الخميس، 6 أبريل 2017

الخلعي

    أبو الحسين علي بن الحسن بن الحسين بن محمد القاضي، المعروف بالخلعي، الموصلي الأصل المصري الشافعي، صاحب " الخلعيات " المنسوبة إليه؛ سمع أبا الحسن الحوفي وأبا محمد ابن النحاس وأبا الفتح العداس وأبا سعد الماليني وأبا القاسم الأهوازي وغيرهم.
    قال القاضي عياض اليحصبي: سألت أبا علي الصدفي عنه، وكان قد لقيه لما رحل إلى البلاد الشرقية، فقال: فقيه له تواليف، ولي القضاء وقضى يوماً واحداً واستعفى وانزوى بالقرافة الصغرى، وكان مسند مصر بعد الحبال. وذكره القاضي أبو بكر ابن العربي فقال: شيخ معتزل في القرافة له علو في الرواية وعنده فوائد، وقد حدث عنه الحميدي وكنى عنه بالقرافي. وقال غيره: ولي الخلعي قضاء فامية، وخرج له أبو نصر أحمد بن الحسن الشيرازي أجزاء من مسموعاته، آخر من رواها عنه أبو رفاعة، ونقلت منها عن 
    الأصمعي، قال: كان نقش خاتم أبي عمرو ابن العلاء:
    وإن امرءاً دنياه أكبر همه ... لمستمسكٌ منها بحبل غرور
    فسألته عن ذلك فقال: كنت في ضيعتي نصف النهار أدور فيها، فسمعت قائلاً يقول هذا البيت ونظرت فلم أر أحداً فكتبته على خاتمي.
    قال أبو العباس ثعلب: هذا البيت لهانئ بن توبة بن سحيم بن مرة المعروف بالشويعر الحنفي.
    وقال الحافظ أبو طاهر السلفي: كان أبو الحسن الخلعي إذا سمع عليه الحديث يختم مجالسه بهذا الدعاء: اللهم ما مننت به فتممه، وما أنعمت به فلا تسلبه، وما سترته فلا تهتكه، وما علمته فاغفره. وكانت ولادة الخلعي في المحرم  سنة خمس وأربعمائة بمصر. وتوفي بها في ثامن عشر ذي الحجة يوم السبت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقيل في السادس والعشرين من الشهر المذكور.
    وتوفي أبوه في شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، رحمهما الله تعالى.
    والخلعي: بكسر الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها عين مهملة، هذه النسبة إلى الخلع ونسب إليها أبو الحسن المذكور لأنه كان يبيع بمصر الخلع لأملاك مصر، فاشتهر بذلك وعرف به.
    وأما القرافة: بفتح القاف والراء المخففة وبعد الألف فاء، فهما قرافتان الكبرى منهما ظاهر مصر، والصغرى ظاهر القاهرة، وبها قبر الإمام الشافعي، رضي الله عنه.
    وبنو قرافة: فخذ من المعافر بني يعفر، نزلوا هذين المكانين فنسبا إليه.
    وفامية: بالفاء وبعد الألف ميم مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم هاء قد يزاد فيها الألف فيقال: أفامية، وهي قلعة ورستاق من أعمال حلب الآن.

