضع كتاب رزين، إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، ومنها كتاب النهاية في غريب الحديث في خمس مجلدات، وكتاب الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف في تفسير القرآن الكريم، أخذه من تفسير الثعلبي والزمخشري، وله كتاب المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار وله كتاب لطيف في صنعة الكتابة، وكتاب البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان وله ديوان رسائل، وكتاب الشافي  في شرح مسند الإمام الشافعي وغير ذلك من التصانيف .
    وكانت ولادته بجزيرة ابني عمر في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل [في سنة خمس وستين وخمسمائة ثم عاد إلى الجزيرة ثم عاد إلى الموصل وتنقل في الولايات بها]  واتصل بخدمة الأمير مجاهد 
    الدين قايماز بن عبد الله الخادم الزيني - المقدم ذكره في حرف القاف  - وكان نائب المملكة، فكتب بين يديه منشئا إلى أن قبض عليه - كما سبق ذكره - فاتصل بخدمة عز الدين مسعود بن مودود صاحب الموصل وتولى ديوان رسائله وكتب له إلى أن توفي، ثم اتصل بولده نور الدين أرسلان شاه - وقد سبق ذكره  - فحظي عنده وتوفرت حرمته لديه وكتب له مدة.
    ثم عرض له مرض كف يديه ورجليه فمنعه من الكتابة مطلقا، وأقام في داره يغشاه الأكابر والعلماء، وأنشأ رباطا بقرية من قرى الموصل تسمى قصر حرب ووقف أملاكه عليه وعلى داره التي كان يسكنها بالموصل  ، وبلغني أنه صنف هذه الكتب كلها في مدة العطلة، فإنه تفرغ لها، وكان عنده جماعة يعينونه عليها في الاختيار  والكتابة.
    وله شعر يسير، من ذلك ما أنشده للأتابك صاحب الموصل وقد زلت به بغلته:
    إن زلت البغلة منتحته ... فإن في زلتها عذرا
    حملها من علمه شاهقا ... ومن ندى راحته بحرا 
    وهذا معنى مطروق وقد جاء في الشعر كثيرا.
    وحكى أخوه عز الدين أبو الحسن علي أنه لما أقعد جاءهم رجل مغربي، والتزم أنه يداويه ويبرئه مما هو فيه، وأنه لا يأخذ أجرا إلا بعد برئه، فملنا  إلى قوله، وأخذ في معالجته بدهن صنعه، فظهرت ثمرة صنعته ولانت رجلاه وصار يتمكن من مدهما، وأشرف على كمال البرء فقال لي: اعط هذا المغربي شيئا يرضيه واصرفه فقلت له: لماذا وقد ظهر نجح معاناته  فقال: الأمر 
    كما تقول، ولكني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام بأخطارهم  : وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدعة، وقد كنت بالأمس وأنا معافى أذل نفسي بالسعي إليهم، وها أنا اليوم قاعد في منزلي، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاءوني بأنفسهم لأخذ رأيي، وبين هذا وذاك كثير، ولم يكن سبب هذا إلا هذا المرض، فما أرى زواله ولا معالجته، ولم يبق  من العمر إلا القليل، فدعني أعيش  باقيه حرا سليما من الذل وقد أخذت منه بأوفر حظ، قال عز الدين: فقبلت قوله وصرفت الرجل بإحسان.
    وكانت وفاة مجد الدين المذكور بالموصل، يوم الخميس  سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة، ودفن برباطه بدرب دراج داخل البلد  ، رحمه الله تعالى. وقد سبق ذكر أخيه عز الدين علي  ، وسيأتي ذكر أخيه ضياء الدين نصر الله، إن شاء الله تعالى .
    وجزيرة ابني عمر: مدينة فوق الموصل على دجلتها، سميت جزيرة لأن دجلة محيطة بها، قال الواقدي: بناها رجل من أهل برقعيد يقال له عبد العزيز بن عمر.

