‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:465. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:465. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 21 مايو 2017

ألب أرسلان

    أبو شجاع محمد بن جعفري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق، الملقب عضد الدولة ألب أرسلان، وهو ابن أخي السلطان طغرلبك - المقدم ذكره - وقد تقدم في ترجمة طغرلبك طرف من أخبار والده داود المذكور.
    ولما مات السلطان طغرلبك - في التاريخ المذكور في ترجمته - نص على تولية المر لسليمان بن داود أخي ألب أرسلان المذكور، ولم ينص عليه إلا لأن أمه كانت عنده فتبع هواها في ولدها، فقام سليمان بالأمر وثار عليه أخوه ألب أرسلان وعمه شهاب الدولة قتلمش، وجرت بينهم خطوب فلم يتم لسليمان الأمر، وكانت النصرة لأخيه ألب أرسلان.
    فاستولى على الممالك، وعظمت مملكته ورهبت سطوته، وفتح من البلاد ما لم يكن لعمه طغرلبك مع سعة ملكك عمه، وقصد بلاد الشام فانتهى إلى مدينة حلب وصاحبها يومئذ محمود بن نصر بن صالح بن مرداس الكلابي، فحاصره مدة ثم جرت المصالحة بينهما، فقال ألب أرسلان: لا بد من دوس بساطي، فخرج إليه محمود ليلاً ومعه أمه، فتلقاهما بالجميل وخلع عليهما وأعادهما إلى البلد ورحل عنها.
    وقال المأموني في تاريخه: قيل إنه لم يعبر الفرات في قديم الزمان ولا حديثه في الإسلام ملك تركي قبل ألب أرسلان، فإنه أول من عبرها (2) من ملوك الترك. ولما عاد عزم على قصد بلاد الترك، وقد كمل عسكره مائتي ألف فارس أو يزيدون، فمد عللا جيحون - النهر المقدم ذكره - جسراً وأقام العسكر يعبر عليه شهراً، وعبر هو بنفسه أيضاً، ود السماط في بليدة يقال لها " فربر " ولتلك البليدة حصن على شاطئ جيحون، في السادس من شهر ربيع الأول، سنة خمس وستين وأربعمائة، فأحضر إليه أصحابه مستحفظ الحص، ويقال  له يوسف الخوارزمي، وكان قد ارتكب جريمة في أمر الحصن، فحمل إليه مقيداً، فلما قرب منه أمر أن تضرب أربعة أوتاد لتشد أطرافه الأربعة إليها ويعذبه ثم يقتله، فقال يوسف المذكور: ومثلي يفعل به هذه المثلة فغضب ألب أرسلان وأخذ قوسه وجعل فيها سهماً، وأمر بحل قيده ورماه فأخطأه وكان مدلاً برميه، وكان جالساً على سريره، فنزل عنه فعثر ووقع على وجهه، فبادر يوسف المذكور وضربه بسكين كانت معه في خاصرته، فوثب عليه فراش أرمني فضربه في رأسه بمزربة فقتله، فانتقل ألب أرسلان إلى خيمة أخرى مجروحاً، فأحضر وزيره نظام الملك أبا علي الحسن - المذكور في حرف الحاء (3) - وأوصى به إليه، وجعل ولده ملك شاه ولي عهده - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
    ثم توفي يوم السبت عاشر الشهر المذكور، وكانت ولادته سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وكانت مدة ملكه تسع سنين وأشهراً، ونقل إلى مرو ودفن عند قبر أبيه داود وعمه طغرلبك، ولم يدخل بغداد ولا رآها، مع أنها كانت داخلة في ملكه، وهو الذي بنى على قبر الإمام أبي حنيفة مشهداً، ووبنى ببغداد مدرسة أنفق عليها أمولاً عظيمة؛ وذكر في كتاب " زبدة التواريخ " أنه جرح يوم السبت، سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وستين، وعاش بعد الجراحة ثلاثة أيام، والله أعلم.
    وقد تقدم ذكر أبيه، وانه كان صاحب بلخ، وتوفي بها في رجب سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة خمسين وأربعمائة، ونقل إلى مرو ودفن بها، وقيل إنه توفي بمرو، والله أعلم بالصواب، وقيل توفي في صفر سنة اثنتين وخمسين أربعمائة، ودفن بمدرسة مرو، رحمه الله تعالى.
    وقد تقدم ذكر ولده تتش في حرف التاء.
    وألب أرسلان: بفتح الهمزة وسكون اللام وبعدها ياء موحدة، وبقية الاسم معروفة فلا حاجة إلى تفسيرها، وهو اسم تركي معناه شجاع أسد، فألب شجاع، وأرسلان أسد.
     وأما شهاب الدولة قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق، فإنه والد سليمان ابن قتلمش جد الملوك أصحاب الروم إلى الآن، وكان له حصون وقلاع من جملتها كردوكه وغيرها من عراق العجم، وعصى على ابن أخيه ألب أرسلان المذكور وحاربه بالقرب من الري، فلما انجلى الأمر وجد قتلمش ميتاً لا يدري كيف كان موته، وذلك في المحرم من سنة ست وخمسين وأربعمائة، قيل إنه مات من الخوف، فشق ذلك على ألب أرسلان، والله تعالى أعلم بالصواب.