الشريف المرتضى

    الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؛ كان نقيب الطالبيين وكان إماماً في علم الكلام والأدب  والشعر، وهو أخو الشريف الرضي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وله تصانيف على مذهب الشيعة ومقالة في أصول الدين، وله ديوان شعر كبير  ، وإذا وصف الطيف أجاد فيه، وقد استعمله في كثير من المواضع. وقد اختلف الناس في كتاب " نهج البلاغة " المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، هل هو  جمعه أم جمع أخيه الرضي وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه، والله أعلم. وله الكتاب الذي سماه " الغرر والدرر "  وهي مجالس أملاها تشتمل على فنون من معاني الأدب تكلم فيها على النحو واللغة وغير ذلك، وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير، وتوسع في الاطلاع على العلوم.
    وذكره ابن بسام الأندلسي في أواخر كتاب " الذخيرة " فقال: كان هذا الشريف إمام أئمة العراق، بين الاختلاف والاتفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه 
    أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره، وعرفت له أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، إلى تواليفه في الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، مما يشهد أنه فرع تلك الأصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل، وأورد له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله 
    ضن عني بالنزر إذ أنا يقظا ... ن وأعطى كثيره في المنام
    والتقينا كما اشتهينا ولا عي ... ب سوى أن ذاك في الأحلام
    وإذا كانت الملاقاة ليلاً ... فالليالي خيرٌ من الأيام 
    قلت: وهذا من قول أبي تمام الطائي :
    استزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خفية واكتتام
    يا لها زورةً تلذذت الأر ... واح فيها سراً من الأجسام
    مجلسٌ لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام
    ومن شعره أيضاً:
    يا خليلي من ذؤابة قيسٍ ... في التصابي رياضة الأخلاق
    عللاني بذكرهم تطرباني ... واسقياني دمعي بكأسٍ دهاق
    وخذا النوم من جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشاق فلما وصلت هذه الأبيات إلى البصروي الشاعر قال: المرتضى قد خلع ما لا يملك على من لا يقبل.
    ومن شعره أيضاً:
    ولما تفرقنا كما شاءت النوى ... تبين ودٌ خالصٌ وتودد
    كأني وقد سار الخليط عشيةً ... أخو جنةً مما أقوم وأقعد
    ومعنى البيت الأول مأخوذ من قول المتنبي في مديح عضد الدولة بن بويه من جملة قصيدته الكافية التي ودعه بها لما عاد من خدمته من شيراز إلى العراق وقتل في الطريق، كما هو مشروح في ترجمة المتنبي وهو :
    وفي الأحباب مختصٌ بوجدٍ ... وآخر يدعي معه اشتراكا
    إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ ... تبين من بكى ممن تباكى
    ونقلت من كتاب " جنان الجنان ورياض الأذهان " الذي صنفه القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد المعروف بابن الزبير الغساني - المقدم ذكره - ما نسبه إلى الشريف المرتضى المذكور، وهو :
    بيني وبين عواذلي ... في الحب أطراف الرماح
    أنا خارجيٌّ في الهوى ... لا حكم إلا للملاح 
    ونسب إليه أيضاً:
    مولاي يا بدر كل داجية ... خذ بيدي قد وقعت في اللجج
    حسنك ما تنقضي عجائبه ... كالبحر حدث عنه بلا حرج
    بحق من خط عارضيك ومن ... سلط سلطانها على المهج
    مد يديك الكريمتين معي ... ثم ادع لي من هواك بالفرج وذكر له أيضاً:
    قل لمن خده من اللحظ دامٍ ... رق لي من جوانح فيك تدمى
     يا سقيم الجفون من غير سقم ... لا تلمني إن مت منهن سقما
    أنا خاطرت في هواك بقلبٍ ... ركب البحر فيك إما وإما وحكى الخطيب أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن علي ابن أحمد بن علي بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة بكتاب " الجمهرة " لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها واشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم المذكور بستين ديناراً، وتصفحها فوجد بها أبياتاً بخط بائعها أبي الحسن الفالي وهي:
    أنست بها عشرين حولاً وبعتها ... لقد طال وجدي بعدها وحنيني
    وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني
    ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصبيةٍ ... صغارٍ عليهم تستهل شؤوني
    فقلت ولم أملك سوابق عبرةٍ ... مقالة مكوي الفؤاد حزين:
    " وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من ربٍ بهن ضنين "
     وهذا الفالي منسوب إلى فالة - بالفاء - وهي بلدة بخوزستان قريبة من إيذج، أقام بالبصرة لمدة طويلة، وسمع بها من أبي عمرو ابن عبد الواحد الهاشمي وأبي الحسن ابن النجاد وشيوخ ذلك الوقت، وقدم بغداد واستوطنها وحدث بها. وأما جده سلك فهو بفتح السين المهملة وتشديد اللام وفتحها وبعدها كاف، هكذا وجدته مقيداً، ورأيت في موضع آخر بكسر السين وسكون اللام، والله أعلم بالصواب.
    وملح الشريف المرتضى وفضائله كثيرة. وكانت ولادته في سنة خمس وخمسين وثلثمائة. وتوفي يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وأربعمائة ببغداد، ودفن في داره عشية ذلك النهار، رحمه الله تعالى.
     وكانت وفاة أبي الحسن الفالي المذكور في ذي القعدة سنة ثمان وأربعينوأربعمائة ليلة الجمعة ثامن الشهر المذكور، ودفن في مقبرة جامع المنصور، وكان أديباً شاعراً. روى عنه الخطيب أبو بكر صاحب " تاريخ بغداد " ) ، وأبو الحسين ابن الطيوري وغيرهما، رحمهم الله أجمعين.

السمسماني

أبو الحسن علي بن عبيد الله بن عبد الغفار السمسماني اللغوي؛ كان قيماً بعلم اللغة  مشهوراً؛ وكتب الأدب التي عليها خطه مرغوبٌ فيها، ولا أعرف شيئاً من أحواله سوى أنه سمع أبا بكر ابن شاذان وأبا الفضل ابن المأمون؛ وذكره الخطيب في تاريخه وقال : كتبت عنه.
وكان صدوقاً، وكتب الكثير، وخطه في غاية الإتقان والصحة، وتصدر ببغداد للرواية وإقراء الأدب، وأكثر كتبه بخطه، وحصلت بعده عند ابن دينار الواسطي الأديب وأدركها الغرق ففسد أكثرها. وتوفي يوم الأربعاء رابع المحرم سنة خمس عشرة وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
ولا أعرف نسبته إلى ماذا هي، وهي بكسر السينين المهملتين وسكون الميم الأولى وفتح الثانية وبالنون، ثم وجدت في " درة الغواص " للحريري ما مثاله : ويقولون في النسبة إلى الفاكهة والباقلاء والسمسم: فاكهاني، وباقلاني، وسمسماني، فيخطئون فيه، وبين وجه الخطأ، ثم قال بعد ذلك: ووجه الكلام أن يقال في المنسوب إلى السمسم سمسمي، وتمم الكلام إلى آخره. فلما وقفت على هذا علمت أن نسبة أبي الحسن المذكور إلى السمسم، وأنه استعمل على اصطلاح الناس، والله أعلم.

