‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:637. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:637. إظهار كافة الرسائل

السبت، 6 مايو 2017

ابن الدبيثي

    أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي سعيد بن أبي طالب بن أبي الحسن علي ابن الحجاج بن محمد بن الحجاج، المعروف بابن الدبيثي، الفقيه المؤرخ الواسطي؛ سمع الحديث كثيرا وعلق تعاليق مفيدة، وكانت له محفوظات حسنة، وكان يوردها ويستعملها في محاوراته، وكان في الحديث وأسماء رجاله والتاريخ من الحفاظ المشهورين والنبلاء المذكورين، وصنف كتابا جعله ذيلا على تاريخ أبي سعد عبد الكريم ابن السمعاني الحافظ - المقدم ذكره  - المذيل على تاريخ بغداد للخطيب، وذكر فيه مالم يذكره السمعاني ممن أغفله أو كان بعده، وهو في ثلاث مجلدات وما أقصر فيه، وصنف تاريخا لواسط، وصنف غير ذلك. ذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل فقال: ورد علينا في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة، وهو شيخ حسن، وقال: أنشد لنفسه:
    خبرت بني الأيام طرا فلم أجد ... صديقا مسعدا في النوائب
    وأضيفتهم مني الوداد فقابلوا ... صفاء ودادي بالقذى والشوائب
    وما اخترت منهم صاحبا وارتضيته ... فأحمدته في فعله والعواقب
    ولم يزل أبو عبد الله المذكور على اجتهاده وتعليقه إلى أن توفي.
    وكانت ولادته يوم الاثنين السادس والعشرين من رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بواسط.
    وتوفي يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، ودفن بالوردية من الغد  .
    والدبيثي: بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ثاء مثلثة هذه النسبة إلى دبيثى، وهي قرية بنواحي واسط، وأصله من كنجة، وقدم جده علي من دبيثي وسكن واسط وبها توالدوا  .
     وتوفي والده أبو المعالي سعيد ليلة عيد النحر سنة خمس وثمانين وخمسمائة بواسط، ومولده بها في السابع والعشرين من صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة.