الثلاثاء، 4 أبريل 2017

الحافظ المقدسي

    أبو الحسن علي بن الأنجب أبي المكارم المفضل بن أبي الحسن علي بن أبي الغيث مفرج بن حاتم بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم بن الحسن اللخمي المقدسي الأصل، الاسكندراني المولد والدار، المالكي المذهب؛ كان فقيهاً فاضلاً في مذهب الإمام مالك، رضي الله عنه، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه  ، صحب الحافظ أبا الطاهر السلفي الأصبهاني نزيل الاسكندرية، رحمه الله تعالى، وانتفع به، وصحبه شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، ولازم صحبته وبه انتفع وعليه تخرج، وذكر عنه فضلاً غزيراً وصلاحاً كثيراً، وأنشدني له مقاطيع عديدة؛ فمما أنشدني قال، أنشدني الحافظ أبو الحسن المقدسي المذكور لنفسه:
    تجاوزت ستين من مولدي ... فأسعد أيامي المشترك
    يسائلني زائري حالتي ... وما حال من حل في المعترك
    وأنشدني أيضاً قال أنشدني الحافظ لنفسه :
    أيا نفس بالمأثور عن خير مرسلٍ ... وأصحابه والتابعين تمسكي
    عساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من نشرٍ له أن تمسكي
    وخافي غداً يوم الحساب جهنماً ... إذا لفحت نيرانها أن تمسك 
    وأنشدني أيضاً قال، أنشدني لنفسه:
    ثلاث باءات بلين بها: ... البق والبرغوث والبرغش
    ثلاثة أوحش ما في الورى ... ولست أدري أيها أوحش 
    وأنشدني أيضاً قال، أنشدني لنفسه:
    ولمياء تحيي من تُحيّي بريقها ... كأن مزاج الراح بالمسك في فيها
    وما ذقت فاها غير أني رويته ... عن الثقة المسواك وهو موافيها وهذا معنى مستعمل قد سار في كثير من أشعار المتقدمين والمتأخرين، فمن لك قول بشار بن برد من جملة أبيات  :
    يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك 
    وقول الأبيوردي من جملة أبيات:
    وأخبرني أترابها أن ريقها ... على ما حكى عود الأراك لذيذ 
    ونقتصر على هذا القدر.
    وكان الحافظ المذكور ينوب في الحكم بثغر الاسكندرية المحروس، ودرس به بالمدرسة المعروفة به هناك، ثم انتقل إلى مدينة القاهرة المحروسة ودرس بها بالمدرسة الصاحبية، وهي مدرسة الوزير صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر، واستمر بها إلى حين وفاته.
    وكانت ولادته ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بالثغر المحروس. وتوفي يوم الجمعة مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة بالقاهرة، رحمه الله تعالى.
     وتوفي والده القاضي الأنجب أبو المكارم المفضل في رجب سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وكان مولده في سنة ثلاث وخمسمائة، رحمهما الله تعالى.
    والمقدسي: بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المهملة وفي آخرها سين مهملة، هذه النسبة إلى بيت المقدس.
    واللخمي: تقدم الكلام عليه.