الحافظ ابن عساكر

    الحافظ أبو القاسم علي بن أبي محمد الحسن بن هبة الله أبي الحسن بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن عساكر، الدمشقي الملقب ثقة الدين كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، ورحل وطوف وجاب البلاد ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة، وكان حافظا دّيناً جمع بين معرفة المتون والأسانيد.
    سمع ببغداد سنة عشرين وخمسمائة من أصحاب البرمكي والتنوخي والجوهري، ثم رجع إلى دمشق ثم رحل إلى خراسان ودخل نيسابور وهراة وأصبهان والجبال، وصنف التصانيف المفيدة وخرّج التخاريج. وكان حسن
    الكلام على الأحاديث، محظوظاً في الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة، أتى فيه بالعجائب، وهو على نسق " تاريخ بغداد ". قال لي شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر أدام الله به النفع، وقد جرى ذكر هذا التاريخ، وأخرج لي منه مجلداً وطال الحديث في أمره واستعظامه: ما أظن هذا الرجل إلى عزم على وضع هذا التاريخ من عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع فيه الإنسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبه. ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا القول  ، ومتى يتسع للإنسان الوقت حتى يضع مثله وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها. وله غيره تواليف حسنة وأجزاء ممتعة، وله شعر لا بأس به، فمن ذلك قوله على ما قيل :
    ألا إن الحديث أجل علمٍ ... وأشرفه الأحاديث العوالي
    وأنفع كل نوعٍ منه عندي ... وأحسنه الفرائد في الأمالي
    وإنك لن ترى للعلم شيئاً ... يحققه كأفواه الرجال
    فكن يا صاح ذا حرصٍ عليه ... وخذه عن الرجال بلا ملال
    ولا تأخذه من صحفٍ فترمى ... من التصحيف بالداء العضال 
    ومن المنسوب إليه أيضاً:
    أيا نفس ويحك جاء المشيب ... فماذا التصابي وماذا الغزل
    تولى شبابي كأن لم يكن ... وجاء مشيبي كأن لم يزل
    كأني بنفسي على غرةٍ ... وخطب المنون بها قد نزل
    فيا ليت شعري ممن أكون ... وما قدر الله لي بالأزل 
    وقد التزم فيها مالا يلزم، وهو الزاي قبل اللام، والبيت الثاني هو بيت علي بن جبلة المعروف بالعكوك، وهو قوله:
    شبابٌ كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل وليس بينهما إلا تغيير يسير كما تراه، وهذا البيت من جملة أبيات - وسيأتي ذكر قائله بعد هذا إن شاء الله تعالى.
    وكانت ولادة الحافظ المذكور في أول المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وتوفي ليلة الاثنين الحادي عشر من رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن عند والده وأهله بمقابر باب الصغير، رحمهم الله تعالى. وصلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى.
     وتوفي ولده أبو محمد القاسم الملقب بهاء الدين ابن الحافظ في التاسع من صفر سنة ستمائة بدمشق، ودفن من يومه خارج باب النصر، ومولده بها ليلة النصف من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وكان أيضاً حافظاً (2) .
     وتوفي أخوه الفقيه المحدث الفاضل صائن الدين هبة الدين بن الحسن بن هبة الله يوم الأحد الثالث والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بمقبرة باب الصغير، ومولده على ما ذكر أخوه الحافظ المذكور في العشر الأول من رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقدم بغداد سنة عشرين وخمسمائة، وقرأ على أسعد الميهني - المقدم ذكره - وابن برهان، وعاد إلى دمشق، ودرس بالمقصورة الغربية في جامع دمشق وأفتى وحّدث، رحمه الله تعالى.