الثلاثاء، 25 أبريل 2017

شرف الدين ابن المستوفي

    أبو البركات المبارك بن أبي الفتح أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب اللخمي، الملقب شرف الدين، المعروف بابن المستوفي الإربلي، كان رئيسا جليل القدر كثير التواضع واسع الكرم، لم يصل إلى إربل أحد من الفضلاء إلا وبادر إلى زيارته وحمل إليه ما يليق بحاله، ويقرب إلى قلبه بكل طريق، وخصوصا أرباب الأدب فقد كانت سوقهم لديه نافقة. وكان جم الفضائل عارفا بعدة فنون، منها الحديث وعلومه وأسماء رجاله وجميع ما يتعلق به، كان إماما فيه. وكان ماهرا في فنون الأدب من النحو واللغة والعروض والقوافي وعلم البيان وأشعار العرب وأخبارها وأيامها ووقائعها وأمثالها. وكان بارعا في علم الديوان وحسابه وضبط قوانينه على الأوضاع المعتبرة عندهم.
    وجمع لإربل تاريخا في أربع مجلدات، وقد احلت عليه في هذا الكتاب في مواضع عديدة، وله كتاب النظام في شرح شعر المتنبي وأبي تمام في عشر  مجلدات، وكتاب إثبات المحصل في نسبة أبيات المفصل في مجلدين تكلم فيه على الأبيات التي استشهد بها الزمخشري في المفصل وله كتاب سر الصنعة وله كتاب سماه أبا قماش جمع فيه أدبا كثيرا ونوادر وغيرها.
    وسمعت منه كثيرا، وسمعت بقراءته على المشايخ الواردين على إربل شيئا كثيرا فإنه كان يعتمد القراءة بنفسه، وله ديوان شعر أجاد فيه، فمن شعره بيتان فضل فيهما البياض على السمرة، وهما:
    لا تخدعنك سمرة غرارة  ... ما الحسن إلا للبياض وجنسه
    فالرمح يقتل بعضه من غيره ... والسيف يقتل كله من نفسه
    وقد أخذ هذا المعنى من قول أبي الندى حسان بن نمير الكلبي المعروف بالعرقلة الدمشقي الشاعر المشهور، وهو  :
    إن كنت بالأسمر الزيتي مفتتنا ... فسل عن الأبيض الفضي بلبالي
    إن كان في الرمح شبر قاتل أبدا ... ففي المهند شبر غير قتال
    ولما نظم شرف الدين بيتيه هذين قال بعض الأدباء: لو قال إن بعض الرمح الذي يقتل به هو من جنس السيف كان أتم في المعنى، فعمل بعض المتأدبين - ولا أعلم هل هو شرف الدين نفسه أم غيره - بيتين نبه فيهما على هذه الزيادة، وهما:
    البيض أقتل مضربا ... وبمهجتي منها الحسان
    والسمر إن قتلت فمن ... بيض يصاغ لها السنان
     ومن أشعاره التي يتغنى بها قوله :
    يا ليلة حتى الصباح سهرتها ... قابلت فيها بدرها بأخيه
    سمح الزمان بها فكانت ليلة ... عذب العتاب بها لمجتذبيه
    أحييتها وأمتها عن حاسد ... ما همه إلا الحديث يشتهيه
    ومعانقي حلو الشمائل أهيف ... جمعت ملاحة كل شيء فيه
    يختال معتدلا فإن عبث  الصبا ... بقوامه معترضا يثنيه
    نشوان تهجم بي عليه صبابتي  ... ويردني ورعي فأستحييه
    علقت يدي بعذاره وبخده ... هذا أقبله وذا أجنيه
    لو لم تخالط زفرتي أنفاسه ... كانت تنم بنا إلى واشيه
    حسد الصباح الليل لما ضمنا ... غيظا ففرق بيننا داعيه وله:
    رعى الله ليلات تقضت بقربكم ... قصارا وحياها الحيا وسقاها
    فما قلت إيه بعدها لمسامر ... من الناس إلا قال قلبي آها
    وهذان بيتان يوجدان في أثناء قصيدة لصاحبنا الحسام الحاجري - المقدم ذكره في حرف العين - لكن رأيت أكثر أصحابنا يقولون: إنهما لشرف الدين المذكور، والله أعلم.
    وكان قد خرج من مسجد بجواره ليلا ليجيء إلى داره فوثب عليه شخص وضربه بسكين قاصدا فؤاده، فالتقى الضربة بعضده فجرحته جراحة متسعة فأحضر في الحال المزين وخاطها ومرخها وقمطها باللفائف، فكتب إلى الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل يطالعه بما تم عليه في هذه الأبيات، وغالب ظني أن ذلك كان في سنة ثماني عشرة وستمائة، وأذكر القضية  وأنا يومئذ صغير، والأبيات:
    يا أيها الملك الذي سطواته ... من فعلها يتعجب المريخ
    آيات جودك محكم تنزيلها ... لا ناسخ فيها ولا منسوخ
