‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:473. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوفاة:473. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 8 مايو 2017

ابن حيوس

    أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس بن محمد المرتضى بن محمد بن الهيثم بن عدي بن عثمان الغنوي الملقب مصطفى الدولة، الشاعر المشهور؛ كان يدعى بالأميرلأن أباه كان من أمراء العرب، وهو أحد الشعراء الشاميين المحسنين ومن فحولهم المجيدين، له ديوان شعر كبير. لقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم، وكان منقطعا إلى بني مرداس أصحاب حلب - ذكر الجوهري في الصحاح في فصل ردس المرداس: حجر يرمى به في البئر ليعلم أفيها ماء أم لا، وبه سمي الرجل - وله فيهم القصائد الأنيقة.
    وقضيته مشهورة مع الأمير جلال الدولة وصمامها أبي المظفر نصر بن محمود بن سبل الدولة نصر صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب، فإنه كان قد مدح أباه محمود بن نصر فأجازه ألف دينار، فلما مات وقام مقامه ولده نصر  المذكور قصده ابن حيوس المذكور بقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه، وهي  :
    كفى الدين عزا ماقضاه لك الدهر ... فمن كان ذا نذر فقد وجب النذر ومنها:
    ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ماذب عن ناظر شفر
    يقينك والتقوى، وجودك والغنى، ... ولفظك والمعنى وعزمك والنصر
    يذكر فيها وفاة أبيه وتوليته الأمر من بعده بقوله:
    صبرنا على حكم الزمان الذي سطا ... على أنه لولاك لم يكن الصبر
    غزانا ببؤس لا يماثلها الأسى ... تقارن نعمى لا يقوم بها الشكر ومنها:
    تباعدت عنكم حرفة لا زهادة ... وسرت إليكم حين مسني الضر
    فلاقيت ظل الأمن ماعنه حاجز ... يصد، وباب العز ما دونه ستر
    وطال مقامي في غسار جميلكم ... فدامت معاليكم ودام لي الأسر
    وأنجز لي رب السموات وعدة ال ... كريم بأن العسر يتبعه  اليسر
    فجاد ابن نصر لي بألف تصرمت ... وإني عليم أن سيحلفه نصر
    لقد كنت مأمورا ترجى لمثلها ... فكيف وطوعا أمرك النهي والأمر
    وما بي إلى الإلحاح والحرص حاجة ... وقد عرف المبتاع وانفصل السعر
    واني بآمالي لديك مخيم ... وكم في الورى ثاو وآماله سفر
    وعندك ما أبغي بقولي تصنعا ... بأيسر ما توليه يستبعد الحر فلما فرغ من إنشادها قال الأمير نصر: والله لوقال عوض قولهسيحلفها نصر: سيضعفها نصر، لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة.
    وكان قد اجتمع على باب الأمير نصر المذكور جماعة من الشعراء، وامتدحوه وتأخرت صلته عنهم، ونزل بعد ذلك الأمير نصر إلى دار بولص النصراني، وكانت له عادة بغشيان منزله، وعقد مجلس الأنس عنده، فجاءت الشعراء الذين تأخرت جوائزهم إلى باب بولص، وفيهم أبو الحسن  أحمد بن محمد بن الدويدة المعري الشاعر المعروف ، فكتبوا ورقة فيها أبيات اتفقوا على نظمها، وقيل بل نظمها ابن الدويدة المذكور، وسيروا الورقة إليه، والأبيات المذكورة هي:
    على بابك المحروس منا عصابة ... مفاليس فانظر في أمور المفاليس
    وقد قنعت منك الجماعة كلها ... بعشر الذي أعطيته لابن حيوس
    وما بيننا هذا التفاوت كله ... ولكن سعيد لايقاس بمنحوس
    فلما وقف عليه الأمير نصر اطلق لهم مائة دينار، فقال: والله لو قالوا بمثل الذي أعطيته لابن حيوس لأعطيتهم مثله.
