الثلاثاء، 28 مارس 2017

عبد الملك بن عمير

    أبو عمر، ويقال أبو عمرو، عبد الملك بن عمير بن سويد بن حارثة بن املاص بن شنيف بن عبد شمس بن سعد بن الوسيع بن الحارث بن يثيع بن أزدة بن حجر بن جزيلة بن لخم اللخمي الكوفي القبطي الفرسي؛ كان قاضياً على الكوفة بعد الشعبي، وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم ومن كبار أهل الكوفة، رأى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وروى عن جابر بن عبد الله. ومن أخباره أنه قال: كنت عند عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة حين جيء برأس مصعب بن الزبير فوضع بين يديه، فرآني قد ارتعت، فقال لي: ما لك فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، كنت بهذا القصر بهذا الموضع مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين يديه في هذا المكان، ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد الثقفي فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير هذا فرأيت رأس المختار فيه بين يديه، ثم هذا رأس مصعب بن الزبير بين يديك. قال: فقام عبد الملك من موضعه، وأمر بهدم ذلك الطاق الذي كنا فيه .
    ومرض عبد الملك بن عمير مرة، فاعتذر إليه رجل من تخلفه عن عيادته، فقال له: ما كنت لألوم على ترك عيادتي رجلاً لو مرض لما عدته. وكانت وفاته سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة ، وهو ابن مائة سنة وثلاث سنين.
    والقبطي: بكسر القاف وسكون الباء الموحدة وكسر الطاء المهملة، هذه النسبة إلى القبطي، وهو فرسٌ سابق كان له فنسب إليه.
    والفرسي: بالفاء والراء المفتوحتين والسين المهملة، نسبة إلى هذا الفرس أيضاً وأكثر الناس يصحفونه  بالقرشي، رحمه الله تعالى.

ابن جريج

    أبو خالد وأبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، القرشي بالولاء المكي، مولى أمية بن خالد بن أسيد، ويقال إن جريجاً كان عبداً لأم حبيب بنت جبير زوجة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية فنسب ولاؤه إليه.
    وكان عبد الملك أحد العلماء المشهورين، ويقال إنه أول من صنف الكتب في الإسلام، وكان يقول: كنت مع معن بن زائدة باليمن، فحضر وقت الحج فلم تحضرني نية، فخطر ببالي قول عمر بن أبي ربيعة :
    بالله قولي له من غير معتبةٍ ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
    إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمن
    قال: فدخلت على معن فأخبرته أني قد عزمت على الحج، فقال لي: ما يدعوك إليه ولم تكن تذكره فقلت له: ذكرت بيتين لعمر بن أبي ربيعة، وأنشدته إياهما، فجهزني وانطلقت.
    وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، وقدم بغداد على أبي جعفر المنصور. وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة، وقيل سنة خمسين، وقيل إحدى وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى.
    وجريج: بضم الجيم وفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها جيم ثانية.

القاضي الفاضل

    أبو علي عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف بهاء الدين أبي المجد علي ابن القاضي السعيد أبي محمد الحسن بن الحسن بن أحمد بن الفرج بن أحمد اللخمي العسقلاني المولد المصري الدار، المعروف بالقاضي الفاضل الملقب مجير الدين؛ وزر للسلطان الملك الناصر صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وتمكن منه غاية التمكن، وبرز في صناعة الإنشاء، وفاق المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار. أخبرني أحد  الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وهو مجيد في أكثرها.
    قال العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " في حقه : رب القلم والبيان، واللسن واللسان، والقريحة الوقادة، والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة، والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره، فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار، وهو ضابط الملك بآرائه، رابط السلك بآلائه، إن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة واحدة ما لو دون لكان لأهل الصناعة خير بضاعة، أين قس عند فصاحته وابن قيس في مقام حصافته ومن حاتم وعمرو في سماحته وحماسته وأطال القول في تقريظه.
    ونذكر له رسالة لطيفة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين يتشفع له في توليته خطابة الكرك وهي: " أدام الله السلطان الملك الناصر وتبته، وتقبل عمله بقبولٍ صالح وأنبته، وأخذ عدوه قائلاً أو بيته، وأرغم أنفه بسيفه وكبته، خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب، ولما نبا به المنزل عنها، وقل عليه المرفق فيها، وسمع بهذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها ووجب على أهلها شكرها، هاجر من هجير عيذاب وملحها، سارياً في ليلة أمل كلها نهار فلا يسأل عن صبحها. وقد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب، وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس وهو قريب، ونزع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب، والفقر سائق عنيف، والمذكور عائل ضعيف، ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف، والسلام ".
    وله من جملة رسالة في صفة قلعة شاهقة ولقد أبدع فيها، ويقال إنها قلعة كوكب " وهذه القلعة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة ".
    وملحه ونوادره كثيرة. وقوله " كان الهلال لها قلامة " أخذه من قول عبد الله بن المعتز من جملة أبياته المتقدم ذكرها في ترجمته وهو قوله:
    ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر
    وابن المعتز أخذه من قول عمرو بن قميئة وهو:
    كأن ابن مزنتها جانحاً ... فسيط لدى الأفق من خنصر
    والفسيط، بفتح الفاء وكسر السين المهملة، قلامة الظفر .
    ومن كلامه في أثناء رسالة وقد كبر: " والمملوك قد وهت ركبتاه، وضعف أطيباه، وكتبت لام ألف عند قيامه رجلاه، ولم يبق من نظره إلا شفافة، ومن حديثه إلا خرافة ".
    وله في النظم أيضاً أشياء حسنة، منها ما أنشده عند وصوله إلى الفرات في خدمة السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، ويتشوق نيل مصر :
    بالله قل للنيل عني إنني ... لم أشف من ماء الفرات غليلا
    وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... إن كان جفني بالدموع بخيلا
    يا قلب كم خلفت ثم بثينةً ... وأعيذ صبرك أن يكون جميلا 
    ومن المنسوب إلى القاضي الفاضل قوله:
    عتبٌ أقلب فيه طرف ترقبي ... فعسى يكون وراءه الإعتاب ومن شعره أيضاً :
    بتنا على حال يسر الهوى ... وربما لا يمكن الشرح
    بوابنا الليل، وقلنا له: ... إن غبت عنا دخل الصبح ولقد نظمت هذا المعنى في دوبيت وهو:
    ما أطيب ليلة مضت بالسفح ... والوصف لها يقصر عنه شرحي
    إذ قلت لها بوابنا أنت متى ... ما غبت نخاف من دخول الصبح
    وكان كثيراً ما ينشد لابن مكنسة، وهو أبو طاهر إسماعيل بن محمد بن الحسين القرشي الإسكندري (1) :
    وإذا السعادة أحرستك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
    واصطد بها العنقاء فهي حبائل  ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان
    [وكان الملك العزيز بن صلاح الدين يميل إلى القاضي الفاضل في حياة أبيه، فاتفق أن العزيز هوي قينة شغلته عن مصالحه، وبلغ ذلك والده، فأمره بتركها ومنعها من صحبته، فشق ذلك عليه، وضاق صدره، ولم يجسر أن يجتمع بها، فلما طال ذلك بينهما سيرت له مع بعض الخدم كرة عنبر، فكسرها فوجد في وسطها زر ذهب، فأفكر فيه ولم يعرف معناه، واتفق حضور القاضي، فعرفه الصورة، فعمل القاضي الفاضل في ذلك بيتين وأرسلهما إليه وهما:
    أهدت لك العنبر في وسطه ... زرٌ من التبر دقيق اللحام
    فالزر في العنبر معناهما ... زر هكذا مستتراً في الظلام فعلم الملك العزيز أنها أرادت زيارته في الليل]  .
    وشعره أيضاً كثير.
    وكانت ولادته يوم الاثنين في خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة بمدينة عسقلان، وتولى أبوه القضاء بمدينة بيسان فلهذا نسبوا إليها، وفي ترجمة الموفق يوسف بن الخلال - في حرف الياء - صورة مبدإ أمره وقدومه الديار المصرية واشتغاله عليه بصناعة  الإنشاء، فلا حاجة إلى ذكره ها هنا.
    ثم إنه تعلق بالخدم في ثغر الاسكندرية وأقام به مدة، وقال الفقيه عمارة اليمني في كتاب " النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية "  في ترجمة العادل ابن الصالح بن رزيك: ومن محاسن أيامه وما يؤرخ عنها، بل هي الحسنة التي لا توازى، بل هي اليد البيضاء التي لا تجازى، خروج أمره إلى والي الاسكندرية بتسيير القاضي الفاضل إلى الباب، واستخدامه بحضرته وبين يديه في ديوان الجيش، فإنه غرس منه للدولة بل للملة، شجرة مباركة متزايدة النماء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
    وقد تقدم ذكر ما آل إليه أمره من وزارة السلطان صلاح الدين، وترقي منزلته عنده، وبعد وفاة صلاح الدين استمر  على ما كان عليه عند ولده الملك العزيز في المكانة والرفعة ونفاذ الأمر، ولما توفي العزيز وقام ولده الملك المنصور بالملك بتدبير عمه الملك الأفضل نور الدين كان أيضاً على حاله. ولم يزل كذلك إلى أن وصل الملك العادل وأخذ الديار المصرية، وعند دخوله القاهرة توفي القاضي الفاضل، وذلك في ليلة الأربعاء سابع شهر
     ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة بالقاهرة، فجأة) ، ودفن في تربته من الغد بسفح المقطم في القرافة الصغرى، وزرت قبره مراراً، وقرأت تاريخ وفاته على الرخام المحوط حول القبر كما هو ها هنا، رحمه الله تعالى؛ وكان من محاسن الدهر وهيهات أن يخلف الزمان مثله  .
    وبنى بالقاهرة مدرسة بدرب ملوخية، ورأيت بخطه أنه استفتح التدريس بها يوم السبت مستهل المحرم من سنة ثمانين وخمسمائة. وأما لقبه فإن أهله يقولون: إنه كان يلقب محيي الدين، ورأيت مكاتبة الشيخ شرف الدين عبد الله بن أبي عصرون - المقدم ذكره - إليه وهو يخاطبه بمجير الدين، والله أعلم بالصواب.
     وكان ولده القاضي الأشرف بهاء الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي الفاضل  كبير المنزلة عند الملوك، وكان مثابراً على سماع الحديث وتحصيل الكتب، ومولده في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة بالقاهرة، وتوفي بها في ليلة الاثنين سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة، ودفن بسفح المقطم إلى جانب قبر أبيه، وكان الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب قد سيره من مصر في رسالة إلى بغداد، فأنشد الوزير من نظمه:
    يا أيها المولى الوزير ومن له ... مننٌ حللن من الزمان وثاقي
    من شاكر عني نداك فإنني ... من عظم ما أوليت ضاق نطاقي
    مننٌ تخف على يديك، وإنما ... ثقلت مؤونتها على الأعناقِ