أبو الفرج الأصبهاني

    أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي الكاتب الأصبهاني صاحب كتاب " الأغاني " وجده مروان بن محمد المذكور آخر خلفاء بني أمية؛ وهو أصبهاني الأصل بغدادي المنشأ، كان من أعيان أدبائها، وأفراد مصنفيها، وروى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم، وكان عالماً بأيام الناس والأنساب والسير.
    قال التنوخي: ومن المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الأصبهاني، كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم أخر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً، مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك، وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء.
    وله المصنفات المستملحة منها: كتاب " الأغاني " الذي وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله، يقال إنه جمعه في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة بن حمدان فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه. وحكي عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب حمل ثلاثين جملاً من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب " الأغاني " لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه، استغناءً 
    به عنها. ومنها: كتاب " القيان " وكتاب " الإماء الشواعر " وكتاب " الديارات " وكتاب " دعوة التجار " وكتاب " مجرد الأغاني " وكتاب " أخبار جحظة البرمكي " و " مقاتل الطالبيين " وكتاب " الحانات " و " آداب الغرباء ".
    وحصل له ببلاد الأندلس كتب صنفها لبني أمية ملوك الأندلس  يوم ذاك وسيرها إليهم سراً وجاءه الإنعام منهم سراً، فمن ذلك كتاب " نسب بني عبد شمس " وكتاب " أيام العرب " ألف وسبعمائة يوم، وكتاب " التعديل والانتصاف " في مآثر العرب ومثالبها، وكتاب " جمهرة النسب " وكتاب " نسب بني شيبان " وكتاب " نسب المهالبة " وكتاب " نسب بني تغلب " و " نسب بني كلاب " وكتاب " الغلمان المغنين " ذلك.
    وكان منقطعاً إلى الوزير المهلبي وله فيه مدائح، فمن ذلك قوله فيه:
    ولما انتجعنا لائذين بظله ... أعان وعنى ومن وما منا
    وردنا عليه مقترين فراشنا ... وردنا نداه مجدبين فأخصبنا 
    وله فيه من قصيدة تهنئة بمولود جاءه من سرية رومية:
    اسعد بمولودٍ أتاك مباركاً ... كالبدر أشرق جنح ليلٍ مقمر
    سعد لوقت سعادةٍ جاءت به ... أمٌ حصانٌ من بنات الأصفر
    متبجحٌ في ذروتي شرف الورى ... بين المهلب منتماه وقيصر
    شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري وكتب إلى بعض الرؤساء وكان مريضاً:
    أبا محمد المحمود يا حسن ال ... إحسان والجود يا بحر الندى الطامي
    حاشاك من عود عواد إليك ومن ... دواء داء ومن إلمام آلام
    وشعره كثير، ومحاسنه شهيرة. وكانت ولادته سنة أربع وثمانين ومائتين، وفي هذه السنة مات البحتري الشاعر. وتوفي يوم الأربعاء رابع عشر ذي الحجة سنة ست وخمسين وثلثمائة ببغداد، وقيل سنة سبع وخمسين، والأول أصح، وكان قد خلط قبل أن يموت، رحمه الله تعالى؛ وهذه سنة ست وخمسين مات فيها عالمان كبيران وثلاثة ملوك كبار، فالعالمان أبو الفرج المذكور وأبو علي القالي - وقد ذكرناه في حرف الهمزة  - والملوك الثلاثة سيف الدولة بن حمدان، ومعز الدولة بن بويه وكافور الإخشيدي، وهو مذكور في ترجمة كل واحد.

الواحدي

    أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متويه الواحدي المتوي صاحب التفاسير المشهورة؛ كان أستاذ عصره في النحو والتفسير، ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها وذكرها المدرسون في دروسهم، منها " البسيط " في تفسير القرآن الكريم، وكذلك " الوسيط " وكذلك " الوجيز " ومنه أخذ أبو حامد الغزالي أسماء كتبه الثلاثة، وله كتاب " أسباب النزول " و " التحبير في شرح أسماء الله تعالى الحسنى " وشرح ديوان أبي الطيب المتنبي شرحاً مستوفى، وليس في شروحه مع كثرتها مثله، وذكر فيه أشياء غريبة منها أنه في شرح هذا البيت وهو 
    وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كل شيءٍ يجمع تكلم على البيت ثم قال في أعوج: إنه فحل كريم كان لبني هلال بن عامر، وإنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدة عدوه فقال: ضللت في بادية وأنا راكبه، فرأيت سرب قطا يقصد الماء فتبعته، وأنا أغض من لجامه، حتى توافينا الماء دفعة واحدة، وهذا أغرب شيء يكون، فإن القطا شديد الطيران، وإذا قصد الماء اشتد طيرانه أكثر من غير قصد الماء، ثم ما كفى حتى قال: كنت أغض من لجامه، ولو ذلك لكان يسبق القطا، وهذه مبالغة عظيمة، وإنما قيل له أعوج لأنه كان صغيراً وقد جاءتهم غارة فهربوا منها وطرحوه في خرج وحملوه لعدم قدرته على متابعتهم لصغره، فاعوج ظهره من ذلك فقيل له أعوج. وهذا البيت من جملة القصيدة التي رثى بها فاتكاً المجنون.
    وكان الواحدي المذكور تلميذ الثعلبي صاحب التفسير - المقدم ذكره في حرف الهمزة - وعنه أخذ علم التفسير وأربى عليه، وتوفي عن مرض طويل في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة بمدينة نيسابور، رحمه الله تعالى.
    ومتويه: بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوقها وضمها وسكون الواو وبعدها ياء مفتوحة مثناة من تحتها ثم هاء ساكنة، ونسبة المتوي إلى هذا الجد.
    والواحدي: بفتح الواو وبعد الألف حاء مهملة مكسورة وبعدها دال مهملة، لم أعرف هذه النسبة إلى أي شيء هي، ولا ذكرها السمعاني، ثم وجدت هذه النسبة إلى الواحد بن الدين بن مهرة، ذكره أبو أحمد العسكري.

