‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:548. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:548. إظهار كافة الرسائل

السبت، 13 مايو 2017

الخالدي المعروف بابن القيسراني الشاعر

    أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير بن داغر بن محمد بن خالد بن نصر بن داغر بن عبد الرحمن بن المهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي، الخالدي الحلبي الملقب شرف المعالي عدة الدين، المعروف بابن القيسراني، هكذا أملى علي نسبه بعض حفدته، الشاعر المشهور؛ من الشعراء المجيدين والأدباء المتفنين (2) ، قرأ الأدب على توفيق بن محمد وأبي عبد الله ابن الخياط الشاعر - المقدم ذكره  - وكان فاضلا في الأدب وعلم الهيئة، سمع بحلب من الخطيب أبي طاهر هاشم بن أحمد الحلبي وغيره، وسمع منه الحافظان أبو القاسم ابن عساكر وأبو سعد ابن السمعاني  ، وذكراه في كتابيهما، وكذلك ابو المعالي الحظيري، وذكره في كتاب " الملح " (5) أيضا.
    وكان هو وابن منير - المذكور في حرف الهمزة  - شاعري الشام في ذلك العصر، وجرت بينهما وقائع وماجرايات وملح ونوادر، وكان ابن منير ينسب إلى التحامل على الصحابة، رضي الله عنهم، ويميل إلى التشيع، فكتب إليه ابن القيسراني المذكور وقد بلغه أنه هجاه:
    ابن منير هجوت مني ... حبرا أفاد الورى صوابه
    ولم تضيق بذاك صدري ... فإن لي أسوة الصحابة ومن محاسن شعره قوله:
    كم ليلة بت من كاسي وريقته ... نشوان أمزج سلسالا بسلسال
    وبات لا تحتمي عني مراشفه ... كأنما ثغره ثغر بلا والي
    وظفرت بديوانه وجميعه بخطبه وأنا يومئذ بمدينة حلب ونقلت منه أشياء فمن ذلك قوله في مدح خطيب:
    شرح المنبر صدرا ... لتلقيك رحيبا
    أترى ضم خطيبا ... منك أم ضمخ طيبا
    وهذا الجناس في غاية الحسن؛ ثم وجدت هذين البيتين لأبي القاسم ابن زيد ابن أبي الفتح أحمد بن عبيد بن فضل  الموازيني الحلبي المعروف أبوه بالماهر، وأن ابن القيسراني المذكور أنشدهما للخطيب ابن هاشم لما تولى خطابة حلب فنسيا إليه  ، ورأيت الأول على هذه الصورة، وهو:
    قد زها المنبر عجبا ... إذ ترقيت خطيبا وله في الغزل:
    بالسفح من لبنان لي ... قمر منازله القلوب
    حملت تحيته الشما ... ل فردها عني الجنوب
    فرد الصفات غريبها ... والحسن في الدنيا غريب
    لم أنس ليلة قال لي ... لما رأى جسدي يذوب
    بالله قل لي من أعل ... ك يافتى قلت: الطبيب
    وله أيضا  :
    وقالوا لاح عارضه ... وما ولت ولايته
    فقلت عذار من أهوى ... أماراته إمارته
    ومن معانيه البديعة قوله من جملة قصيدته رائقة :
    هذا الذي سلب العشاق نومهم ... أما ترى عينيه ملأى من الوسن
    وهذا البيت ينظر إلى قول المتنبي في مدح سيف الدولة بن حمدان:
    نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
     وكان كثير الإعجاب بقوله من جملة قصيدة:
    وأهوى الذي أهوى له البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر الترب وحضر مرة في سماع وكان المغني حسن الغناء، فلما طربت الجماعة وتواجدت عمل :
    والله لو أنصفت العشاق انفسهم ... فدوك منها بما عزوا وما صانوا
    ما أنت حين تغني في مجالسهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان
    وأنشدني صاحبنا الفخر إسحاق بن المختص الإربلي لنفسه دوبيت، وأخبرني أنه كان في سماع وفيه جماعة من أرباب القلوب، فلما طابت  الجماعة كان هناك فرش منضود على كراسي فتساقطت، قال: فعملت في الحال:
    داعي النغمات حلقة الشوق طرق ... وهنا فأجابته شجون وحرق لو أسمع صخرة لخرت طربا ... من نغمته فكيف قطن وخرق وكانت ولادة ابن القيسراني المذكور سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعكا. وتوفي ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة من شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بمدينة دمشق، ودفن بمقبرة باب الفراديس، رحمه الله تعالى.
    والخالدي: بفتح الخاء المعجمة وبعد الألف لام ثم دال مهملة، هذه النسبة إلى خالد بن الوليد المخزومي، رضي الله عنه؛ هكذا يزعم أهل بيته، وأكثر المؤرخين وعلماء الأنساب يقولون: إن خالدا رضي الله عنه، لم يتصل نسبه بل انقطع منذ زمان، والله أعلم.
    والقيسراني: بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة والراء وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى قيسارية، وهي بليدة بالشام على ساحل البحر.