الخطيب ابن نباتة

    الخطيب أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة، الحذاقي الفارقي صاحب الخطب المشهورة؛ كان إماماً في علوم الأدب، ورزق السعادة في خطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها، وفيها دلالة على غزارة علمه وجودة قريحته. وهو من أهل ميافارقين، وكان خطيب حلب وبها اجتمع بأبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة بن حمدان، وقالوا: إنه سمع عليه بعض ديوانه  . وكان سيف الدولة كثير الغزوات فلهذا أكثر الخطيب من خطب الجهاد ليحض الناس عليه، ويحثهم على نصرة سيف الدولة، وكان رجلاً صالحاً.
    وذكر الشيخ تاج الدين الكندي بإسناده المتصل إلى الخطيب ابن نباتة أنه قال: لما عملت خطبة المنام وخطبت بها يوم الجمعة رأيت ليلة السبت في منامي كأني بظاهر ميافارقين عند الجبانة فقلت: ما هذا الجمع فقال لي قائل: هذا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فقصدت إليه لأسلم عليه، فلما دنوت منه التفت فرآني فقال: مرحباً يا خطيب الخطباء، كيف تقول وأومأ إلى القبور؛ قلت: لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقال لقالوا، قد شربوا من الموت كأساً مرة، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرة، وآلى عليهم الدهر 
    ألية برة، ألا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرة، كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدوا في الأحياء مرة، أسكتهم والله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم [يوم يعيد الله العالمين خلقاً جديداً، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقوداً، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً - وأومأت عند قولي " تكونون شهداء على الناس " إلى الصحابة وبقولي " شهيداً " إلى الرسول صلى الله عليه وسلم - " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً "، فقال لي: أحسنت، ادن، فدنوت منه صلى الله عليه وسلم فأخذ وجهي وقبله]  ثم تفل في فيَّ وقال: وفقك الله، قال: فانتبهت من النوم وبي من السرور ما يجل عن الوصف فأخبرت أهلي بما رأيت.
    قال الكندي بروايته : وبقي الخطيب بعد هذا المنام ثلاثة أيام لا يطعم طعاماً ولا يشتهيه، ويوجد في فيه رائحة المسك، ولم يعش إلا مدة يسيرة. ولما استيقظ الخطيب من منامه كان على وجهه أثر نور وبهجة لم تكن قبل ذلك، وقص رؤياه على الناس، وقال: سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً، وعاش بعد ذلك ثمانية عشر يوماً لا يستطعم فيها طعاماً ولا شراباً من أجل تلك التفلة وبركتها. وهذه الخطبة التي فيها هذه الكلمات تعرف بالمنامية لهذه الواقعة.
    وهذا الخطيب لم أر أحداً من المؤرخين ذكر تاريخه في المولد والوفاة سوى ابن الأزرق الفارقي في تاريخه، فإنه قال: ولد في سنة خمس وثلاثين وثلثمائة. وتوفي في سنة أربع وسبعين وثلثمائة بميافارقين ودفن بها، رحمه الله تعالى.
    ورأيت في بعض المجاميع قال الوزير أبو القاسم ابن المغربي: رأيت الخطيب ابن نباتة في المنام بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك فقال: دفع لي ورقة فيها سطران بالأحمر وهما:
    قد كان أمنٌ لك من قبل ذا ... واليوم أضحى لك أمنانِ
    والصفح لا يحسن عن محسن ... وإنما يحسن عن جاني 
    قال: فانتبهت من النوم وأنا أكررهما.
    ونباتة: بضم النون وفتح الباء الموحدة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها مفتوحة ثم هاء ساكنة.
    والحذاقي : بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وبعد الألف قاف، هذه النسبة إلى حذاقة بطن من قضاعة، وقال ابن قتيبة في كتاب " أخبار الشعراء " : وحذاق قبيلة من إياد، والله أعلم.