ابن ماكولا

    الأمير سعد الملك أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبي دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير  العجلي، المعروف بابن ماكولا - وبقية نسبه مستوفاة في ترجمة جده أبي دلف القاسم بن عيسى في حرف القاف - وأصله من جرباذقان من نواحي أصبهان، ووزر أبوه أبو القاسم هبة الله للإمام القائم بأمر الله، وتولى عمه أبو عبد الله الحسين بن علي قضاء بغداد.
    سمع الحديث الكثير وصنف المصنفات النافعة، وأخذ عن مشايخ العراق وخراسان والشام وغير ذلك. وكان أحد الفضلاء المشهورين، تتبع الألفاظ المشتبهة في الأسماء الأعلام وجمع منها شيئاً كثيراً، وكان الخطيب أبو بكر صاحب " تاريخ بغداد " قد أخذ كتاب الحافظ أبي الحسن الدارقطني المسمى المختلف والمؤتلف " وكتاب الحافظ عبد الغني بن سعيد الذي سماه " مشتبه النسبة " وجمع بينهما، وزاد عليهما، وجعله كتاباً مستقلاً سماه " المؤتنف تكملة المختلف "؛ وجاء الأمير أبو نصر المذكور وزاد على هذا " المؤتنف " وضم إليه الأسماء التي وقعت له، وجعله أيضاً كتاباً مستقلاً سماه " الإكمال " وهو في غاية الإفادة في رفع الالتباس والضبط والتقييد، وعليه اعتماد المحدثين وأرباب هذا الشأن، فإنه لم يوضع مثله ولقد أحسن فيه غاية الإحسان. ثم جاء ابن نقطة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وذيله وما أقصر فيه أيضاً، وما يحتاج الأمير 
    المذكور مع هذا الكتاب إلى فضيلة أخرى، وفيه دلالة على كثرة اطلاعه وضبطه وإتقانه.
    ومن الشعر المنسوب إليه:
    قوض خيامك عن أرضٍ تهان بها ... وجانب الذل إن الذل يجتنب
    وارحل إذا كان في الأوطان منقصةٌ ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب
    وكانت ولادته في عكبرا في خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وقتله غلمانه بجرجان في سنة نيف وسبعين وأربعمائة. وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب " المنتظم " أنه قتل في سنة خمس وسبعين وأربعمائة، وقيل في سنة سبع وثمانين، وقال غيره: في سنة تسع وسبعين بخوزستان، وقيل بالأهواز. وقال الحميدي: خرج إلى خراسان ومعه غلمان له أتراك فقتلوه بجرجان وأخذوا ماله وهربوا، وطاح دمه هدراً، رحمه الله تعالى.
    ومدحه الشاعر المعروف  بصر در - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - ومدحه في ديوانه موجود.
    وماكولا: بفتح الميم وبعد الألف كاف مضمومة وبعدها واو ساكنة ثم لام ألف، ولا أعرف معناه، ولا أدري سبب تسميته بالأمير، هل كان أميراً بنفسه أم لأنه من أولاد أبي دلف العجلي - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
    وعكبرا قد تقدم القول  عليها في ترجمة الشيخ أبي البقاء.

الأخفش الأصغر

    أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المعروف بالأخفش الأصغر النحوي؛ كان عالماً، روى عن المبرد وثعلب وغيرهما، وروى عنه المرزباني وأبو الفرج المعافى الجريري وغيرهما، وكان ثقة، وهو غير الأخفش الأكبر والأخفش الأوسط.
     فإن الأخفش الأكبر هو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد من أهل هجر من مواليهم، وكان نحوياً لغوياً وله ألفاظ لغوية انفرد بنقلها عن العرب وأخذ عنه سيبويه وأبو عبيدة ومن في طبقتهما، ولم أظفر له بوفاة حتى أفرد له ترجمة.
    والأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة - وقد تقدم ذكره في حرف السين  - وهو صاحب سيبويه.
    وكان بين الأخفش المذكور وبين ابن الرومي الشاعر منافسة، فكان الأخفش يباكر داره ويقول عند بابه كلاماً يتطير به ، وكان ابن الرومي كثير التطير، فإذا سمع كلامه لم يخرج ذلك اليوم من بيته، فكثر ذلك منه، فهجاه ابن الرومي بأهاج كثيرة، وهي مثبتة في ديوانه، وكان الأخفش يحفظها ويوردها في جملة ما يوردها استحساناً لها وافتخاراً بأنه نوه بذكره إذ هجاه، فلما علم ابن الرومي بذلك أقصر عنه.
    وقال المرزباني : لم يكن الأخفش بالمتسع في الرواية للأشعار والعلم بالنحو؛ وما علمته صنف شيئاً البتة ولا قال شعراً، وكان إذا سئل عن مسألة في النحو ضجر وانتهر من يسأله.
    وكان وفاة أبي الحسن المذكور في ذي القعدة، وقيل شعبان، سنة خمس عشرة، وقيل ست عشرة وثلثمائة، فجاءة ببغداد، ودفن بمقبرة قنطرة بردان. ودخل مصر سنة سبع وثمانين ومائتين، وخرج منها إلى حلب سنة ست وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
    والأخفش: بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الفاء وبعدها شين معجمة، وهو الصغير العين مع سوء بصرها.
    وبردان: بفتح الباء الموحدة والراء والدال المهملة وبعد الألف نون، وهي قرية من قرى بغداد خرج منها جماعة من العلماء وغيرهم.
    وقال أبو الحسن ثابت بن سنان: كان الأخفش المذكور يواصل المقام عند أبي علي ابن مقلة، وأبو علي يراعيه ويبره، فشكا إليه في بعض الأيام ما هو فيه من وشدة الفاقة وزيادة الإضاقة، وسأله أن يكلم (2) الوزير أبا الحسن علي بن عيسى في أمره، ويسأله إقرار رزق له في جملة من يرتزق من أمثاله، فخاطبه أبو علي في ذلك، وعرّفه اختلال حاله وتعذر القوت عليه في أكثر أيامه، وسأله أن يجري عليه رزقاً أسوة بأمثاله، فانتهره الوزير انتهاراً شديداً، وكان ذلك في مجلس حافل، فشق ذلك على أبى علي وقام من مجلسه، وصار إلى منزله لائماً نفسه على سؤاله، ووقف الأخفش على الصورة، فاغتم لها وانتهت به الحال إلى أكل السلجم النيئ، فقيل إنه قبض على فؤاده، فمات فجأة في التاريخ المذكور.
    كان أبو الحسن الأخفش كثيراً ما ينشد وعلي على الناس، وكأنه كان يعرض بأبي علي ابن مقلة الوزير :
    هون عليك فإني غير جائيكا ... وإنني غير ماضٍ في نواحيكا
    والله لو كانت الدنيا بزينتها ... وادٍ بكفك لم أحلل بواديكا
    ولو ملكت رقاب الناس كلهم ... شرقاً وغرباً لما جئنا نهنيكا