الاثنين، 1 مايو 2017

الشهرستاني

    أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني المتكلم على مذهب الأشعري؛ كان إماما مبرزا فقيها تفقه على أحمد الخوافي - المقدم ذكره (2) - وعلى أبي نصر القشيري وغيرهما، وبرع في الفقه، وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري وتفرد فيه، وصف كتبا منها كتابنهاية الإقدام في علم الكلام وكتاب الملل والنحلوالمناهج والبينات وكتاب المضارعة (3) وتلخيص الإقسام لمذاهب الأنام وكان كثير المحفوظ حسن المحاورة يعظ الناس، ودخل بغداد سنة عشروخمسمائة وأقام بها ثلاث سنين، وظهر له قبول كثير عند العوام، وسمع الحديث من علي بن أحمد المديني بنيسابور ومن غيره، وكتب عنه الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني، وذكره في كتاب " الذيل ".
    وكانت ولادته سنة سبع وستين وأربعمائة بشهرستان، هكذا وجدته بخطي في مسودتين وما أدري من أين نقلته، وقال ابن السمعاني في كتاب الذيل: سألته عن مولده فقال: في سنة تسع وسبعين وأربعمائة وتوفي بها أيضا في أواخر شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وقيل سنة تسع وأربعين، والأول أصح، رحمه الله تعالى.
    وذكر في أول كتاب نهاية الإقدام المذكور بيتين وهما:
    لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
    فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم ولم يذكر لمن هذان البيتان، وقال غيره: هما لأبي بكر محمد بن باجة المعروف بابن الصائغ الأندلسي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
    وشهرستان: بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وفتح الراء وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها  وبعد الألف نون، وهو اسم لثلاث مدن:
    الأولى: شهرستان خراسان بين نيسابور وخوارزم في آخر حدود  خراسان وأول الرمل المتصل بناحية خوارزم وهي المشهورة، ومنها أبو الفتح محمد المذكور، وأخرجت خلقا كثيرا من العلماء، وبناها عبد الله بن طاهر أمير خراسان - المقدم ذكره - في خلافة المأمون.
    الثانية: شهراستان قصبة ناحية سابور  من أرض فارس، كما ذكره ابن البناء البشاري .
    الثالثة: مدينة جي بأصبهان يقال لها شهراستان، بينها وبين اليهودية مدينة أصبهان اليوم نحو ميل، بها أسواق، وهي على نهر زرندود وبها قبر الإمام الراشد بن المسترشد. 
    وشهرستان لفظة عجمية وهي مركبة، فمعنى شهر مدينة، ومعنى الاستان الناحية، فكأنه قال: مدينة الناحية - ذكر ذلك كله أبو عبد الله ياقوت الحموي في كتابه الذي سماه " المشترك وضعا المختلف صعقا "  وفي بعضه زيادة على ماذكره ياقوت.
    وكان الشهرستان المذكور يروي بالإسناد إلى الكظام البلخي العالم المشهور، واسمه إبراهيم بن سيار، أنه كان يقول: لو كان للفراق صورة لارتاع لها القلوب ولهد الجبال، ولجمر الغضى أقل توجها من حمله، ولو عذب الله أهل النار بالفراق لاستراحوا إلى ماقبله من العذاب. وكان يروى للدريدي أيضا باتصال الإسناد إليه قوله:
    ودعته حين لاتودعه ... روحي ولكنها تسير معه
    ثم افترقنا وفي القلوب لنا ... ضيق مكان وفي الدموع سعة
    وكان يروي للدريدي أيضا مسندا إليه:
    يا راحلين بمهجة ... في الحب متلفة شقيه
    الحب فيه بلية ... وبليتي فوق البلية
    كل ذلك رواه الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتاب الهذيل ثم قال في آخر الترجمة: وصل إلي نعيه وأنا ببخارا، رحمه الله تعالى.