أبو مسلم الخراساني

    أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وقيل عثمان، الخراساني القائم بالدعوة العباسية، وقيل هو إبراهيم بن عثمان بن يسار بن شذوس بن جودرن  من ولد بزرجمهر بن البختكان  الفارسي، قال له إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: غير اسمك فما يتم لنا الأمر حتى تغير اسمك، فسمى نفسه عبد الرحمن، والله أعلم.
    كان أبوه من رستاق فريذين من قرية تسمى سنجرد  وكانت هذه القرية له مع عدة قرى، وقيل: إنه من قرية يقال لها ماخوان، على ثلاث (5) فراسخ من مرو، وكان بعض الأحيان يجلب إلى الكوفة مواشي، ثم إنه قاطع  على رستاق فريذين، فلحقه فيه عجز، وأنفذ عامل البلد إليه من يشخصه إلى الديوان، وكان له عند أذين بنداذ ابن وستجان جارية اسمها وشيكة جلبها من الكوفة، فأخذ الجارية معه وهي حامل، وتنحى عن مؤدى خراجه آخذاً إلى أذربيجان، فاجتاز على رستاق فاتق بعيسى بن معقل بن عمير أخي إدريس بن معقل جد أبي دلف العجلي فأقام عنده أياماً، فرأى في منامه 
    كأنه جلس للبول فخرج من إحليله نار وارتفعت في السماء وسدت الأفاق وأضاءت الأرض ووقعت بناحية المشرق، فقص رؤياه على عيسى بن معقل فقال له: ما أشك أن في بطنها غلاماً، ثم فارقه ومضى إلى أذربيجان ومات بها.
    ووضعت الجارية أبا مسلم، ونشأ عند عيسى، فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب، فخرج أديباً لبيباً يشار إليه في صغره. ثم إنه اجتمع على عيسى بن معقل وأخيه إدريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها عن حضور مؤدى الخراج بأصبهان، فأنهى عامل أصبهان خبرهما إلى خالد بن عبد الله القسري والي العراقين، فأنفذ خالد من الكوفة  من حملهما إليه بعد قبضه عليهما، فتركهما خالد في السجن، فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي محبوساً بسبب من أسباب الفساد، وقد كان عيسى بن معقل قبل أن يقبض عليه أنفذ أبا مسلم إلى قرية من رستاق فاتق لاحتمال غلتها، فلما اتصل به خبر عيسى بن معقل باع ما كان احتمله من الغلة وأخذ ما كان اجتمع عنده من ثمنها ولحق بعيسى بن معقل، فأنزله عيسى بداره في بني عجل، وكان يختلف إلى السجن ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل.
    وكان قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - مع عدة من الشيعة الخرسانية، فدخلوا على العجليين السجن مسلمين، فصادفوا أبا مسلم عندهم، فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه وأدبه، ومال هو إليهم ثم عرف أمرهم وأنهم دعاة، واتفق مع ذلك هرب عيسى وإدريس من السجن، فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء، ثم خرج معهم إلى مكة، حرسها الله تعالى، فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد الإمام - المذكور في ترجمة أبيه محمد بن علي وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه - عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم، وأهدوا إليه أبا مسلم، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه، وقال لهم: هذا عضلة من العضل. وأقام أبو مسلم عند الإمام إبراهيم يخدمه حضراً وسفراً. ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلاً يقوم بأمر خراسان، فقال: إني قد جربت هذا الأصبهاني وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حجر الأرض، ثم دعا أبا مسلم وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان وكان من أمره ما كان. وكان إبراهيم الإمام قد أرسل إلى أهل خراسان سليمان بن كثير الحراني يدعوهم إلى أهل البيت، فلما بعث أبا مسلم أمر من هناك بالسمع والطاعة له، وأمره أن لا يخالف سليمان بن كثير، فكان أبو مسلم يختلف ما بين إبراهيم وسليمان.
    وقال المأمون، وقد ذكر أبو مسلم عنده: أجل ملوك الأرض ثلاثة، وهم اللذين قاموا بثقل الدول: الاسكندر وأردشير وأبو مسلم الخراساني.
    وكان أبو مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم وأقام على ذلك سنين وفعل في خراسان وتلك البلاد ما هو مشهور ولا حاجة إلى الإطالة بذكره.
    وكان مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، يحتال على الوقوف على حقيقة الأمر وأن أبا مسلم إلى من يدعو منهم، فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعاء لإبراهيم الإمام  ، وكان مقيماً عند اخوته وأهله بالحميمة - الآتي ذكرها في ترجمة جده علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما - فأرسل إليه وقبض عليه وأحضره إلى حران فأوصى إبراهيم بالأمر من بعده لأخيه عبد الله السفاح. ولما وصل إبراهيم إلى حران حبسه مروان بها ثم غمه بجراب طرح فيه نورة وجعل فيه رأسه وسد عليه إلى أن مات، وذلك في صفر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل إنه قتله غير هذه القتلة لكن هذا هو الأكثر، وكان عمره إحدى وخمسين سنة، وكان دفنه هناك داخل حران.
    ثم صار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس عبد الله بن محمد الملقب السفاح. وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثية للخبر المروي في ذلك أن هذا الأمر يتم لابن الحارثيه، فلما قام عمر بن عبد العزيز بالأمر أتاه محمد بن علي 
    وقال: إني أردت أن اتزوج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب، أفتأذن لي قال: تزوج من شئت، فتزوج ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الركال بن قطن بن زياد بن الحارث بن كعب، فأولدها السفاح المذكور، فتولى الخلافة .
    ووصف المدائني أبا مسلم فقال: كان قصيراً أسمر جميلاً حلواً نقي البشرة أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها طويل الشعرة طويل الظهر قصير الساق والفخذ خافض الصوت، فصيحاً بالعربية والفارسية حلو المنطق راوية للشعر عالماً بالأمور، لم ير ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الحوادث الفادحة (2) فلا يرى مكتئباً، وإذا غضب لم يستفزه الغضب، ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة واحدة، ويقول: الجماع جنون ويكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة، وكان من أِشد الناس غيرةً [ايدخل قصره غيره، وكان في القصر كوى يطرح لنسائه منها ما يحتجن إليه، قالوا: وليلة زفت أليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه، لئلا يركبه ذكر بعدها، وقال له ابن شبرمة: أصلح الله الأمير، من أشجع الناس قال: كل قوم في إقبال دولتهم؛ وكان أقل الناس طمعاً، واكثرهم طعاماً، ولما حج نادى في الناس: برئت الذمة ممن أوقد ناراً، فكفى العسكر ومن معه أمر طعامهم وشرابهم في ذهابهم وإيابهم ومنصرفهم، وهربت الأعراب، فلم يبق في المناهل منهم أحد لما كانوا يسمعونه من سفكه الدماء: قتل في دولته ستمائة ألف صبراً، فقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم خير أو الحجاج قال: لا أقول إن أبا مسلم خيراً من أحد، ولكن الحجاج كان شراً منه. وقيل له: بم بلغت ما بلغت فقال: ما أخرت أمر يومي إلى غد قط. وذكر الزمخشري في كتاب " ربيع الأبرار " في باب " الأسنان وذكر الصبا والشباب " أن أبا مسلم نهض للدعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال الزمخشري أيضاً في كتابه المذكور انه كان عظيم القدر - يعني أبا مسلم - وأنه قدم مرة فتلقاه ابن أبي ليلى القاضي المشهور فقبل يده، فقيل له في ذلك فقال: قد لقي أبو عبيدة ابن الجراح عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما فقبل يده، فقيل له: أتشبه أبا مسلم بعمر فقال: أتشبهونني بأبي عبيدة وكان له إخوة من جملتهم يسار جد علي بن حمزة بن عمارة بن حمزة بن يسار الأصبهاني.
    وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة، والخليفة يومئذ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، في رستاق فاتق، بقرية يقال لها ناوانه  ، ويدعي أهل مدينة جي الأصبهانية أن مولده بها. ولما ظهر بخراسان كان أول ظهوره بمرو يوم الجمعة لتسع بقين، وقال الخطيب لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة، والوالي بخراسان يومئذ نصر بن سيار الليثي من جهة مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فكتب نصر إلى مروان:
    أرى جذعاً إن يئن لم يقو ريضٌ ... عليه، فبادر قبل أن يُثني الجذع وكان مروان مشغولاً عنه بغيره من الخوارج بالجزيرة الفراتية وغيرها منهم الضحاك بن قيس الحروري وغيره فلم يجبه عن كتابه، وأبو مسلم يوم ذاك في خمسين رجلاً، فكتب إليه ثانية قول أبي مريم عبد الله بن إسماعيل البجلي الكوفي وهو من جملة أبيات كثيرة، وكان أبو مريم منقطعاً إلى نصر بن سيار وكان له مكتب بخراسان:
    أرى خلل الرماد وميض نارٍ ... ويوشك أن يكون لها ضرام
    فإن النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أولها كلام
    لئن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثثٌ وهام
    أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظٌ أمية أم نيام
    فإن كانوا لحينهم نياماً ... فقل قوموا فقد حان القيام
    وهذا مثل ما يحكى عن بعض علوية الكوفة أنه قال، لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أبي جعفر المنصور وأخوه إبراهيم بن عبد الله:
    أرى ناراً تشب على يفاعٍ ... لها في كل ناحية شعاع
    وقد رقدت بنو العباس عنها ... وباتت وهي آمنةٌ رتاع
    كما رقدت أمية ثم هبت ... تدافع حين لا يغني الدفاع رجعنا إلى الأول:
    فانتظر ابن سيار ما يكون من مروان، فجاءه جوابه وهو يقول: إنا حين وليناك خراسان، والشاهد يرى ما يرى الغائب، فحسم الثؤلول قبلك، فقال نصر حين أتاه الجواب: قد أعلمكم أن لا نصر عنده، ثم كتب ثانياً فأبطأ عنه الجواب. واشتدت شوكة أبي مسلم فهرب نصر من خراسان وقصد العراق، فمات في الطريق بناحية ساوة، وقيل أنه مرض بالري وحمل إلى ساوة وهي بالقرب من همذان، فمات بها في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين ومائة، وكانت ولايته بخراسان عشر سنين.
    وفي يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة وثب أبو مسلم على علي بن جديع بن علي الكرماني بنيسابور فقتله بعد أن قيده وحبسه،
    وقعد في الدست وسلم عليه بالإمرة وصلى وخطب ودعا للسفاح أبي العباس عبد الله بن محمد أول خلفاء بني العباس، وصفت له خراسان وانقطعت عنها ولاية بني أمية. ثم سير العساكر لقتال مروان بن محمد، وظهر السفاح بالكوفة وبويع بالخلافة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر وقيل الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل غير هذا التاريخ.
    وتجهزت العساكر الخراسانية وغيرها من جهة السفاح لقصد مروان بن محمد ومقدمها عبد الله بن علي عم السفاح، فتقدم مروان إلى الزاب، النهر الذي بين الموصل وإربل، وكانت الوقعة على كشاف - بضم الكاف وهي قرية هناك -، وانكسر عسكر مروان وهرب إلى الشام، فتبعه عبد الله بجيوشه، فهرب إلى مصر، فأقام عبد الله بدمشق وأرسل جيشاً وراء مروان مع الأصفر - وقيل: مصفر - وعامر بن إسماعيل الجرجاني .
    فلما وصل إلى بوصير القرية التي عند الفيوم قتل بها ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، رحمه الله تعالى، وقيل في ذي القعدة من السنة، قتله عامر المذكور، واحتزوا رأسه وبعثوه إلى السفاح، فبعثه السفاح إلى أبي مسلم وأمره يطيف به في بلاد خراسان.
    وقيل لمروان: ما الذي أصارك إلى هذا قال: قلة مبالاتي بكتب نصر بن سيار لما استنصرني وهو بخراسان .
    فاستقل السفاح بالخلافة، وخلا له الوقت من منازع.
    [وقال أبو عثمان التيمي قاضي مروان بن محمد: رأيت في منامي كأن عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ناشرة شعرها وهي واقفة على مرقى بين مراقي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تنشد بيتين من قصيدة الأحوص التي أولها:
    يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ...أين الشباب وعيشنا اللذّ الذي ... 
    كنا به زمنا نسر ونجذل ذهبت بشاشته وأصبح ذكره ...
    حزناً يعل به الفؤاد وينهل 
    قال أبو عثمان التيمي: فلم يكن بين ذلك وبين الحادثة على بني أمية إلا أقل من شهر.
    ووجد بخط محمد بن أسعد قال: كان الخراز يقول: من أعجب أحاديث مروان بن محمد ما رواه المدائني قال: لما حاصر مروان تدمر فظفر بها وهدم دورها افضى إلى جرن طويل، فلم يشك مروان والحاضرون أن تحته كنزاً، فنبشوه فإذا امرأة مسجاة عظيمة الخلق على قفاها فوق سرير من حجارة عليها سبعون حلة منسوجة بالذهب جرباناتها، لها غدائر من رأسها إلى رجليها، فذرع قدمها فكانت عظيمة الساق، وكان طولها سبعة أذرع، وإذا عند رأسها صفيحة من نحاس مكتوب عليها بالحميرية، فطلب من قرأه فإذا فيه: أنا تدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن هرم العماليقي، من دخل علي بيتي هذا فأزعجني منه حتى يراني أدخل الله عليه المهانة والذل والصغار؛ فلما قرىء المكتوب على مروان عظم عليه وندم على ما كان منه وتطير بذلك وجعل يسترجع، ثم أمر بطبق الجرن وأن يرد إلى موضعه، وما كان بين ذلك وبين الظفر به وزوال الملك واستباحة حريمه إلا قليل] (1) .
    وكان السفاح كثير التعظيم لأبي مسلم لما صنعه ودبره، وكان أبو مسلم عند ذلك ينشد في كل وقت:
    أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
    ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا
    حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحد
    ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
    ولما مات السفاح في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة بعلة الجدري - وكانت وفاته بالأنبار - وتولى الخلافة أخوه أبو جعفر المنصور يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة وهو بمكة، صدرت من أبي مسلم أسباب وقضايا غيرت قلب المنصور عليه فعزم على قتله، وبقي حائراً بين الاستبداد برأيه في أمره أو الاستشارة، فقال يوماً لسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي: ما ترى في أمر أبي مسلم قال: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " الأنبياء:" فقال: حسبك يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذناً واعية.
    وكان أبو مسلم قد حج، فلما عاد نزل الحيرة التي عند الكوفة وكان بها نصراني عمره مائتا سنة يخبر عن الكوائن، فأحضره وسمع كلامه، وكان في جملته أنه يقتل، وقال له: إن صرت إلى خراسان سلمت، فعزم على الرجوع إليها  .
    فلم يزل المنصور يخدعه بالرسائل حتى أحضره إليه، وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها وأنه مميت دولة ومحيي دولة وأنه يقتل ببلاد الروم، وكان المنصور يومئذٍ برومية المدائن التي بناها كسرى، ولم يخطر بقلب أبي مسلم أنها موضع قتله، بل راح وهمه إلى بلاد الروم، فلما دخل على المنصور رحب به ثم أمره بالانصراف إلى مخيمه، وانتظر المنصور فيه الفرص والغوائل، ثم إن أبا مسلم ركب إليه مراراً فأظهر له التجني، ثم جاءه يوماً فقيل له: إنه يتوضأ للصلاة، فقعد تحت الرواق، ورتب المنصور له جماعة يقفون وراء السرير الذي خلف أبي مسلم، فإذا عاتبه لا يظهرون فإذا ضرب يداً على يد ظهروا وضربوا عنقه؛ ثم جلس المنصور ودخل عليه أبو مسلم فسلم فرد عليه وأذن له في الجلوس وحادثه ثم عاتبه وقال: فعلت وفعلت، فقال أبو مسلم: ما يقال هذا لي بعد سعيي واجتهادي وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك بجدنا وحظنا، ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك ،
    ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك قبلي ألست الكاتب تخطب عمتي آسيا وتزعم أنك ابن سليط  بن عبد الله بن العباس لقد ارتقيت لا أم لك مرتقىً صعباً. فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور وهو آخر كلامه: قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح : اضربوا قطع الله أيديكم، وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، قال: لا أبقاني الله أبداً إذاً ، وأي عدو أعدى منك
    وكان قتله يوم الخميس لخمس بقين من شعبان، وقيل لليلتين، وقيل يوم الأربعاء لسبع ليال خلون منه، سنة سبع وثلاثين ومائة، وقيل سنة ست وثلاثين، وقيل سنة أربعين وهذا القول ضعيف، وكان قتله برومية المدائن، وهي بلدة بالقرب من بغداد على دجلة بالجانب الغربي معدودة من مدائن كسرى. ولما قتله أدرجه في بساط فدخل عليه جعفر بن حنظلة فقال له المنصور: ما تقول في أمر (4) أبي مسلم فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال المنصور: وفقك الله، هاهو في البساط، فلما نظر إليه قتيلاً قال: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك، فأنشد المنصور:
    فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر ثم أقبل المنصور على من حضره، وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد:
    زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم
    اشرب بكأسٍ كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم
    وكان المنصور بعد قتله أبا مسلم كثيراً ما ينشد جلساءه قول بعضهم:
    طوى كشحه عن أهل كل مشورةٍ ... وبات يناجي عزمه ثم صمما
    وأقدم لما لم يجد ثم مذهباً ... ومن لم يجد بداً من الأمر أقدما
     قلت: ومن ها هنا أخذ البحتري قوله في قصيدته التي مدح بها الفتح بن خاقان صاحب المتوكل على الله وقد لقي أسداً في طريقه فلم يقدم عليه الأسد فقتله الفتح، وهي من غرر قصائده والمقصود منها قوله:
    فأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً ... وأقدم لما لم يجد منك مهربا  والله أعلم  .
    وقد اختلف الناس في نسب أبي مسلم، فقيل إنه من العرب، وقيل من العجم، وقيل من الأكراد، وفي ذلك يقول أبو دلامة المقدم ذكره  :
    أبا مجرم ما غير الله نعمةً ... على عبده حتى يغيرها العبد
    أفي دولة المنصور حاولت غدرةً ... ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
    أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوفتني الأسد الورد
    ورومية: بضم الراء وسكون الواو وكسر الميم وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، بناها الإسكندر ذو القرنين لما أقام بالمدائن، وكان قد طاف الأرض شرقاً وغرباً، كما أخبر عنه الباري تعالى في القرآن الكريم ولم يختر منها منزلاً سوى المدائن فنزلها، وبنى رومية المذكورة إذ ذاك، والله أعلم.