    أشكو إليك وما بليت بمثلها ... شنعاء ذكر حديثها تاريخ
    هي ليلة فيها ولدت وشاهدي ... فيما ادعيت القمط والتمريخ
    وهذا معنى بديع جدا. وكان يقول: علمت في نومي بيتين وهما:
    وبتنا جميعا وبات الغيور ... يعض يديه علينا حنق 
    نود غراما لو أنا نباع ... سواد الدجى بسواد الحدق
    وكان قد وصل إلى إربل بعض الشعراء وهو الشرف عبد الرحمن بن أبي الحسن بن عيسى بن علي بن يعرب البوازيجي الشاعر في سنة ثمان وعشرين وستمائة وشرف الدين يومئذ وزير، فسير له مثلوما على يد شخص كان في خدمته يقال له الكمال بن الشعار الموصلي صاحب التاريخ  - والمثلوم: عبارة عن دينار تقطع منه قطعة صغيرة وقد جرت عادتهم في العراق وتلك البلاد أن يفعلوا مثل هذا، لأنهم يتعاملون بالقطع الصغار، ويسمونها القراضة، ويتعاملون أيضا بالمثلوم، وهو كثير الوجود بأيديهم في معاملاتهم - فجاء الكمال إلى ذلك الشعر وقال له: الصاحب يقول لك: أنفق الساعة هذا حتى يجهز لك شيئا يصلح لك، فتوهم ذلك الشاعر أن يكون الكمال قد قرض القطعة  من الدينار، وأن شرف الدين ما سيره  إلا كاملا، وقصد استعلام الحال من جهة شرف الدين، فكتب إليه:
    يا أيها المولى الوزير ومن به ... في الجود حقا تضرب الأمثال
    أرسلت بدر التم عند كماله ... حسنا فوافى العبد وهو هلال
    ما غاله النقصان إلا أنه ... بلغ الكمال، كذلك الآجال فأعجب شرف الدين بهذا  المعنى وحسن الاتفاق، وأجاز الشاعر وأحسن إليه.
    وكنت خرجت من إربل في سنة ست وعشرين وستمائة وشرف الدين مستوفي الديوان، والاستيفاء في تلك البلاد منزلة عليه، وهو تلو الوزارة، ثم بعد ذلك تولى الوزارة في سنة تسع وعشرين وستمائة، وشكرت سيرته فيها، ولم يزل عليها إلى أن مات مظفر الدين في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الكاف (1) رحمه الله تعالى، وأخذ الإمام المستنصر إربل في منتصف شوال من السنة المذكورة فبطل شرف الدين وقعد في بيته، والناس يلازمون خدمته على ما بلغني، ومكث كذلك إلى أن أخذ التتر مدينة إربل في سابع عشرين شوال سنة  أربع وثلاثين وستمائة، وجرى عليها وعلى أهلها ما قد اشتهر، فكان شرف الدين في جملة من اعتصم بالقلعة وسلم منهم، ولما انتزح التتر عن القلعة انتقل إلى الموصل وأقام بها في حرمة وافرة، وله راتب يصل إليه، وكان عنده من الكتب النفيسة شيء كثير. ولم يزل على ذلك حتى توفي بالموصل يوم الأحد لخمس خلون من المحرم سنة سبع وثلاثين وستمائة، ودفن بالمقبرة السابلة خارج باب الجصاصة. ومولده في النسف من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة بقلعة إربل. وهو من بيت كبير كان فيه جماعة  من الرؤساء الأدباء. وتولى الاستيفاء بإربل والده وعمه صفي الدين أبو الحسن علي بن المبارك.
     وكان عمه المذكور فاضلا وهو الذي نقل نصيحة الملوك تصنيف حجة الإسلام أبي حامد الغزالي من اللغة الفارسية إلى العربية، فإن الغزالي لم يضعها إلا بالفارسية، وقد ذكر ذلك شرف الدين في تاريخه، وكنت أسمع ذلك أيضا عنه أيام كنت في تلك البلاد، ووكان ذلك مشهورا بين الناس.
     ولما مات شرف الدين رثاه صاحبنا الشمس أبو العز يوسف بن النفيس الإربلي المعروف بشيطان الشام، ومولد شيطان الشام سنة  ست وثمانين وخمسمائة بإربل، وتوفي بالموصل سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ودفن بمقبرة باب الجصاصة، وفيه يقول:
    أبا البركات لو درت المنايا ... بأنك فرد عصرك لم تصبكا
    كفى الإسلام رزأ فقدُ شخص ... عليه بأعين الثقلين يبكى
     ولولا خوف الإطالة لذكرت كثيرا من وقائعه وأخباره وما جراياته وتفاصيل أحواله وما مدح به، ولقد كان، رحمه الله، من محاسن وقته، ولم يكن في آخر الوقت في ذلك البلد مثله في فضائله ورياسته  .
    وقد سبق الكلام على اللخمي فلا حاجة إلى إعادته.