الجمعة، 28 أبريل 2017

محمد بن يحيى

    أبو سعد محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري، الملقب محيي الدين، الفقيه الشافعي، أستاذ المتأخرين وأوحدهم علما وزهدا، تفقه على حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وأبي المظفر أحمد بن محمد الخوافي - المقدم ذكره (2) - وبرع في الفقه وصنف فيه وفي الخلاف، وانتهت إليه رياسة الفقهاء بنيسابور، ورحل إليه الناس من البلاد، واستفاد منه خلق كثير صار أكثرهم سادة وأصحاب طرق في الخلاف، وصنف كتاب المحيط في شرح الوسيط والانتصاف في مسائل الخلاف وغير ذلك من الكتب.
    ذكره الحافظ عبد الغافر الفارسي في سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه، وقال: كان له حظ في التذكير، واستمداد من سائر العلوم، وكان يدرس بنظامية نيسابور، ثم درس بمدينة هراة في المدسة النظامية، ومن جملة مسموعاته ما سمعه من الشيخ أبي حامد أحمد بن علي بن محمد بن عبدوس بقراءة الإمام أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم القشيري، في سنة ست وتسعين وأربعمائة، وحضر بعض فضلاء عصرة درسه وسمع فوائده، وحسن إلقائه، فأنشده:
    رفات الدين والإسلام يحيا ... بمحيي الدين مولانا ابن يحيى
    كأن الله رب العرش يلقي ... عليه حين يلقي الدرس وحيا
    ورأيت في بعض المجاميع بيتين منسوبين إليه، ثم وجدت في ترجمة الشيخ شهاب الدين أبي الفتح محمد بن محمود بن محمد الطوسي الفقيه الشافعي نزيل مصر، قال: وأنشدني الإمام أبو سعد محمد بن يحيى النيسابوري لنفسه  وهما:
    وقالوا يصير الشعر في الماء حية ... إذا الشمس لاقته فما خلته صدقا
    فلما ثوى صدغاه في ماء وجهه ... وقد لسعا قلبي تيقنته حقا
    وكانت ولادته سنة ست وسبعين وأربعمائة بطريثيث. وتوفي شهيدا في شهر رمضان، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، قتلته الغز لما استولوا على نيسابور في وقعتهم مع السلطان سنجر السلجوقس - كما تقدم ذكره في ترجمته  - أخذته ودست في فيه التراب حتى مات. وحكى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه أن ذلك كان في سنة ثلاث وخمسين، والأول أصح. ولما مات رثاه جماعة من العلماء، من جملتهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي، قال فيه:
    يا سافكا دم عالم متبحر ... قد طار في أقصى الممالك صيته
    تالله قل لي يا ظلوم ولا تخف ... من كان محيي الدين كيف تميته 
    رحمه الله تعالى.
     وتوفي شهاب الدين الطوسي المذكور، في العشرين من ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر [ودفن بالقرافة، ومولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وكان مدرسا بمدرسة منازل العز بمصر، وقدم إلى مصر من مكة سنة تسع وسبعين وخمسمائة ونزل خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة]  .
    وطريثيث: بضم الطاء المهملة وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الثاء المثلثة وسكون الياء المثناة الثانية وبعدها ثاء مثلثة، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور، خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم.