السهيلي

    أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله ابن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح، وهو الداخل إلى الأندلس. - قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية (2) : هكذا أملى علي نسبه - الخثعمي السهيلي الإمام المشهور صاحب كتاب " الروض الأنف " في شرح سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وله كتاب " التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام "، وله كتاب " نتائج الفكر " ومسألة رؤية الله تعالى في المنام، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ومسألة السر في عور الدجال، ومسائل كثيرة مفيدة. وقال ابن دحية: أنشدني وقال: إنه ما سأل الله تعالى بها حاجةً إلا أعطاه إياها وكذلك من استعمل إنشادها وهي:
    يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع
    يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع
    يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع
    ما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ ... فبالإفتقار إليك فقري أدفع
    ما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌ ... فلئن رددت فأي باب أقرع
    ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
    حاشا لمجدك أن يقنط عاصياً ... الفضل أجزل والمواهب أوسع
    وأشعاره كثيرة وتصانيفه ممتعة، وكان ببلده يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف، حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش فطلبه إليها وأحسن إليه، وأقبل بوجه الإقبال عليه، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام.
    ومولده سنة ثمان وخمسمائة بمدينة مالقة. وتوفي بحضرة مراكش يوم الخميس ودفن وقت الظهر، وهو السادس والعشرون من شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ وكان مكفوفاً.
    والخثعمي: بفتح الخاء الموحدة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة وبعدها ميم، هذه النسبة إلى خثعم بن أنمار، وهي قبيلة كبيرة، وفيه اختلاف.
    والسهيلي: بضم السين المهملة وفتح الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام، هذه النسبة إلى سهيل، وهي قرية بالقرب من مالقة، سميت باسم الكوكب لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس إلا من جبل مطلٍ عليها
    ومالقة: بفتح الميم وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة وبعدها هاء، وهي مدينة كبيرة بالأندلس، وقال السمعاني: بكسر اللام وهو غلط 