الأحد، 9 أبريل 2017

صردر الشاعر

    الرئيس أبو منصور علي بن الحسن  بن علي بن الفضل الكاتب المعروف بصردر  الشاعر المشهور؛ أحد نجباء شعراء عصره، جمع بين جودة السبك وحسن المعنى، وعلى شعره طلاوة رائقة وبهجة فائقة، وله ديوان شعر وهو صغير، وما ألطف قوله من جملة قصيدة  :
    نسائل عن ثمامات بحزوى ... وبان الرمل يعلم ما عنينا
    فقد كشف الغطاء فما نبالي ... أصرحنا بذكرك أم كنينا
    ولو أني أنادي يا سليمى ... لقالوا ما أردت سوى لبينى
    ألا لله طيفٌ منك يسقي ... بكاسات الكرى  زوراً ومينا
    مطيته طوال الليل  جفني ... فكيف شكا إليك وجىً وأينا
    فأمسينا كأنا ما افترقنا ... وأصبحنا كأنا ما التقينا وقوله في الشيب:
    لم أبك أن رحل الشباب، وإنما ... أبكي لأن يتقارب الميعاد
    شعر الفتى أوراقه، فإذا ذوى ... جفت على آثاره الأعواد 
    وله في جارية سوداء، وهو معنى حسن:
    علقتها سوداء مصقولةً ... سواد قلبي صفةٌ فيها
    ما انكسف البدر على تمه ... ونوره إلا ليحكيها
    لأجلها الأزمان أوقاتها ... مؤرخات بلياليها
    وإنما قيل له " صردر " لأن أباه كان يلقب " صربعر " لشحه، فلما نبغ ولده المذكور وأجاد في الشعر قيل له: صردر، وقد هجاه بعض الشعراء وقته وهو الشريف أبو جعفر مسعود المعروف بالبياضي الشاعر - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى:
    لئن لقب الناس قدماً أباك ... وسموه من شحه صر بعرا
    فإنك تنثر ما صره ... عقوقاً له وتسميه شعرا
    ولعمري ما أنصفه هذا الهاجي، فإن شعره نادر، وإنما العدو لا يبالي بما يقوله.
    وكانت وفاة صردر في سنة خمس وستين وأربعمائة، وكان سبب موته أنه تردى في حفرة حفرت للأسد في قرية بطريق خراسان. وكانت ولادته قبل الأربعمائة - وسيأتي ذكره في ترجمة الوزير فخر الدولة بن جهير ، واسمه محمد، وله هناك شعر بديع.