الخميس، 13 أبريل 2017

العادل ابن السلار

      أبو الحسن علي بن السلار، المنعوت بالملك العادل سيف الدين، ورأيت في مكان أخر أنه أبو منصور علي بن إسحاق، عرف بابن السلار، وزير الظافر العبيدي صاحب مصر؛ رأيت في بعض تواريخ المصريين: أنه كان كردياً زرزارياً، وكان تربية القصر بالقاهرة وتقلبت فيه الأحوال في الولايات بالصعيد وغيره إلا أن تولى الوزارة للظافر المذكور في رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ثم وجدت في مكان أخر أن الظافر المذكور استوزر نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد مصال في أول ولايته. وكان ابن مصال من أكابر أمراء الدولة ثم تغلب عليه العادل بن سلام وعدى ابن مصال إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، عندما سمع بوصول ابن السلار من ولاية الإسكندرية طالباً للوزارة ودخل ابن السلار القاهرة في الخامس عشر  من الشهر المذكور وتولى تدبير الأمور ونعت بالعادل أمير الجيوش، وحشد ابن مصال جماعة من المغاربة وغيرهم، وجرد العادل العساكر للقائه، فكسره بدلاص من الوجه القبلي، وأخذ رأسه ودخل به إلى القاهرة على رمح يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي القعدة من السنة المذكورة واستمر العادل إلى أن قتل، وهذا القول أصح من الأول، والله أعلم.
       وكان ابن مصال من أهل لك - بضم اللام وتشديد الكاف - وهي بليدة عند برقة من أعمالها، وكان هو وأبوه يتعاطيان البيزرة والبيطرة، وبذلك تقدما، وكانت وزارة ابن مصال نحواً من خمسين يوماً.
      وكان [ابن السلار] شهماً مقداماً مائلاً إلى أرباب الفضل والصلاح، عمر بالقاهرة مساجد، ورأيت بظاهر مدينة بلبيس مسجداً منسوباً إليه، وكان ظاهر التسنن شافعي المذهب، ولما وصل الحافظ أبو طاهر السلفي، رحمه لله تعالى، إلى ثغر الإسكندرية المحروس وأقام به - كما ذكرته في ترجمته  - ثم صار العادل المذكور والياً به احتفل به وزاد في إكرامه وعمر له هناك مدرسة فوض تدريسها إليه، وهي معروفة به إلى الآن، ولم أر بالإسكندرية مدرسة للشافعية سواها.
      وكان مع هذه الأوصاف ذا سيرة جائرة وسطوة قاطعة يؤاخذ الناس بالصغائر والمحقرات. ومما يحكى عنه أنه قبل وزراته بزمان، وهو يومئذ من آحاد الأجناد، دخل يوما على الموفق أبي الكرم ابن معصوم التنيسي، وكان يتولى  الديوان، فشكا إليه حاله من غرامة لزمته بسبب تفريطه في شيء من لوازم الولاية بالغربية، فلما أطال عليه الكلام قال له أبو الكرم: والله إن كلامك ما يدخل في إذني، فحقد عليه ذلك. فلما ترقى إلى درجة الوزارة طلبه، فخاف منه واستتر مدة، فنادى عليه في البلد، وأهدر دم من يخفيه، فأخرجه الذي خبأه عنده، فخرج في زي امرأة بإزار وخف، فعرف فأخذ وحمل إلى العادل، فأمر بإحضار لوح خشب ومسمار طويل وأمر به فألقي على جنبه وطرح اللوح تحت أذنه، ثم ضرب المسمار في الأذن الأخرى وصار كلما صرخ يقول له: دخل كلامي في أذنك بعد أم لا ولم يزل كذلك حتى نفذ المسمار من الأذن التي على اللوح، ثم عطف المسمار على اللوح ويقال: إنه شنقه بعد ذلك.
      وكان قد وصل من إفريقية إلى الديار المصرية أبو الفضل عباس بن أبي الفتوح ابن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي وهو صبي ومعه أمه واسمها بلارة فتزوجها العادل المذكور وأقامت عنده زماناً، ورزق عباس ولداً سماه نصراً فكان عند جدته في دار العادل والعادل يحنو عليه ويعزه  ، ثم إن العادل جهز عباساً إلى جهة الشام بسبب الجهاد، وكان معه أسامة بن منقذ - المذكور في حرف الهمزة  - فلما وصل إلى بلبيس وهو مقدم الجيش الذي صار في صحبته تذاكرا طيب طيب الديار المصرية وحسنها وما هي عليها، وكونه يفارقها ويتوجه للقاء العدو ويقاسي البيكار، فأشار عليه أسامة على ما قيل بقتل العادل، ويستقل هو بالوزارة ويستريح من البيكار  ، وتقرر بينهما أن ولده نصراً يباشر ذلك إذا رقد العادل، فإنه ومعه في الدار ولا ينكر عليه ذلك. وحاصل الأمر أن نصراً قتله على فراشه يوم الخميس سادس المحرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، بدار الوزارة بالقاهرة المحروسة، رحمه الله تعالى، وتفصيل الواقعة يطول . وقيل إنه قتل يوم السبت حادي عشر المحرم من السنة المذكورة.
      وكان والده في صحبة سقمان بن أرتق صاحب القدس، فلما أخذ الأفضل أمير الجيوش القدس من سقمان - كما هو مذكور في ترجمة أبيه أرتق - وجد فيه طائفة من عسكر سقمان، فضمهم الأفضل إليه؛ وكان في جملتهم السلار والد العادل المذكور، فأخذه الأفضل إليه، وتقدم عنده، وسماه " ضيف الدولة " وأكرم ولده هذا، وجعل في صبيان الحجر، ومعنى صبيان الحجر عندهم: أن يكون لكل واحد منهم فرس وعدة، فإذا قيل له عن شغلٍ، ما يحتاج أن يتوقف فيه، وذلك على مثال الداوية والاسبتار (6) ، فإذا تميز صبي من هؤلاء بعقل وشجاعة قدم للإمرة، فترجح العادل بهذه الصفات وزاد عليها بالحزم والهيبة وترك المخالطة، فأمره الحافظ، وولاه الإسكندرية، وكان يعرف برأس البغل، ثم تقدم.
      وهذا نصر بن عباس هو الذي قتل الظافر إسماعيل بن الحافظ، صاحب مصر، وقد ذكرته في ترجمته في أوائل هذا الكتاب 