السبت، 25 مارس 2017

أبو الفرج ابن الجوزي

    أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادى بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق  ، رضي الله عنه، وبقية النسب معروف  ، القرشي التيمي البكري البغدادي الفقيه الحنبلي الواعظ الملقب جمال الدين الحافظ؛ كان علاّمة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ. صنف في فنون عديدة، منها " زاد المسير في علم التفسير " أربعة أجزاء أتى فيه بأشياء غريبة، وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله " المنتظم " في التاريخ  ، وهو كبير، وله " الموضوعات "في أربعة أجزاء، ذكر فيها كل حديث موضوع، وله " تلقيح فهوم الأثر " على وضع كتاب " المعارف " لابن قتيبة , وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد. وكتب بخطه شيئاً كثيراً، والناس يغالون  في ذلك حتى يقولوا : إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس، وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل. ويقال إنه جمعت براية أقلامه التي كتب  بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل منها شيء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك، فكفت وفضل منها. وله أشعار لطيفة، أنشدني له بعض الفضلاء يخاطب أهل بغداد:
    عذيري من فتية بالعراق ... قلوبهم بالجفا قلب
    يرون العجيب كلام الغريب ... وقول القريب فلا يعجب
    ميازيبهم إن تندت بخيرٍ ... إلى غير جيرانهم تقلب
    وعذرهم عند توبيخهم ... مغنية الحي ما تطرب
    وله أشعار كثيرة. وكانت له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة، فمن أحسن ما يحكى عنه أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي، رضي الله عنهما، فرضي الكل بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاما شخصاً سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه، فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك، فقالت السنة: هو أبو بكر لأن ابنته عائشة رضي الله عنها تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الشيعة: هو علي لأن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من لطائف الأجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وإمعان النظر كان في غاية الحسن فضلاً عن البديهة. وله محاسن كثيرة يطول شرحها. وكانت ولادته بطريق التقريب سنة ثمان، وقيل عشر وخمسمائة. وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب حرب، وتوفي والده في سنة أربع عشرة وخمسمائة رحمهما الله تعالى.
    وحمادى: بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وبعد الألف دال مهملة مفتوحة وياء مفتوحة.
    والجوزي: بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها زاي، هذه النسبة إلى فرضة الجوز، وهو موضع مشهور (1) .
    ورأيت بخطي في مسوداتي أن جده كان من مشرعة الجوز، إحدى محال بغداد بالجانب الغربي، والله أعلم.
    وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: كان أبو الفرج ابن الجوزي يقول: لا أتحقق مولدي غير أن والدي مات سنة أربع عشرة وقالت الوالدة: كان لك من العمر نحو ثلاث سنين. وكان والده يعمل الصفر بنهر القلايين، والله أعلم.
     وكان ولده محيي الدين أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن محتسب بغداد وتولى تدريس المدرسة المستنصرية لطائفة الحنابلة، وكان يتردد في الرسائل إلى الملوك، وصار أستاذ دار الخلافة، ومولده ليلة السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد، وتوفي في وقعة التتر قتيلاً سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
     وكان سبطه شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي الواعظ المشهور حنفي المذهب، وله صيت وسمعة في مجالس وعظه وقبول عند الملوك وغيرهم، وصنف تاريخاً كبيراً رأيته بخطه في أربعين مجلداً سماه " مرآة الزمان "، وتوفي ليلة الثلاثاء حادي عشرين ذي الحجة سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق بمنزله بجبل قاسيون ودفن هناك، ومولده سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، وكان هو يقول: أخبرتني أمي أن مولدي سنة اثنتين وثمانين  .

ابن الأنباري النحوي

    أبو البركات عبد الرحمن بن أبي الوفاء محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد محمد بن الحسن بن سليمان الأنباري، الملقب كمال الدين، النحوي؛ كان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، وسكن بغداد من صباه إلى أن مات، وتفقه على مذهب الشافعي، رضي الله عنه، بالمدرسة النظامية وتصدر لإقراء النحو بها، وقرأ اللغة على أبي منصور ابن الجواليقي، وصحب الشريف أبا السعادات هبة الله بن الشجري - الآتي ذكره في حرف الهاء إن شاء الله تعالى - وأخذ عنه وانتفع بصحبته، وتبحر في علم الأدب، واشتغل عليه خلق كثير وصاروا علماء، ولقيت جماعة منهم، وصنف في النحو كتاب " أسرار العربية " وهو سهل المأخذ كثير الفائدة، وله كتاب " الميزان " في النحو أيضاً، وله كتاب في " طبقات الأدباء " جمع فيه المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه، وكتبه كلها نافعة، وكان نفسه مباركاً ما قرأ عليه أحد إلا وتميز. وانقطع في آخر عمره في بيته مشتغلاً بالعلم والعبادة وترك الدنيا ومجالسة أهلها، ولم يزل على سيرة حميدة.
    وكانت ولادته في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وتوفي ليلة الجمعة تاسع شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (2) ، رحمه الله تعالى. الأنباري: بفتح الهمزة وسكون النون وبعدها باء موحدة وبعد الألف راء، هذه النسبة إلى الأنبار، بلدة قديمة على الفرات، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ، وسميت الأنبار لأن كسرى كان يتخذ فيها أنابير الطعام، والأنابير: جمع الأنبار جمع نبر بكسر النون وبعدها راء، مثل نقس وأنقاس، والنبر: الهري الذي تجعل فيه الغلة، والنقس: بكسر النون وسكون القاف وبعده سين مهملة وهو المداد.

ابن يونس صاحب تاريخ مصر

    أبو سعيد عبد الرحمن بن أبي الحسن أحمد بن أبي موسى يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن حيان الصدفي المحدث المؤرخ المصري؛ كان خبيراً بأحوال الناس، ومطلعاً على تواريخهم عارفاً بما يقوله، جمع لمصر تاريخين: أحدهما وهو الأكبر يختص بالمصريين، والآخر وهو صغير يشتمل على ذكر الغرباء الواردين على مصر، وما أقصر فيهما، وقد ذيلهما أبو القاسم يحيى بن علي الحضرمي وبنى عليهما.
    وهذا أبو سعيد المذكور هو حفيد يونس بن عبد الأعلى صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه، والناقل لأقواله الجديدة - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - وقال أبو الحسن علي بن عبد الرحمن المذكور: كانت ولادة أبي في سنة إحدى وثمانين ومائتين.
    وكانت وفاته يوم الأحد ودفن يوم الاثنين لست وعشرين ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وصلى عليه أبو القاسم ابن الحجاج، ورثاه أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد الله بن سليمان الخولاني الخشّاب المصري  النحوي العروضي بقوله:
    بثثت علمك تشريقاً وتغريباً  ... وعدت بعد لذيذ العيش مندوبا
    أبا سعيد وما نألوك أن نشرت ... عنك الدواوين تصديقاً وتصويبا
    ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا
    أرّخت موتك في ذكري وفي صحفي ... لمن يؤرخني  إذ كنت محسوبا
    نشرت عن مصر من سكانها علماً ... مبجّلاً بجمال القوم منصوبا
    كشفت عن فخرهم للناس وما سجعت ... ورق الحمام على الأغصان تطريبا
    أعربت عن عرب نقّبت عن نجبٍ ... سارت مناقبهم في الناس تنقيبا
    أنشرت ميتهم حيّاً بنسبته ... حتى كأن لم يمت إذ كان منسوبا
    إن المكارم للإحسان موجبة ... وفيك قد ركّبت يا عبد تركيبا
    حجبت عنا وما الدنيا بمظهرة ... شخصاً وإن جلّ إلا عاد محجوبا
    كذلك الموت لا يبقي على أحدٍ ... مدى الليالي من الأحباب محبوبا - وسيأتي ذكر ولده أبي الحسن علي بن المنجم صاحب الزيج إن شاء الله تعالى -.
    والصدفي: بفتح الصاد والدال المهملتين وبعدهما فاء، هذه النسبة إلى الصدف بن سهل، وهي قبيلة كبيرة من حمير نزلت مصر. والصدف بكسر الدال، وإنما تفتح في النسب كما قالوا في النسب إلى نمرة نمري، وهي قاعدة مطردة، وفيه لغة أخرى أنه الصدف - بفتح الدال.
     وتوفي أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل صاحب الأبيات المذكورة في صفر سنة ست وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.

أبو القاسم الزجاجي

أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي البغدادي داراً ونشأة، النهاوندي أصلاً ومولداً؛ كان إماماً في علم النحو، وصنف فيه كتاب " الجمل الكبرى " وهو كتاب نافع لولا طوله بكثرة الأمثلة. أخذ النحو عن محمد بن العباس اليزيدي وأبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن الأنباري، وصحب أبا إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج - وقد تقدم ذكره - فنسب إليه وعرف به، وسكن دمشق وانتفع الناس به وتخرجوا عليه. وتوفي في رجب سنة سبع وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين وثلثمائة، وقيل في شهر رمضان سنة أربعين، والأول أصح، بدمشق وقيل بطبرية، رحمه الله تعالى. وكان قد خرج من دمشق مع ابن الحارث عامل الضياع الإخشيديه فمات بطبرية.
وكتابه " الجمل " من الكتب المباركة لم يشتغل به أحد إلا وانتفع به، ويقال إنه صنفه بمكة، حرسها الله تعالى، وكان إذا فرغ من باب طاف اسبوعاً ودعا الله تعالى أن يغفر له وأن ينفع به قارئه.
والزجاجي: بفتح الزاي وتشديد الجيم وبعد الألف جيم ثانية، وقد تقدم القول في سبب هذه النسبة.