الأربعاء، 29 مارس 2017

أبو القاسم القشيري

    أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري الفقيه الشافعي؛ كان علامة في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة وعلم التصوف، جمع بين الشريعة والحقيقة، أصله من ناحية أستوا من العرب الذين قدموا خراسان، توفي أبوه وهو صغير، وقرأ الأدب في صباه، وكانت له قرية مثقلة الخراج بنواحي أستوا فرى من الرأي أن يحضر إلى نيسابور يتعلم طرفاً من الحساب ليتولى الاستيفاء ويحمي قريته من الخراج، فحضر نيسابور على هذا العزم، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي علي الحسن بن علي النيسابوري المعروف بالدقاق، وكان إمام وقته، فلما سمع كلامه أعجبه ووقع في قلبه فرجع عن ذلك العزم، وسلك طريق الإرادة، فقبله الدقاق وأقبل عليه، وتفرس فيه النجابة فجذبه بهمته وأشار عليه بالاشتغال بالعلم، فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر الطوسي، وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه، ثم اختلف إلى الأستاذ أبي بكر ابن الإسفرايني، وقعد يسمع درسه أياماً فقال الأستاذ: هذا العلم لا يحصل بالسماع ولابد من الضبط بالكتابة، فأعاد عليه جميع ما سمعه تلك الأيام، فعجب منه وعرف محله فأكرمه وقال له: ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطالع مصنفاتي فقعد وجمع بين طريقته وطريقة ابن فورك، ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق، وزوجه ابنته مع كثرة أقاربها.
    وبعد وفاة أبي علي سلك مسلك المجاهدة والتجريد وأخذ في التصنيف، فصنف التفسير الكبير قبل سنة عشر وأربعمائة، وسماه " التيسير في علم التفسير " وهو من أجود التفاسير، وصنف الرسالة " في رجال الطريقة "، وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين وأحمد بن الحسين البيهقي وجماعة من المشاهير، فسمع معهم الحديث ببغداد والحجاز.
    وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء، وأما مجالس الوعظ والتذكير فهو إمامها، وعقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. وذكره أبي الحسن علي الباخرزي في كتاب " دمية القصر " وبالغ في الثناء عليه، وقال في حقه: لو قرع الصخر بصوت تحذيره لذاب ولو ربط إبليس في مجلسه لتاب.
    وذكره الخطيب في تاريخه وقال: قدم علينا - يعني إلى بغداد - في سنة 
    ثمان وأربعين وأربعمائة وحدث ببغداد وكتبنا عنه، وكان ثقة وكان يقص وكان حسن الوعظ مليح الإشارة، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري والفروع على مذهب الشافعي. وذكره عبد الغافر الفارسي في تاريخه . وقال أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي: أنشدنا عبد الكريم بن هوازن القشيري لنفسه:
    سقى الله وقتاً كنت أخلو بوجهكم ... وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك
    أقمنا زماناً والعيون قريرة ... وأصبحت يوماً والجفون سوافك
    وقال أبو الفتح محمد بن محمد بن علي الواعظ الفراوي: وكان أبو القاسم القشيري كثيراً ما ينشد لبعضهم وهو ذو القرنين ابن حمدان المقدم ذكره في حرف الذال:
    لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... وشهدت كيف تكرر التوديعا
    أيقنت أن من الدموع محدثاً ... وعلمت أن من الحديث دموعا
    ولد في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلثمائة؛ وتوفي صبيحة يوم الأحد قبل طلوع الشمس سادس عشر ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربعمائة بمدينة نيسابور، ودفن بالمدرسة تحت شيخه أبي علي الدقاق، رحمه الله تعالى، ورأيت في كتابه المسمى بالرسالة بيتين أعجباني، فأحببت ذكرهما :
    ومن كان في طول الهوى ذاق سلوةً ... فإني من ليلى لها غير ذائق
    وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كخطفة بارق وكان ولده أبو نصر عبد الرحيم إماماً كبيراً أشبه أباه في علومه ومجالسه، ثم واظب دروس إمام الحرمين أبي المعالي حتى حصل طريقته في المذهب والخلاف ثم خرج للحج فوصل إلى بغداد وعقد بها مجلس وعظ، وحصل له قبول عظيم وحضر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مجلسه وأطبق علماء بغداد على أنهم لم يروا مثله، وكان يعظ في المدرسة النظامية ورباط شيخ الشيوخ، وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد لأنه تعصب للأشاعرة وانتهى الأمر إلى فتنة قتل فيها جماعة من الفريقين، وركب أحد أولاد نظام الملك حتى سكنها، وبلغ الخبر نظام الملك وهو بأصبهان، فسير إليه وإستدعاه فلما حضر عنده زاد في إكرامه ثم جهزه إلى نيسابور فلما وصلها لازم الدرس والوعظ إلى أن قارب انتهاء أمره فأصابه ضعف في أعضائه وأقام كذلك مقدار شهر، ثم توفي ضحوة نهار الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة بنيسابور، ودفن في المشهد المعروف بهم، رحمه الله تعالى.
    وكان يحفظ من الشعر والحكايات شيئاً كثيراً، ورأيت له في بعض المجاميع هذه الأبيات، وذكرها السمعاني في " الذيل " أيضاً:
    القلب نحوك نازع ... والدهر فيك منازع
    جرت القضية بالنوى ... ما للقضية وازع
    الله يعلم أنني ... لفراق وجهك جازع 
    وتوفي شيخه أبو علي الدقاق المذكور في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
    والقشيري: بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء، هذه النسبة إلى قشير بن كعب، وهي قبيلة كبيرة.
    وأستوا: بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم التاء المثناة من فوقها أو فتحها وبعدها واو ثم ألف، وهي ناحية بنيسابور كثيرة القرى خرج منها جماعة من العلماء.