    وذكر العماد في الخريدة أن هذه الأبيات لأبي سالم عبد الله بن أبي الحسن  أحمد بن محمد بن الدويدة وأنه كان يعرف بالقاق ، والله أعلم.
     وكان الأمير نصر سخيا واسع العطاء، ملك حلب بعد وفاة أبيه محمود في سنة سبع وستين وأربعمائة، ولم تطل مدته حتى ثار عليه جماعة من جنده فقتلوه في ثاني شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة - وقد ذكر جد أبيه صالح بن مرداس في حرف الصاد  -.
    وقدم ابن حيوس حلب في شوال سنة اربع وستين وأربعمائة، وداره بها هي الدار المعروفة الآن بالأمير علم الدين سليمان بن حيدر.
    ومن محاسن شعر ابن حيوس القصيدة اللامية التي مدح بها أبا الفضائل سابق ابن محمود وهو أخو الأمير نصر المذكور، ومن مديحها قوله :
    طالما قلت للمسائل عنكم ... واعتمادي هداية الضلال
    إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم في مكارم أو نزال
    تلق بيض الأعراض سود مثار النقع خضر الأكناف حمر النصال
     ... وما أحسن هذا التقسيم الذي اتفق له، وقد ألم فيه بقول أبي سعيد محمد بن محمد بن الحسين الرستمي الشاعر المشهور من جملة قصيدة يمدح بها الصاحب بن عباد - المقدم ذكره في حرف الهمزة  - وهي من فاخر الشعر، وذلك قوله:
    من النفر العالين في السلم والوغى ... وأهل المعالي والعوالي وآلها
    إذا نزلوا اخضر الثرى من نزولهم ... وإن نازلوا احمر القنا من نزالها
    هذا والله الشعر الخالص الذي لايشوبه شيء من الحشو.
    وكان ابن حيوس المذكور قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس، فبنى دارا بمدينة حلب وكتب على بابها من شعره :
    دار بنيناها وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس
    قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا ... على للأيام من باس
    قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس
    وقيل: إن هذه الأبيات للأمير الجليل أبي الفتح الحسن بن عبد الله بن عبد الجبار، المعروف بابن أبي حصينة الحلبي، وهو الصحيح .
    ومن غرر قصائده السائرة قوله :
    هو ذلك ربع المالكية فاربع ... واسأل مصيفا عافيا عن مربع
    واستق للدمن الخوالي بالحمى ... غر السحائب واعتذر عن أدمعي
    فلقد فنين أمام دان هاجر ... في قربه، ووراء ناء مزمع
    لو يخبر الركبان عني حدثوا ... عن مقلة عبرى وقلب موجع
    ردي لنا زمن الكثيب فإنه ... زمن متى يرجع وصالك يرجع
    لو كنت عالمة بأدنى لوعتي ... لرددت أقصى نيلك المسترجع
    بل لو قنعت من الغرام بمظهر ... عن مضمر بين الحشى والأضلع
    أعتبت إثر تعتب، ووصلت غب تجنب، وبذلت بعد تمنع ...