الحوفي صاحب التفسير

    أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفي النحوي؛ كان عالما بالعربية وتفسير القرآن الكريم، وله تفسير جيد، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به ورأيت خطه على كثير من كتب الأدب قد قرئت عليه وكتب لأربابها بالقراءة كما جرت عادة المشايخ. وتوفي بكرة يوم السبت مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
    والحوفي: بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفي آخرها فاء هذه النسبة إلى حوف، قال السمعاني: ظني أنها قرية بمصر، حتى قرأت في تاريخ البخاري أنها من عمان منها أبو الحسن المذكور، ثم قال: وكان عنده من تصانيف النحاس أبي جعفر المصري قطعة كثيرة.
    قلت: قوله قرية بمصر، ليس كذلك، بل الناحية المعروفة بالشرقية التي قصبتها مدينة بلبيس جميع ريفها يسمونه الحوف، ولا أعلم ثم قرية يقال لها حوف، والله أعلم، وأبو الحسن من حوف مصر .
    وبعد أن فرغت من ترجمة أبي الحسن الحوفي على هذه الصورة ظفرت بترجمته مفصلة، وذلك أنه (3) من قرية يقال لها شبرا اللنجة  من أعمال الشرقية
    المذكورة، وأنه دخل مصر وقرأ على أبي بكر الأدفوي، ولقي جماعة من علماء المغرب وأخذ عنهم، وتصدر لإفادة العربية , وصنف في النحو مصنفاً كبيراً وصنف في إعراب القرآن كتاباً في عشر مجلدات، وله تصانيف (2) كثيرة يشتغل بها الناس.

الثلاثاء، 4 أبريل 2017

الرماني

أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني النحوي المتكلم؛ أحد الأئمة المشاهير، جمع بين علم الكلام والعربية، وله تفسير القرآن الكريم، أخذ الأدب عن أبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن السراج، وروى عنه أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وغيرهما. وكانت ولادته ببغداد سنة ست وتسعين ومائتين، وتوفي ليلة الأحد حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وثمانين، وقيل اثنتين وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى؛ وأصله من سر من رأى.
والرماني: بضم الراء وتشديد الميم وبعد الألف نون، هذه النسبة يجوز أن تكون إلى الرمان وبيعه، ويمكن أن تكون إلى قصر الرمان، وهو قصر بواسط معروف، وقد نسب إلى هذا وهذا خلق كثير، ولم يذكر (2) السمعاني أن نسبة أبي الحسن المذكور إلى أيهما، والله أعلم.