الاثنين، 6 فبراير 2017

أسعد ابن مماتي

    القاضي الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير أبي سعيد مهذب بن مينا بن زكريا بن أبي قدامة ابن أبي مليح مماتي المصري الكاتب الشاعر؛ كان ناظر الدواوين بالديار المصرية، وفيه فضائل، وله مصنفات عديدة ونظم سيرة السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى، ونظم كتاب كليلة ودمنة، وله ديوان شعر رأيته بخط ولده ونقلت منه مقاطيع، فمن ذلك قوله:
    تعاتبني وتنهى عن أمرٍ ... سبيل الناس أن ينهوك عنها
    أتقدر أن تكون كمثل عيني ... وحقك ما علي أضر منها وله في شخص ثقيل رآه بدمشق:
    حكى نهرين ما في الأر ... ض من يحكيهما أبدا
    حكى في خلقه ثورى ... وفي أخلاقه بردى وقد أخذ ابن مماتي معنى بيته هذين من قول بعضهم:
    ضاهى ابن بشران مدينة جلق ... فكلاهما يوم الفخار فريد
    ألفاظه بردى، وصورة خلقه ... ثورى، ونقص العقل من يزيد وله من جملة قصيدة طويلة:
    لنيرانه في الليل أي تحرقٍ ... على الضيف إن أبطا وأي تلهب 
    وما ضر من يعشو إلى ضوء ناره ... إذا هو لم ينزل بآل المهلب وله في غلام نحوي:
    وأهيف أحدث لي نحوه ... تعجباً يعرب عن (1) ظرفه
    علامة التأنيث في لفظه ... وأحرف العلة في طرفه ومن شعره ثلاثة أبيات مذكورة في ترجمة يحيى بن نزار المنبجي في حرف الياء، وفي شعره أشياء حسنة.
    وذكره العماد الصبهاني في كتاب " الخريدة " وأورد له عدة مقاطيع، ثم أعقبه بذكر أبيه الخطير، وذكر كثيرا من شعره، فمن ذلك قوله في كتمان السر وبالغ فيه:
    وأكتم السر حتى عن إعادته ... إلى المسر به من غير نسيان
    وذاك أن لساني ليس يعلمه ... سمعي بسر الذي قد كان ناجاني وقال: لقيته بالقاهرة متولي ديوان جيش الملك الناصر، وكان هو وجماعته نصارى فأسلموا في ابتداء الملك الصلاحي (2) .
    وللمهذب ابن الخيمي في الأسعد ابن مماتي المذكور يهجوه:
    وحديث الإسلام واهي الحديث ... باسم الثغر عن ضمير خبيث
    لو رأى بعض شعره سيبويه ... زاده في علامة التأنيث
    وكان الحافظ أبو الخطاب ابن دحية المعروف بذي النسبين، رحمه الله تعالى، عند وصوله إلى مدينة إربل، ورأى اهتمام سلطانها الملك المعظم مظفر الين ابن زين الدين، رحمه الله تعالى، بعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم، حسبما هو مشروح في حرف الكاف من هذا الكتاب عند ذكر اسمه، صنف له كتابا سماه " التنوير في مدح السراج المنير "، وفي آخر الكتاب قصيدة طويلة مدح بها مظفر الدين، أولها:
    لولا الوشاة وهم ... أعداؤنا ما وهموا وقرأ الكتاب والقصيدة عليه، وسمعنا نحن الكتاب على مظفر الدين في شعبان سنة ست وعشرين وستمائة والقصيدة فيه، ثم بعد ذلك ريت هذه القصيدة بعينها في مجموعة منسوبة إلى الأسعد ابن مماتي المذكور، فقلت: لعل الناقل غلط، ثم بعد ذلك رأيتها في ديوان الأسعد بكمالها، مدح بها السلطان الملك الكامل، رحمه الله تعالى، فقوي الظن. ثم إني رأيت أبا البركات ابن المستوفي قد ذكر هذه القصيدة في تاريخ إربل عند ذكر ابن دحية، وقال: سألته عن معنى قوله فيها:
    يفديه من عطا جما ... دى كفه المحرم فما أحار جوابا، فقلت: لعله مثل قول بعضهم:
    تسمى بأسماء الشهور فكفه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم قال: فتبسم وقال: هذا أردت، فلما وقفت على هذا ترجح عندي أن القصيدة للأسعد المذكور، فإنها لو كانت لأبي الخطاب لما توقف في الجواب، وأيضاً فإن إنشاد القصيدة لصاحب إربل كان في سنة ست وستمائة. والأسعد المذكور توفي في هذه السنة كما سيأتي، وهو مقيم بحلب لاتعلق له بالدولة العادلية، وبالجملة فالله أعلم لمن هي منهما (26) .
    وكان الأسعد المذكور قد خاف على نفسه من الوزير صفي الدين بن شكر، فهرب من مصر مستخفيا وقصد مدينة حلب لائذا بجناب السلطان الملك الظاهر، رحمه الله تعالى، وأقام بها حتى توفي في سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة يوم الأحد، وعمره اثنتان وستون سنة، رحمه الله تعالى، ودفن في المقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ علي الهروي.
    وتوفي أبوه الخطير في يوم الأربعاء سادس شهر رمضان من سنة