    ولو أنني أنصفت نفسي صنتها ... عن أن اكون كطالب لم ينجح ومنها:
    إني دعوت ندى الكرام فلم يجب ... فلأشكرن ندى أجاب وما دعي
    ومن العجائب، والعجائب جمة، ... شكر بطيء عن ندى متسرع ومن شعره أيضا  :
    قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما ... ولا تقتفوا من جار لما تحكما
    أرى كل معوج المودة يصطفى ... لديكم ويلقى حتفه من تقوما
    فإن كنتم لم تعدلوا إذ حكمتم ... فلا تعدلوا عن مذهب قد تقدما
    حنى الناس من قبل القسي لتقنى ... وثقف منآد القنا ليقوما
    وما ظلم الشيب الملم بلمتي ... وإن بزني حظي من الظلم واللمى
    ومحجوبة عزت وعز نظيرها ... وإن أشبهت في الحسن والعفة والدمى
    أعنف فيها صبوة قط ما ارعوت ... وأسأل عنها معلما ما تكلما
    سلي عنه تخبر عن يقين  دموعه ... ولا تسألي عن قلبه أين يمما
    فقد كان لي عونا على الصبر برهة ... وفارقني أيام فارقتم الحمى
    فراق قضى أن لا تأسي بعد أن ... مضى منجدا صبري وأوغلت متهما
    وفجعة بين مثل صرعة مالك ... ويقبح بي أن لا أكون منكما
    خليلي إن لم تسعداني على الأسى ... فلا  أنتما مني ولا انا منكما
    وحسنتما لي سلوة وتناسيا ... ولم تذكرا كيف السبيل إليهما
    سقى الله أيام الصبا كل هاطل ... ملث إذا ماالغيث أثجم أنجما
    وعيشا سرقناه برغم رقيبنا ... وقد مل من طول السهاد فهو ما وهي طويلة .
    وحكى الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق قال: أنشدنا أبو القاسم علي بن إبراهيم العلوي من حفظه سنة سبع وخمسمائة قال: أخذ الأمير أبو الفتيان بن حيوس بيدي ونحن بحلب وقال: اروعني هذا البيت وهو في شرف الدولة مسلم بن قريش:
    أنت الذي نفق الثناء بسوقه ... وجرى الندى بعروقه قبل الدم
    وهذا البيت في غاية المدح؛ وقد تقدم في ترجمة أبي بكر بن الصائغ الأندلسي ذكر الأبيات النونية، وكونها منسوبة إليه، وهي موجودة في ديوان ابن حيوس المذكور، والله اعلم بجلية الحال فيها.
    وكان أبو عبد الله أحمد بن محمد بن الخياط الشاعر - المقدم ذكره - قد وصل إلى حلب في بعض شهور  سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وبها يؤمئذ أبو الفتيان المذكور فكتب إليه ابن الخياط المذكور قوله:
    لم يبق عندي ما يباع بدرهم ... وكفاك مني منظري عن مخبري
    إلا بقية ماء وجه صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري 
     فقال: لو قال " وأنت نعم المشتري " لكان أحسن.
    وكانت ولادة ابن حيوس يوم السبت سلخ صفر سنة أربع وتسعين وثلثمائة بدمشق، وتوفي في شعبان سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بحلب. وهو شيخ أبي عبد الله أحمد بن محمد المعروف بابن الخياط الشاعر المشهور وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته.
    وحيوسك بالحاء المهملة المفتوحة والياء المشددة المثناة من تحتها المضمومة والواو الساكنة وبعدها سين مهملة.
    وفي شعراء المغاربة ابن حبوس مثل الأول، ولكن بالباء الموحدة المخففة، وإنما ذكرته لئلا  يتصحف على كثير من الناس بابن حيوس. ورأيت خلقا كثيرا يتوهمون  أن المغربي يقال له ابن حيوس ايضا، وهو غلط، والصواب ما ذكرته، والله تعالى أعلم.

الثلاثاء، 11 أبريل 2017

الصليحي

    أبو الحسن علي بن محمد بن علي الصليحي القائم باليمن؛ كان أبوه محمد قاضياً باليمن سني المذهب، وكان أهله وجماعته يطيعونه، وكان الداعي عامر بن عبد الله الزواحي يلاطفه ويركب إليه، لرياسته وسؤدده وصلاحه وعلمه، فلم يزل عامر المذكور حتى استمال قلب ولده علي المذكور وهو يومئذ دون البلوغ ولاحت له فيه مخايل النجابة، وقيل كانت عنده حلية علي الصليحي في كتاب " الصور " وهو من الذخائر القديمة، فأوقفه منه على تنقل حاله وشرف مآله، وأطلعه على ذلك سراً من أبيه وأهله.