الدارقطني

    أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدارقطني الحافظ المشهور؛ كان عالماً حافظاً فقيهاً على مذهب الإمام الشافعي، رضي الله عنه، أخذ الفقه عن أبي سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي، وقيل بل أخذه عن صاحب لأبي سعيد، وأخذ القراءة عرضاً وسماعاً عن محمد بن الحسن النقاش وعلي بن سعيد القزاز ومحمد بن الحصين الطبري ومن في طبقتهم، وسمع من أبي بكر بن مجاهد وهو صغير، وانفرد بالإمامة في علم الحديث في دهره، ولم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، وتصدر في آخر أيامه للإقراء ببغداد. وكان عارفاً باختلاف الفقهاء ويحفظ كثيراً من دواوين العرب، منها ديوان السيد الحميري، فنسب إلى التشيع لذلك. وروى عنه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني صاحب " حلية الأولياء " وجماعة كثيرة، وقبل القاضي ابن معروف شهادته في سنة ست وسبعين وثلثمائة، فندم على ذلك وقال: كان يقبل قولي على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بانفرادي، فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر.
    وصنف كتاب " السنن " و " المختلف والمؤتلف " وغيرهما، وخرج من بغداد إلى مصر قاصداً أبا الفضل جعفر بن الفضل المعروف بابن حنزابة وزير كافور الإخشيدي - المذكور في حرف الجيم  - فإنه بلغه أن أبا الفضل عازم على تأليف مسند فمضى إليه ليساعده عليه، وأقام عنده مدة، وبالغ أبو الفضل في إكرامه وأنفق عليه نفقة واسعة وأعطاه شيئاً كثيراً وحصل له بسببه مال جزيل  . ولم يزل عنده حتى فرغ المسند، وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني بن سعيد - المقدم ذكره ) - على تخريج المسند وكتابته إلى أن نجز.
    وقال الحافظ عبد الغني المذكور  : أحسن الناس كلاماً على حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاثة: علي بن المديني (5) في وقته، وموسى بن هارون  في وقته، والدارقطني في وقته.
    وسأل الدارقطني يوماً أحد أصحابه: هل رأى الشيخ مثل نفسه فامتنع من جوابه، وقال: قال الله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم) ، فألح عليه، فقال: إن كان في فن واحد فقد رأيت من هو أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع في فلا، وكان مفنناً في علوم كثيرة وإماماً في علوم القرآن.
    وكانت ولادة الحافظ المذكور في ذي القعدة سنة ست وثلثمائة. وتوفي يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة، وقيل ذي الحجة، سنة خمس وثمانين وثلثمائة ببغداد، وصلى عليه الشيخ أبو حامد الإسفرايني الفقيه المشهور المقدم ذكره. ودفن قريباً من معروفٍ الكرخي، في مقبرة باب الدير، رحمه الله تعالى.
    والدارقطني: بفتح الدال المهملة وبعد الألف راء مفتوحة ثم قاف مضمومة
    وبعدها طاء مهملة ساكنة ثم نون، هذه النسبة إلى دار القطن وكانت محلة كبيرة ببغداد.

الكسائي

    أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز، الأسدي بالولاء الكوفي المعروف بالكسائي؛ أحد القراء السبعة  ، كان إماماً في النحو واللغة والقراءات، ولم تكن له في الشعر يد، حتى قيل: ليس في علماء العربية أجهل من الكسائي بالشعر؛ وكان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه الأدب ولم يكن له زوجة ولا جارية، فكتب إلى الرشيد يشكو العزبة في هذه الأبيات:
    قل للخليفة لا تقول لمن ... أمسى إليك بحرمة يدلي
    ما زلت مذ صار الأمين معي ... عبدي يدي ومطيتي رجلي
    وعلى فراشي من ينبهني ... من نومتي وقيامه  قبلي
    أسعى برجل منه ثالثة ... موفورة مني بلا رجل
    وإذا ركبت أكون مرتدفاً ... قدام سرجي راكب  مثلي
    فامنن علي بما يسكنه ... عني وأهد الغمد للنصل فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم وجارية حسناء بجميع آلاتها وخادم وبرذون بجميع آلته.
    واجتمع يوماً بمحمد بن الحسن الفقيه الحنفي في مجلس الرشيد فقال الكسائي: من تبحر في علم تهدى إلى جميع العلوم، فقال له محمد: ما تقول فيمن سها في سجود السهو، هل يسجد مرة أخرى قال الكسائي: لا، قال: لماذا قال: لأن النحاة تقول: التصغير لا يصغر، هكذا وجدت هذه الحكاية في عدة مواضع؛ وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد "  أن هذه القضية جرت بين محمد بن الحسن المذكور والفراء - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهما ابنا خالة، والله أعلم بالصواب.
    رجعنا إلى بقية الحكاية:
    فقال محمد: فما تقول في تعليق الطلاق بالملك قال: لا يصح، قال: لم قال: لأن السيل لا يسبق المطر.
    وله مع سيبويه وأبي محمد اليزيدي مجالس ومناظرات - سيأتي ذكر بعضها في تراجم أربابها إن شاء الله تعالى.
    روى الكسائي عن أبي بكر ابن عياش وحمزة الزيات وابن عيينة وغيرهم وروى عنه الفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما. وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة بالري وكان قد خرج إليها صحبة هارون الرشيد. قال السمعاني: وفي ذلك اليوم توفي محمد بن الحسن المذكور بالري أيضاً - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكذا قال ابن الجوزي في " شذور العقود "، توفي برنبويه  قرية من قرى الري - ورنبويه مذكورة في ترجمة محمد بن الحسن - وقال السمعاني أيضاً: وقيل إن الكسائي مات بطوس سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة، والله أعلم، ويقال إن الرشيد كان يقول: دفنت الفقه والعربية بالري.
    والكسائي: بكسر الكاف وفتح السين المهملة وبعدها ألف ممدودة، وإنما قيل له الكسائي لأنه دخل الكوفة وجاء إلى حمزة بن حبيب الزيات وهو ملتف بكساء، فقال حمزة: من يقرأ فقيل له: صاحب الكساء، فبقي عليه ، وقيل بل أحرم في كساء فنسب إليه، رحمه الله تعالى.