السبت، 28 يناير 2017

ابن منير الطرابلسي

    أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي الملقب مهذب الدين عين الزمان الشاعر المشهور؛ له ديوان شعر، وكان أبوه ينشد (2) الأشعار، ويغني في أسواق طرابلس ، ونشأ أبو الحسين المذكور، وحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضياً كثير الهجاء خبيث اللسان، ولما كثر منه ذلك سجنه بوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق مدة وعزم على قطع لسانه، ثم شفعوا فيه فنفاه، وكان بينه وبين أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني  مكاتبات وأجوبة ومهاجاة، وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة المتماثلين.
    ومن شعره من جملة قصيدة:
    وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في منزل فالحزم أن يترحلا
    كالبدر لما أن تضاءل جد في ... طلب الكمال فحازه متنقلا
    سفها لحلمك أن رضيت بمشربٍ ... رنق ورزق الله قد ملأ الملا
    ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً ... أفلا فليت بهن ناصية الفلا
    فارق ترق كالسيف سل فبان في ... متنيه ما أخفى القراب وأخملا
    لا تحسبن ذهاب نفسك ميتةً ... ما الموت إلا أن تعيش مذللاً
    للقفر لا للفقر هبها إنما ... مغناك ما أغناك أن تتوسلا
    لا ترضى من دنياك ما أدناك من ... دنس وكن طيفاً جلا ثم انجلى
    وصل الهجير بهجر قوم كلما ... أمطرتهم شهداً جنوا لك حنظلا
    من غادر خبثت مغارس وده ... فإذا محضت له الوفاة تأولا
    لله علمي بالزمان وأهله ... ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا
    طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم ... إن قلت قال وإن سكت تقولا
    أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه ... سامته همته السماك الأعزلا
    واعٍ خطاب الخطب وهو مجمجم ... راعٍ أكل العيس من عدم الكلا
    زعم كمنبلج الصباح وراءه ... عزم كحد السيف صادف مقتلا ومن محاسن شعره القصيدة التي أولها:
    من ركب البدر في صدر الرديني ... وموه السحر في حد اليماني
    وأنزل النير الأعلى إلى فلك ... مداره في القباء الخسرواني
    طرف رنا أم قراب سل صارمه ... وأغيد ماس أم أعطاف خطي
    أذلني بعد عز والهوى أبداً ... يستعبد الليث للظبي الكناسي ومنها أيضاً:
    أما وذائب مسكٍ من ذوائبه ... على أعالي القضيب الخيزراني
    وما يجن عقيقي الشفاه من ال ... ريق الرحيقي والثغر الجماني
    لو قيل للبدر من في الأرض تحسده ... إذا تجلس لقال ابن الفلاني
    أربى علي بشتى من محاسنه ... تألفت بين مسموع ومرئي
    إباء فارس في لين الشآم مع الظ ... رف العراقي والنطق الحجازي
    وما المدامة بالألباب أفتك من ... فصاحة البدو في ألفاظ تركي
    أنكرت مقلته سفك دمي ... وعلى وجنته فاعترفت
    لا تخالوا خاله في خده ... قطرة (2) من دم جفني نطفت
    ذاك (3) من نار فؤادي جذوة ... فيه ساخت وانطفت ثم طفت وله من جملة قصدة:
    لا تغالطني فما تخ ... فى علامات المريب
    أين ذاك البشر يامو ... لاي من هذا القطوب ونقلت من خط الشيخ الحافظ المحدث زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المصري رحمه الله تعالى قال: حكى لي أبو المجد قاضي السويداء، قال: كان بالشام شاعران ابن منير وابن القيسراني، وكان ابن منير كثيراً ما يبكت (4) ابن القيسراني بأنه ما صحب أحدا إلا نكب (5) ، فاتفق أن أتابك عماد الدين زنكي صاحب الشام غناه مغن على قلعة جعبر، وهو يحاصرها، قول الشاعر:
    ويلي من المعرض الغضبان إذ نقل ال ... واشي إليه حديثا كله زور
    سلمت فازور يزوي قوس حاجبه ... كأنني كأس خمر وهو مخمور فاستحسنها زنكي، وقال: لمن هذه فقيل: لابن منير، وهو بحلب، فكتب إلى والي حلب يسيره إليه سريعاً، فسيره، فليلة وصل ابن منير قتل أتابك زنكي - قلت: وسيأتي شرح الحال في ذلك على التفصيل في ترجمة زنكي إن شاء الله تعالى - قال: فأخذ أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، نور الدينمحمود بن زنكي وعسكر الشام وعاد بهم إلى حلب، وأخذ زين الدين علي ولد مظفر الدين صاحب إربل عساكر بلاد الشرق وعاد بهم إلى الموصل، وإلى سيف الدين غازي بن زنكي وملكه الموصل، فلما دخل ابن منير إلى حلب صحبة العسكر، قال له ابن القيسراني: هذه بجميع ما كانت تبكتني به! قلت: ولابن القيسراني المذكور في ابن منير، وكان قد هجاه:
    ابن منير هجوت مني ... حبراً أفاد الورى صوابه
    ولم تضيق بذاك صدري ... فإن لي أسوة الصحابه أشعاره لطيفة فائقة.
    وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس، وكانت وفاته في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب، ودفن في جبل جوشن، بقرب المشهد الذي هناك، رحمه الله تعالى.
    وزرت قبره ورأيت عليه مكتوبا:
    من زار قبري فليكن مرقناً ... أن الذي ألقاه يلقاه
    فيرحم الله امرءا زارني ... وقال لي: يرحمك الله وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فقال في ترجمته: حدث الخطيب السديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماة، قال: رأيت أبا الحسين ابن منير الشاعر في النوم بعد موته، وأنا على قرنة (1) بستان مرتفعة، فسألته عن حاله وقلت له: اصعد إلي، فقال: ما أقدر من رائحتي، فقلت: تشرب الخمر فقال: شراً من الخمر يا خطيب، فقلت له: ما هو فقال: تدري ما جرى علي من هذه القصائد التي قلتها في مثالب الناس فقلت له: ما جرى عليك منها فقال: لساني قد طال وثخن حتى صار مد البصر، وكلما قرأت قصيدة منها قد صارت كلابا تتعلق في لساني، وأبصرته حافياً عليه ثياب رثة إلى غاية، وسمعت قارئا يقرأ من فوقه لهم من فوقهم ظللمن النار - الآية ثم انتبهت مرعوبا.
    قلت: ثم وجدت في ديوان أبي الحكم عبيد الله الآتي ذكره أن ابن منير توفي بدمشق سنة سبع وأربعين، ورثاه بأبيات تدل على أنه مات بدمشق منها وهي هزلية على عادته في ذلك:
    أتوا به فوق أعواد تسير به ... وغسلوه بشطي نهر قلوط
    وأسخنوا الماء في قدر مرصصة ... وأشعلوا تحته عيدان بلوط وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الجمع بين هذين الكلامين، فعساه أن يكون قد مات بدمشق قم نقل إلى حلب فدفن بها، والله أعلم.
    ومنير: بضم الميم وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء.
    ومفلح: بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام وبعدها حاء مهملة.
    والطرابلسي - بفتح الطاء المهملة والراء وبعد الألف باء موحدة مضمونة ثم سين مهملة - هذه النسبة إلى طرابلس، وهي مدينة بساحل الشام قريبة من بعلبك، وقد تزاد الهمزة إلى أولها فيقال أطرابلس، وأخذها الفرنج سنة ثلاث وخمسمائة، وصاحبها يومئذ أبو علي عمار بن محمد بن عمار، بعد أن حوصرت سبع سنين، والشرح في ذلك يطول.
    وجوشن: بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الشين المثلثة ثم نون [جبل بحلب] .