فخر الدين ابن عساكر

أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقي الملقب فخر الدين المعروف بابن عساكر الفقيه الشافعي؛ كان إمام وقته في علمه ودينه، تفقه على الشيخ قطب الدين أبي المعالي مسعود النيسابوري - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - وصحبه زماناً وانتفع بصحبته وتزوج ابنته ثم استقل بنفسه ودرّس بالقدس زماناً وبدمشق  واشتغل عليه خلق كثير وتخرجوا عليه وصاروا أئمة وفضلاء. وكان مسدداً في الفتاوى، وهو ابن أخي الحافظ أبي القاسم علي ابن عساكر صاحب " تاريخ دمشق " - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وخرج من بيتهم جماعة من العلماء والرؤساء.
وكانت ولادته سنة خمسين وخمسمائة، ظناً، وكتب بخطه أن مولده سنة خمسين وخمسمائة. وتوفي في العاشر من رجب يوم الأربعاء سنة عشرين وستمائة بدمشق، رحمه الله تعالى، وزرت قبره مراراً بمقابر الصوفية ظاهر دمشق.

أبو سعد المتولي

    أبو سعد عبد الرحمن بن محمد واسمه مأمون بن علي، وقيل إبراهيم، المعروف بالمتولي الفقيه الشافعي النيسابوري؛ كان جامعاً بين العلم والدين وحسن السيرة وتحقيق المناظرة، له يد قوية في الأصول والفقه والخلاف، تولى التدريس بالمدرسة النظامية بمدينة بغداد بعد وفاة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، ثم عزل عنها قي بقية سنة ست وسبعين وأربعمائة وأعيد أبو النصر ابن الصباغ صاحب " الشامل "، ثم عزل ابن الصباغ في سنة سبع وسبعين وأعيد أبو سعد المذكور واستمر عليها إلى حين وفاته.
    [وذكر أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهمذاني في كتابه الذي ذيله على طبقات الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في ذكر الفقهاء ما مثاله: حدثني أحمد بن سلامة المحتسب قال: لما جلس للتدريس أبو سعد عبد الرحمن واسمه مأمون بن علي المتولي بعد شيخنا، يعني أبا إسحاق الشيرازي، أنكر عليه الفقهاء استناده موضعه، وأرادوا منه أن يستعمل الأدب في الجلوس دونه، ففطن وقال له: اعلموا أنني لم أفرح في عمري إلا بشيئين: أحدهما إني جئت من وراء النهر ودخلت سرخس وعلي أثوابٌ أخلاقٌ لا تشبه ثياب أهل العلم، فحضرت مجلس أبي الحارث ابن أبي الفضل السرخسي، وجلست في أخريات أصحابه، فتكلموا في مسألة فقلت واعترضت، فلما انتهيت في نوبتي أمرني أبو الحارث بالتقدم، فتقدمت، ولما عادت نوبتي استدناني وقربني حتى جلست إلى جنبه، وقام بي وألحقني بأصحابه، فاستولى علي الفرح، والشيء الثاني حينأهلت للاستناد في موضع شيخنا أبي إسحاق، رحمه الله تعالى، فذلك أعظم النعم، وأوفى القسم .
    وتخرج على أبي سعد جماعة من الأئمة، وأخذ الفقه بمرو عن أبي القاسم عبد الرحمن الفوراني - المذكور قبله - وبمرو الروذ عن القاضي حسين بن محمد، وببخارى عن أبي سهل أحمد بن علي الأبيوردي، وسمع الحديث وصنف في الفقه كتاب " تتمة الإبانة " تمم به " الإبانة " تصنيف شيخه الفوراني لكنه لم يكلمه وعاجلته المنية قبل إكماله، وكان قد انتهى فيه إلى كتاب الحدود، وأتمه من بعده جماعة منهم أبو الفتوح أسعد العجلي - المذكور في حرف الهمزة (2) - وغيره، ولم يأتوا فيه بالمقصود ولا سلكوا طريقه، فإنه جمع في كتابه الغرائب من المسائل والوجوه الغريبة التي لا تكاد توجد في كتاب غيره، وله في الفرائض مختصر صغير وهو مفيد جداً، وله في الخلاف طريقة جامعة لأنواع المآخذ، وله في أصول الدين أيضاً تصنيف صغير، وكل تصانيفه نافعة.
    وكانت ولادته سنة ست وعشرين وأربعمائة، وقيل سنة سبع وعشرين، بنيسابور، وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر شوال  سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد، ودفن بمقبرة باب أبرز، رحمه الله تعالى.
    والمتولي: بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوقها والواو وتشديد اللام المكسورة، ولم أعلم لأي معنى عرف بذلك، ولم يذكر السمعاني هذه النسبة.

الفوراني

أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني المروزي الفقيه الشافعي؛ كان مقدم الفقهاء الشافعية بمرو، وهو أصولي فروعي، أخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي  ، وصنف في الأصول والمذهب والخلاف والجدل والملل والنحل، وانتهت إليه رياسة الطائفة الشافعية، وطبق الأرض بالتلامذة، وله في المذهب الوجوه الجيدة، وصنف في المذهب كتاب " الإبانة " وهو كتاب مفيد. وسمعت بعض فضلاء المذهب يقول: إن إمام الحرمين كان يحضر حلقته وهو شاب يومئذ، وكان أبو القاسم  لا ينصفه ولا يصغي إلى قوله لكونه شاباً، فبقي في نفسه منه شيء، فمتى قال في " نهاية المطلب " وقال بعد المصنفين  كذا وغلط في ذلك، وشرع في الوقوع فيه، فمراده أبو القاسم الفوراني.
وكانت وفاته في شهر رمضان سنة إحدى وستين وأربعمائة بمدينة مرو، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، رحمه الله تعالى.
وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي في " سياق تاريخ نيسابور " وأثنى عليه.
والفوراني: بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى جده فوران المذكور، هكذا ذكره السمعاني .

أبو سليمان الداراني

أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي  ، الداراني الزاهد المشهور أحد رجال الطريقة؛ كان من جلة السادات، وأرباب الجد في المجاهدات. ومن كلامه: من أحسن في نهاره كفي في ليله، ومن أحسن في ليله كفي في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة ذهب الله سبحانه وتعالى بها من قلبه، والله تعالى أكرم من أن يعذب قلباً بشهوة تركت له. ومن كلامه: أفضل الأعمال خلاف هوى النفس. وقال: نمت ليلة عن وردي فإذا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام وله كل معنى مليح. وكانت وفاته سنة خمس ومائتين، وقيل سنة خمس عشرة ومائتين، رضي الله عنه.
والعنسي: بفتح العين المهملة وسكون النون وبعدها سين مهملة، هذه النسبة إلى بني عنس بن مالك بن أدد حيٍ من مذحج ينسب أبو سليمان إليها.
والداراني: بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون، هذه النسبة إلى داريا وهي قرية بغوطة دمشق، والنسبة إليها على هذه الصورة من شواذ النسب، والياء في داريا مشددة.

ابن القاسم المالكي

    أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء، الفقيه المالكي؛ جمع بين الزهد والعلم وتفقه بالإمام مالك رضي الله عنه ونظرائه، وصحب مالكاً عشرين سنة، وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك، وهو صاحب " المدونة " في مذهبهم، وهي من أجل كتبهم، وعنه أخذها سحنون.
    وكانت ولادته في سنة اثنتين، وقيل ثلاث وثلاثين ومائة، وقيل ثمان وعشرين وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة، ليلى الجمعة لسبع ليال مضين من صفر بمصر ، ودفن خارج باب القرافة الصغرى قبالة قبر أشهب الفقيه المالكي، وزرت قبريهما، وهما بالقرب من السور، رحمهما الله تعالى.
    وجنادة: بضم الجيم وفتح النون وبعد الألف دال مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة.
    والعتقي: بضم العين وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها قاف، هذه النسبة إلى العتقاء، وليسوا من قبيلة واحدة بل هم من قبائل شتى، منهم حجر حمير، ومن سعد العشيرة، ومن كنانة مضر وغيرهم، وعامتهم بمصر.
    وعبد الرحمن المذكور مولى زبيد بن الحارث العتقي، وكان زبيد من حجر حمير، وقال عبد الله القضاعي: وكانت القبائل التي نزلت الظاهر العُتقاء،
    وهم جماع من القبائل كانوا يقطعون على من أراد النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إليهم فأتى بهم أسرى فأعتقهم، فقيل لهم العتقاء.
    ولما فتح عمرو بن العاص مصر، وكان ذلك يوم الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين للهجرة، كان العتقاء معه معدودين في أهل الراية، وإنما قيل له أهل الراية لأن العرب كانوا يجعلون لكل بطن منهم راية يعرفون بها، ولم يكن لكل بطن من بطون أهل الراية من العدد ما يجعلون لكل بطن راية، فقال عمرو بن العاص: أنا أجعل راية لا أنسبها إلى أحد، فتكون دعوتكم عليها، ففعلوا، فكان هذا الاسم كالنسب الجامع، وعليها كان ديوانهم  . ولما فتحوا  الإسكندرية ورجع عمرو إلى الفسطاط اختط الناس بها خططهم، ثم جاء العتقاء بعدهم فلم يجدوا موضعاً يختطون فيه عند أهل الراية، فشكوا ذلك إلى عمرو، فقال معاوية ين حديج، وكان يتولى أمر الخطط (3) : أرى لكم أن تظهروا على هذه القبائل فتتخذونه منزلاً وتسمونه الظاهر، ففعلوا ذلك، فقيل له " أهل الظاهر " لذلك، ذكر هذا كله أبو عمرو محمد بن يوسف بن يعقوب التجيبي في كتاب " خطط مصر " وهي فائدة غريبة يحتاج إليها، فأحببت ذكرها.