    ثم مات عامر عن قرب وأوصى له بكتبه وعلومه، ورسخ في ذهن علي من كلامه ما رسخ، فعكف على الدرس، وكان ذكياً، فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من معارفه التي بلغ بها وبالجد السعيد غاية الأمل البعيد، فكان فقيهاً في مذهب الدولة  الإمامية مستبصراً في علم التأويل، ثم إنه صار يحج بالناس دليلاً على طريق السراة والطائف خمس عشرة سنة وكان الناس يقولون له: بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره ويكون لك شأن، فيكره ذلك وينكره على قائله، مع كونه أمراً قد شاع وكثر في أفواه الناس، الخاصة والعامة؛ ولما كان في سنة تسع وعشرين وأربعمائة ثار في رأس مسار، وهو أعلى ذروة في جبال [اليمن]، وكان معه ستون رجلاً قد حالفهم بمكة في موسم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة على الموت والقيام بالدعوة وما منهم إلا من هو من قومه وعشائره في منعة وعدد كثير، ولم يكن برأس الجبل المذكور بناء، بل كان قلة منيعة عالية، فلما ملكها لم ينتصف نهار ذلك اليوم الذي ملكها في ليلته إلا وقد أحاط به عشرون ألف ضارب سيف وحصروه وشتموه وسفهوا رأيه وقالوا له: إن نزلت وإلا قتلناك أنت ومن معك بالجوع، فقال لهم: لم أفعل هذا إلا خوفاً علينا وعليكم أن يملكه غيرنا، فإن تركتموني أحرسه وإلا نزلت إليكم، فانصرفوا عنه؛ ولم تمض عليه أشهر حتى بناه وحصنه وأتقنه.
    واستفحل أمر الصليحي شيئاً فشيئاً، وكان يدعو للمستنصر صاحب مصر في الخفية، ويخاف من نجاح صاحب تهامة ويلاطفه ويستكين لأمره، وفي الباطن يعمل الحيلة في قتله، ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة بالكدراء. وفي سنة ثلاث وخمسين كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدعوة (3) ، فأذن له، فطوى البلاد طياً وفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله سهله ووعره وبره وبحره، وهذا أمر لم يعهد مثله في جاهلية ولا إسلام، حتى قال يوماً وهو يخطب الناس في جامع الجند: وفي مثل هذا اليوم نخطب على منبر عدن، ولم يكن ملكها بعد، فقال بعض من حضر مستهزئاً: سبوح قدوس، فأمر بالحوطة عليه، وخطب الصليحي في مثل ذلك اليوم على منبر عدن، فقام ذلك الإنسان وتغالى في القول وأخذ البيعة ودخل في المذهب.
    ومن سنة خمس وخمسين استقر حاله في صنعاء، وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم، وأسكنهم معه وولى في الحصون غيرهم، واختط بمدينة صنعاء عدة قصور ، وحلف أن لا يولي تهامة إلا لمن وزن مائة ألف دينار، فوزنت له زوجته أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب، فولاه، وقال لها: يا مولاتنا أنا لك هذا فقالت: (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) (آل عمران:37) فتبسم وعلم أنه من خزانته، فقبضه وقال: (هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا)  (يوسف:65) .
    ولما كان في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة عزم الصليحي على الحج، فأخذ معه الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثوروا عليه، واستصحب زوجته أسماء ابنة شهاب، واستخلف مكانه ولده الملك المكرم أحمد، وهو ولدها أيضاً، وتوجه في ألفي فارس فيهم من آل الصليحي مائة وستون شخصاً، حتى إذا كان بالمهجم، ونزل في ظاهرها بضيعة يقال لها أم الدهيم وبئر أم معبد، وخيمت عساكره والملوك التي معه من حوله، لم يشعر الناس حتى قيل: قد قتل الصليحي، فانذعر الناس وكشفوا عن الخبر، فكان سعيد الأحول ابن نجاح المذكور التي قتلته الجارية بالسم قد استتر في زبيد، وكان أخوه جياش في دهلك، فسير إليه وأعلمه أن الصليحي متوجه إلى مكة، فتحضر حتى نقطع عليه الطريق ونقتله، فحضر جياش إلى زبيد، وخرج هو وأخوه سعيد ومعهما سبعون رجلآً بلا مركوب ولا سلاح، بل مع كل واحد جريدة في رأسها مسمار حديد، وتركوا جادة الطريق وسلكوا طريق الساحل، وكان بينهم وبين المهجم مسيرة ثلاثة أيام للمجد.