الخميس، 16 مارس 2017

أسد الدين شيركوه

أبو الحارث شيركوه بن شاذي بن مروان الملقب الملك المنصور أسد الدين عم السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى؛ قد تقدم من حديثه نبذة في أخبار شاور، وكان شاور قد وصل إلى الشام يستنجد بنور الدين في سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وذكر بهاء الدين بن شداد أن ذلك كان في سنة ثمان وخمسين، وأنهم وصلوا إلى مصر في الثاني من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، حكاه في " سيرة صلاح الدين " (2) رحمه الله تعالى، فسير معه جماعة من عسكره، وجعل مقدمهم أسد الدين شيركوه، وقدموا مصر، وغدر بهم شاور ولم يف بما وعدهم به، فعادوا إلى دمشق (3) ، وكان رحيلهم عن مصر في السابع من ذي الحجة من السنة المذكورة. ثم إنه عاد إلى مصر، وكان توجهه إليها في شهر ربيع الول من سنة اثنتين وستين، لأنه طمع في ملكها في الدفعة الأولى، وسلك طريق وادي الغزلان، وخرج عند إطفيح، وكانت في تلك الدفعة وقعة البابين عند الأشمونين، وتوجه السلطان صلاح الدين إلى الإسكندرية واحتمى بها، وحاصره شاور وعسكر مصر.
ثم رجع أسد الدين من الصعيد إلى بلبيس، وجرى الصلح بينه وبين المصريين، وسيروا له صلاح الدين، وعاد إلى الشام، ولما وصل الفرنج إلى بلبيس وملكوها وقتلوا أهلها في سنة أربع وستين، سيروا إلى أسد الدين 
وطلبوه ومنوه ودخلوا في مرضاته لأن ينجدهم، فمضى إليهم وطرد الفرنج عنهم. وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، وعزم شاور على قتله وقتل الأمراء الكبار الذين معه، فبادروه وقتلوه كما تقدم في ترجمته.
وتولى أسد الدين الوزارة يوم الأربعاء سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة، وأقام بها شهرين وخمسة أيام، ثم توفي فجأة يوم السبت الثاني والعشرين، وقال الروحي: يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة بالقاهرة، ودفن بها، ثم نقل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مدة بوصية منه، رحمه الله تعالى، وتولى مكانه صلاح الدين.
وقال ابن شداد في " سيرة صلاح الدين " : إن أسد الدين كان كثير الأكل، شديد المواظبة على تناول اللحوم الغليظة، تتواتر عليه التخم والخوانيق وينجو منها بعد مقاساة شدة عظيمة، فأخذه مرض شديد، واعتراه خانوق عظيم فقتله في التاريخ المذكور (2) ، ولم يخلف ولداً سوى ناصر الدين محمد بن شيركوه الملقب الملك القاهر.
 ولما مات أسد الدين أخذ نور الدين حمص منهم في رجب سنة أربع وستين وخمسمائة. فلما ملك صلاح الدين الشام أعطى حمص لناصر الدين المذكور، ولم يزل ملكها حتى توي يوم عرفة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ونقلته زوجته بنت عمه ست الشام بنت أيوب إلى تربتها بمدرستها بدمشق ظاهر البلدن ودفنته عند أخيها شمس الدولة توران شاه بن أيوب المقدم ذكره.
 وملك حمص بعده ولده أسد الدين شيركوه، ومولده في سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رجب سنة سبع وثلاثين وستمائة بحمص، ودفن في تربته داخل البلد . وكانت له أيضاً الرحبة وتدمر 
وماكسين من بلد الخابور.
(60) وخلف جماعة من الأولاد، فقام مقامه في الملك ولده الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم. ولم يزل حتى توفي يوم الجمعة عاشر صفر سنة أربع وأربعين وستمائة بالنيرب من غوطة دمشق، ونقل إلى حمص، ودفن ظاهر البلد في مسجد الخضر عليه السلام من جههتها القبلية.
(61) وترتب مكانه ولده الملك الأشرف مظفر الدولة أبو الفتح موسى. وأخبرني الأشرف المذكور بدمشق في أواخر سنة إحدة وستين وستمائة أن مولده في السنة التي كسر فيها الخوارزمية بالروم، وأن والده بشر به وهم راجعون من هناك. وكانت الوقعة في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة حسبما هو مشروح في ترجمة الأشرف بن العادل وقال لي: إن والده لما بشر به قال للملك الأشرف بن العادل: يا خوند قد زاد في مماليكك واحد، فقال: سمه باسمي، فسماه الأشرف مظفر الدين أبا الفتح موسى.
وكانت وفاة الأشرف بن المنصور المذكور بحمص يوم الجمعة عاشر صفر سنة اثنتين وستين وستمائة، ودفن عند قبر أسد الدين شيركوه جده داخل حمص، فيكون تقدير ولادته في شوال أو ذي القعدة سنة سبع وعشرين.
وشيركوه: لفظ عجمي تفسيره بالعربي أسد الجبل، فشير: أسد، وكوه: جبل.
وحج شيركوه في سنة خمس وخمسين وخمسمائة من دمشق على طريق تيماء وخيبر، وفي تلك السنة حج زين الدين علي بن بكتكين على طريق العراق، واجتمع بالخليفة.