الأوزاعي

    أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي إمام أهل الشام؛ لم يكن بالشام أعلم منه، قيل إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، وكان يسكن بيروت. روي أن سفيان الثوري بلغه مقدم الأوزاعي فخرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس بعيرة عن القطار ووضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ. سمع من الزهري وعطاء وروى عنه الثوري وأخذ عنه عبد الله بن المبارك وجماعة كبيرة.
    وكانت ولادته ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثلاث وتسعين. ومنشؤه بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بيروت. وكان فوق الربعة خفيف اللحية به سمرة، وكان يخضب بالحناء. وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر، وقيل في شهر ربيع الأول بمدينة بيروت، رحمه الله تعالى، ورثاه بعضهم بقوله:
    جاد الحيا بالشام كل عشيةٍ ... قبراً تضمن لحده الأوزاعي
    قبرٌ تضمن فيه طود شريعةٍ ... سقيا له من عالمٍ نفاع
    عرضت له الدنيا فأعرض مقلعاً ... عنها بزهدٍ أيما إقلاع وقبره في قرية على باب بيروت يقال لها حنتوس، وأهلها مسلمون، وهو مدفون في قبلة المسجد، وأهل القرية لا يعرفونه، بل يقولون: ها هنا رجل صالح ينزل عليه النور؛ ولا يعرفه إلا الخواص من الناس.ذكر الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " أن الأوزاعي دخل الحمام ببيروت وكان لصاحب الحمام شغل، فأغلق الحمام عليه وذهب، ثم جاء ففتح الباب فوجده ميتاً، قد وضع يده اليمنى تحت خده وهو مستقبل القبلة؛ وقيل أن امرأته فعلت ذلك، ولم تكن عامدة لذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة .
    ويحمد: بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الحاء المهملة وكسر الميم وبعدها دال مهملة.
    والأوزاعي: بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة هذه النسبة إلى الأوزاع، وهي بطن من ذي الكلاع من اليمن، وقيل بطن من همدان، واسمه مرثد بن زيد، وقيل الأوزاع قرية بدمشق على طريق باب الفراديس، ولم يكن أبو عمرو منهم، وإنما نزل فيهم فنسب إليهم وهو من سبي اليمن.
    وبيروت: بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الراء وسكون الواو وفي آخرها تاء مثناة، وهي بليدة بساحل الشام أخذها الفرنج من المسلمين يوم الجمعة عاشر ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
    [وحنتوس: بفتح الحاء المهملة وسكون النون وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو ثم سين مهملة

الجمعة، 24 مارس 2017

عبد الرحمن بن أبي ليلى

أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، وقيل داود، بن بلال بن أحيحة ابن الجلاح الأنصاري  ، وفي اسم أبيه خلاف غير هذا، كان من أكابر تابعي الكوفة، سمع علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأبا أيوب الأنصاري وغيرهم، رضي الله عنهم، ويروى أنه سمع من عمر، رضي الله عنه، والحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر، وأبوه أبو ليلى له رواية عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وشهد وقعة الجمل وكانت راية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، معه. وسمع من عبد الرحمن: الشعبيّ  ومجاهد وعبد الملك بن عمير وخلق سواهم، رضي الله عنهم. ولد لست سنين بقين من خلافة عمر، وقتل بدجيل، وقيل غرق في نهر البصرة، وقيل فقد بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين في وقعة ابن الأشعث، وقيل سنة إحدى، وقيل سنة اثنتين وثمانين للهجرة، رضي الله عنه.
وأحيحة: بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الحاء الثانية وبعدها هاء ساكنة.
والجلاح: بضم الجيم وبعد اللام ألف حاء مهملة.
وسيأتي ذكر ولده محمد إن شاء الله تعالى.

أبو الحكم المغربي

    أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله بن محمد الباهلي، الحكيم  الأديب المعروف بالمغربي؛ أصله من أهل المرية بالأندلس - وتقدم ذكرها - ومولده ببلاد اليمن. ذكر أبو شجاع محمد بن علي بن الدهان الفرضي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - في تاريخ جمعه أن أبا الحكم المذكور قدم بغداد وأقام بها مدة يعلم الصبيان، وأنه كان ذا معرفة بالأدب والطب والهندسة؛ انتهى كلام أبي شجاع وذكر مولده ووفاته. وقال غيره: كان كامل الفضيلة، جمع بين الأدب والحكمة، وله ديوان شعر جيد، والخلاعة والمجون غالبة عليه.
    وذكر العماد الأصبهاني في " الخريدة " أن أبا الحكم المذكور كان طبيب 
    البيمارستان الذي كان يحمله أربعون جملاً المستصحب في معسكر  السلطان محمود السلجوقي حيث خيم، وكان السديد أبو الوفاء يحيى بن سعيد بن يحيى المظفر المعروف بابن المرخم  الذي صار أقضى القضاة ببغداد في أيام الأمام المقتفي فاصداً وطبيباً في هذا البيمارستان، ثم إن العماد أثنى على أبي الحكم المذكور، وذكر فضله وما كان عليه، وذكر أن له كتاباً سماه " نهج الوضاعة لأولي الخلاعة ". ثم إن أبا الحكم المذكور انتقل إلى الشام وسكن دمشق، وله فيها أخبار وماجرايات ظريفه تدل على خفة روحه.
    رأيت في ديوانه أن أبا الحسين أحمد بن منير الطرابلسي - المقدم ذكره في حرف الهمزة  - كان عند الأمراء بني منقذ بقلعة شيزر، وكانوا مقبلين عليه، وكان بدمشق شاعر يقال له أبو الوحش سبع بن خلف بن محمد بن هبة الله الفقعسي، وكانوا يصغرون كنيته فيقولون " وحيش "  وكانت فيه دعابة، وبينه وبين أبي الحكم مودة وألفة متحدة، فعزم أبو الوحش أن يتوجه إلى شيزر يمدح بني منقذ ويسترفدهم، فالتمس من أبي الحكم المذكور كتاباً إلى ابن منير بالوصية عليه، فكتب أبو الحكم:
    أبا الحسين استمع مقال فتىً ... عوجل فيما يقول فارتجلا
    هذا أبو الوحش جاء ممتدح ال ... قوم فنوه به إذا وصلا
    واتل عليهم بحسن شرحك ما ... أتلوه من حديثه (5) جملا
    وخبر القوم أنه رجل ... ما أبصر الناس مثله رجلا
    تنوب عن وصفه شمائله ... لا يبتغي عاقل به بدلا
    وهو على خفة به أبداً ... معترف أنه من الثقلا
    يمت بالثلب والرقاعة والس ... خف، وأما بما سواه فلا
    إن أنت فاتحته لتخبر ما ... يصدر عنه فتحت منه خلا
    فسمه إن حل خطة الخسف وال ... هونِ ورحب به إذا رحلا
    وسقه السم إن ظفرت به ... وأمزج له من لسانك العسلا
    وله أشياء مستملحة، منها مقصورة هزلية ضاهى بها مقصورة ابن دريد، من جملتها:
    وكل ملموم فلابد له ... من فرقة لو لزقوه بالغرا وله مرثية في عماد الدين زنكي بن آق سنقر الأتابك - المقدم ذكره  - شاب فيها الجد بالهزل والغالب على شعره الانطباع.
    وكانت ولادته في سنة ست وثمانين وأربعمائة باليمن، على ما حكاه ابن الدبيثي في ذيله. وتوفي ليلة الأربعاء رابع  ذي القعدة سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وقال ابن الدبيثي: توفي لساعتين خلتا من ليلة الأربعاء سادس ذي القعدة بدمشق، وهو الأصح، ودفن بباب الفراديس، رحمه الله تعالى.
    ) والقاضي ابن المرخم المذكور هو الذي يقول فيه أبو القاسم هبة الله ابن الفضل الشاعر المعروف بابن القطان - الآتي ذكره  إن شاء الله تعالى -:
    يا ابن المرخم صرت فينا قاضياً ... خرف الزمان تراه أم جن الفلك
    إن كنت تحكم بالنجوم فربما ... أما بشرع محمدٍ من أين لك