    وكان الصليحي قد سمع بخروجهم، فسير خمسة آلاف حربة من الحشة الذين في ركابه لقتالهم، فاختلفوا في الطريق، فوصل سعيد ومن معه إلى طرف المخيم، وقد أخذ منهم التعب والحفاء وقلة المادة، فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر، ولم يشعر بهم إلا عبد الله أخو علي الصليحي، فقال لأخيه: يا مولانا 
    اركب، فهذا والله الأحول سعيد بن نجاح، وركب عبد الله، فقال الصليحي لأخيه: إني لا أموت إلا بالدهيم وبئر أم معبد، معتقداً أنها أم معبد التي نزل بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة (1) ، فقال له رجل من أصحابه: قاتل عن نفسك، فهذه والله الدهيم وهذه بئر أم معبد، فلما سمع الصليحي ذلك لحقه زمع اليأس من الحياة، وبال، ولم يبرح من مكانه حتى قطع رأسه بسيفه وقتل أخوه معه وسائر الصليحين، وذلك في الثاني عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
    ثم إن سعيداً أرسل إلى خمسة الآلاف التي أرسلها الصليحي لقتالهم، وقال لهم: إن الصليحي قد قتل، وأنا رجل منكم، وقد أخذت ثأر  أبي، فقدموا عليه وأطاعوه، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحي، فاستظهر عليهم قتلاً وأسرا ونهباً، ثم رفع رأس الصليحي على عود المظلة، وقرأ القارئ: (قل اللهم مالك الملك)  ... الآية (آل عمران:26) . ورجع إلى زبيد، وقد حاز الغنائم ملكاً عقيماً، ودخلها في السادس عشر من ذي القعدة من السنة وملكها، وملك بلاد تهامة. ولم يزل على ذلك حتى قتل في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة بتدبير الحرة، وهي امرأة من الصليحيين، وخبر ذلك يطول.
    ولما قتل الصليحي ورفع رأسه على عود المظلة - كما تقدم ذكره - عمل في ذلك القاضي العثماني  :
    بكرت مظلته عليه فلم ترح ... إلا على الملك الأجل سعيدها
    ما كان أقبح وجهه في ظلها ... ما كان أحسن رأسه في عودها
    سود الأراقم قابلت أسد الشرى ... وارحمتا لأسودها من سودها
    ولعلي الصليحي شعر جيد، فمن ذلك قوله:
    أنكحت بيض الهند سمر رماحهم ... فرؤوسهم عوض النثار نثار
    وكذا العلا لا يستباح نكاحها ... إلا بحيث تطلق الأعمار
    وذكره العماد في " الخريدة "  فقال: ومن شعره، وقيل لغيره على لسانه:
    ألذ من قرع المثاني عنده ... في الحرب ألجم يا غلام وأسرج
    خيلٌ بأقصى حضرموت أشدها ... وصهيلها بين العراق ومنبج
     والصليحي: بضم الصاد المهملة وفتح اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها حاء مهملة، لا أعرف هذه النسبة إلى أي شيء هي، والظاهر أنها إلى رجل، فقد جاء في الأسماء الأعلام صليح، ونسبوا إليه أيضاً.
    وأما الأماكن المذكورة فكلها من بلاد اليمن، ولم أتحقق ضبطها فكتبتها على الصورة التي وجدتها.
    وأكثر هذه الترجمة نقلته من " أخبار اليمن " للفقيه عمارة اليمني الشاعر - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.