عبيد الله بن عبد الله بن طاهر

    أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن ماهان الخزاعي؛ - تقدم ذكر أبيه وجده وما كانا عليه من التقدم وعلو المنزلة عند المأمون، وتوليتهما خراسان وغيرها - وكان عبيد الله المذكور أميراً، ولي الشرطة ببغداد خلافةً عن أخيه محمد بن عبد الله، ثم استقل بها بعد موت أخيه، وكان سيداً، وإليه انتهت رياسة أهله، وهو آخر من مات منهم رئيساً ولهم من الكتب المصنفة كتاب " الإشارة في أخبار الشعراء " وكتاب " رسالة في السياسة الملوكية " وكتاب مراسلاته لعبد الله بن المعتز، وكتاب " البراعة والفصاحة " (2) وغير ذلك. وحدّث عن الزبير بن بكار وغيره، وكان مترسلاً شاعراً لطيفاً حسن المقاصد جيد السبك رقيق الحاشية.
    ومن شعره، ثم وجدتها لأبي الطريف شاعر المعتمد الخليفة العباسي وزعم الصولي أن البحتري أنشده هذه الأبيات لنفسه، والله أعلم  ، وهي:
    أتهجرون فتى أغري  بكم تيها ... لحقُّ دعوة صبٍّ أن تجيبوها
    أهدى إليكم على نأيٍ تحيته ... حيُّوا بأحسن منها أو فردُّوها
    زمُّوا المطايا غداة البين واحتملوا ... وخلَّفوني على الأطلال أبكيها
    شيَّعتهم فاسترابوا بي فقلت لهم ... إني بعثت مع الأجمال أحدوها
    قالوا فما نفسٌ يعلو كذا صعدا ... وما لعينك لا ترقا مآقيها
    قلت التنفّس من إدمان سيركم  ... ودمع عيني جارٍ من قذىً فيها
    حتى إذا انجذبوا والليل معتكر ... رفعت في جنحه صوتي أناديها
    يا من به  أنا هيمانٌ ومختبلٌ ... هل لي إلى الوصل  من عقبى أُرجيها [ومن شعره ما ذكره ابن رشيق في كتاب " " العمدة " " في باب الاستطراد، فقال: ومن الإستطراد نوع يسمى الإدماج، ونحو ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد:
    أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا في من نحبُّ ونكرم
    فقلت له نعماك فينا أتمها ... ودع أمرنا إن المهمَّ المقدَّم ومن شعره:
    واحربا من فراق قوم ... هم المصابيح والحصون
    والأسد والمزن والرواسي ... والأمن والخفض والسكون
    لم تتنكر لنا الليالي ... حتى توفَّتهم المنون
    فكلُّ نارٍ لنا قلوب ... وكلُّ ماء لنا عيون وله:
    إن الأمير هو الذي ... يضحي أميراً يوم  عزله
    إن زال سلطان الولا ... ية لم يزل سلطان فضله  
    وله:
    اقضي الحوائج ما استطع ... ت وكن لهمِّ أخيك فارج
    فلخير أيام الفتى ... يومٌ قضى فيه الحوائج 
    وله ديوان شعر ونقتصر من نظمه على هذا القدر.
    وكان عبيد الله قد مرض فعاده الوزير، فلما انصرف عنه كتب إليه:
    " ما اعرف أحداً جزى العلة خيراً غيري، فإني جزيتها الخير، وشكرت نعمتها علي، إذ كانت إلى رؤيتك مؤدية، فأنا كالأعرأبي الذي جزَّى يوم البين خيراً فقال:
    جزى الله يوم البين خيراً فإنه ... أرانا على علاَّته أمَّ ثابت
    أرانا ربيبات الخدور، ولم نكن ... نراهنَّ إلا بانتعات النواعت " قلت: ومثل هذا ما كتبه البحتري إلى أبي غانم وقد مرض فعاده الوزير، وهو قوله  :
    يا أبا غانمٍ غنمت ولا زا ... لت عهاد الوسمي تسقي بلادك
    ليت أنا مثل اعتلالك نعت ... ل على أن يعودنا من عادك
    أبهجت زورة الوزير أودا ... ك جميعاً وأرغمت حسادك وكانت ولادته سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وكانت وفاته ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلثمائة ببغداد، ودفن بمقابر قريش، رحمه الله تعالى.
    وتوفي الأمير أبو القاسم عبيد الله بن سليمان سنة ثمان وثمانين ومائتين، 
    وعمره اثنتان وستون سنة، وكانت وزارته عشر سنين وخمسين يوما .
     ولما مات أخوه سليمان بن عبد الله بن طاهر  في سنة خمس وستين ومائتين وقف أخوه عبيد الله المذكور على قبره متكئاً على قوسه ونظر إلى قبور أهله، وأنشد:
    النفس ترقى بحزن في تراقيها ... ودمعة العين تجري من مآقيها
    لبقعة ما رأت عيني كقلتها ... ولا ككثرة أحباب ثووا فيها

المهدي عبيد الله

    أبو محمد عبيد الله، الملقب بالمهدي؛ وجدت في نسبه اختلافاً كثيراً ، قال صاحب " تاريخ القيروان "  هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال غيره: هو عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور، وقيل هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل هو عبيد الله بن التقي بن الوفي بن الرضي، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون في ذات الله، والرضي المذكور بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور، واسم التقي الحسين، واسم الوفي أحمد، واسم الرضي عبد الله، وإنما استتروا خوفاً على أنفسهم لأنهم كانوا مطلوبين من جهة الخلفاء من بني العباس، لأنهم علموا أن فيهم من يروم الخلافة أسوة غيرهم من العلويين وقضاياهم ووقائعهم في ذلك مشهورة. وإنما تسمى المهدي عبيد الله استتاراً، هذا عند من يصحح نسبه، ففيه اختلاف كثير (4) . وأهل العلم  بالأنساب من المحققين ينكرون دعواه في النسب، وقد تقدم في ترجمة الشريف عبد الله بن طباطبا ما جرى بينه وبين المعز عند وصوله إلى مصر وما كان من جواب المعز له، وفيه أيضاً دلالة على ذلك، فإنه لو عرف نسبه لذكره وما احتاج إلى ذلك المجلس الذي ذكرناه هناك.
    ويقولون أيضاً: إن اسمه سعيد ولقبه عبيد الله، وزوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وسمي قداحاً لأنه كان كحّالاً يقدح العين إذا نزل فيها الماء. وقيل إن المهدي لما وصل إلى سجلماسة ونما خبره إلى اليسع مالكها، وهو آخر ملوك بني مدرار، وقيل له: إن هذا هو الذي يدعو إلى بيعته أبو عبد الله الشيعي بأفريقية - وقد تقدم الكلام على ذلك في ترجمة أبي عبد الله في حرف الحاء (2) - أخذه اليسع واعتقله، فلما سمع أبو عبد الله الشيعي باعتقاله حشد جمعاً كثيراً من كتامة وغيرها، وقصد سجلماسة لاستنقاذه، فلما بلغ اليسع خبر وصولهم قتل المهدي في السجن، فلما دنت العساكر من البلد هرب اليسع، فدخل أبو عبد الله إلى السجن فوجد المهدي مقتولاً وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه، فخاف أبو عبد الله أن ينتقض عليه ما دبره من الأمر إن عرفت العساكر بقتل المهدي، فأخرج الرجل وقال: هذا هو المهدي؛ وبالجملة فأخباره مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة فيها.
    وهو أول من قام بهذا الأمر من بيتهم وادعى الخلافة بالمغرب، وكان داعيه أبا عبد الله الشيعي - المذكور في حرف الحاء - ولما استتب له الأمر قتله وقتل أخاه - كما ذكرناه في ترجمته - وبنى المهدي بأفريقية وفرغ من بنائها في شوال سنة ثمان وثلثمائة، وكان شروعه فيها في ذي القعدة سنة ثلاث وثلثمائة، وبنى سور تونس وأحكم عمارتها وجدّد فيها مواضع، فنسبت [المهدية إليه.
    وملك بعده ولده القائم، ثم المنصور ولد القائم - وقد تقدم ذكره - ثم المعز بن المنصور، وهو الذي سيّر القائد جوهراً وملك الديار المصرية وبنى القاهرة، واستمرت دولتهم حتى انقرضت دولتهم على يد السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى. وقد تقدم ذكر جماعة من حفدته وسيأتي ذكر باقيهم، إن شاء الله تعالى. ولأجل نسبتهم إليه يقال لهم " العبيديون "، وهكذا ينسب إلى عبيد الله.
    وكانت ولادته في سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ومائتين، وقيل ست وستين ومائتين بمدينة سلميّة، وقيل بالكوفة، ودعي له بالخلافة على منابر رقّادة والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، بعد رجوعه من سجلماسة، وقد جرى له بها ما جرى. وكان ظهوره بسجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وخرجت بلاد المغرب عن ولاية بني العباس. وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة بالمهدية، رحمه الله تعالى.
    وسلميّة: بفتح السين المهملة واللام وكسر الميم وتشديد الياء المثناة من تحتها وتخفيفها أيضاً مع سكون الميم، وهي بليدة بالشام من أعمال حمص.
    ورقّادة: بفتح الراء وتشديد القاف وبعد الألف دال مهملة ثم هاء ساكنة، بلدة بأفريقية، وقد تقدم ذكرها في ترجمة أبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بالشيعي، وكان قد بناها إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب جد زيادة الله بن الأغلب المذكور في ترجمة الشيعي أيضاً، وكان شروعه أيضاً في بنائها في سنة ثلاث وستين ومائتين وفرغ منها في سنة أربع وستين ومائتين وانتقل إليها لما فرغت.
    والقيروان وسجلماسة: قد تقدم الكلام عليهما في مواضعهما.