السيف الآمدي

    أبو الحسن علي بن أبي علي بن  محمد بن سالم التغلبي  الفقيه الأصولي، الملقب سيف الدين الآمدي؛ كان في أول اشتغاله حنبلي المذهب، وانحدر إلى بغداد وقرأ بها على ابن المني أبي الفتح نصر بن فتيان الحنبلي  ، وبقي على ذلك مدة ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، رضي الله عنه، وصحب الشيخ أبا القاسم بن فضلان واشتغل عليه في الخلاف وتميز فيه، وحفظ طريقة الشريف وزوائد طريقة أسعد الميهني - المقدم ذكره  - ثم انتقل إلى الشام واشتغل بفنون المعقول وحفظ منه الكثير وتمهر فيه وحصل منه شيئاً كثيراً، ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم. ثم انتقل إلى الديار المصرية وتولى الإعادة بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي، رضي الله عنه، التي بالقرافة الصغرى، وتصدر بالجامع الظافري بالقاهرة مدة، واشتهر بها فضله واشتغل عليه الناس وانتفعوا به، ثم حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء، وكتبوا محضراً يتضمن ذلك، ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم؛ وبلغني عن رجل منهم فيه عقل ومعرفة أنه لما رأى تحاملهم عليه وإفراط التعصب كتب في المحضر وقد حمل إليه ليكتب فيه مثل ما كتبوا فكتب:
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    والله أعلم، وكتب فلان بن فلان. ولما رأى سيف الدولة تألبهم عليه وما اعتمدوه في حقه، ترك البلاد وخرج منها مستخفياً وتوصل إلى الشام، واستوطن مدينة حماة.
    وصنف في أصول الفقه والدين والمنطق والحكمة والخلاف، وكل تصانيفه مفيدة. فمن ذلك كتاب " أبكار الأفكار " في علم الكلام  واختصره في كتاب سماه " منائح القرائح " و " رموز الكنوز " وله " دقائق الحقائق " و " لباب الألباب " و " منتهى السول في علم الأصول "، وله طريقة في الخلاف، ومختصر في الخلاف أيضاً وشرح جدل الشريف، وله مقدار عشرين تصنيفاً.
    وانتقل إلى دمشق ودرس بالمدرسة العزيزية وأقام بها زماناً، ثم عزل عنها لسبب تهم فيه وأقام بطالاً في بيته. وتوفي على تلك الحال في رابع صفر يوم الثلاثاء سنة إحدى وثلاثين وستمائة ودفن بسفح جبل قاسيون. وكانت ولادته في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
    والآمدي: بالهمزة الممدودة والميم المكسورة وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى آمد، وهي مدينة كبيرة في ديار بكر مجاورة لبلاد الروم  .
     وكان أبو الفتح نصر بن فتيان بن المني المذكور  فقيهاً محدثاً، انتفع به جماعة كبيرة. ومولده سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي خامس شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

الحافظ المقدسي

    أبو الحسن علي بن الأنجب أبي المكارم المفضل بن أبي الحسن علي بن أبي الغيث مفرج بن حاتم بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم بن الحسن اللخمي المقدسي الأصل، الاسكندراني المولد والدار، المالكي المذهب؛ كان فقيهاً فاضلاً في مذهب الإمام مالك، رضي الله عنه، ومن أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه  ، صحب الحافظ أبا الطاهر السلفي الأصبهاني نزيل الاسكندرية، رحمه الله تعالى، وانتفع به، وصحبه شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، ولازم صحبته وبه انتفع وعليه تخرج، وذكر عنه فضلاً غزيراً وصلاحاً كثيراً، وأنشدني له مقاطيع عديدة؛ فمما أنشدني قال، أنشدني الحافظ أبو الحسن المقدسي المذكور لنفسه:
    تجاوزت ستين من مولدي ... فأسعد أيامي المشترك
    يسائلني زائري حالتي ... وما حال من حل في المعترك
    وأنشدني أيضاً قال أنشدني الحافظ لنفسه :
    أيا نفس بالمأثور عن خير مرسلٍ ... وأصحابه والتابعين تمسكي
    عساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من نشرٍ له أن تمسكي
    وخافي غداً يوم الحساب جهنماً ... إذا لفحت نيرانها أن تمسك 
    وأنشدني أيضاً قال، أنشدني لنفسه:
    ثلاث باءات بلين بها: ... البق والبرغوث والبرغش
    ثلاثة أوحش ما في الورى ... ولست أدري أيها أوحش 
    وأنشدني أيضاً قال، أنشدني لنفسه:
    ولمياء تحيي من تُحيّي بريقها ... كأن مزاج الراح بالمسك في فيها
    وما ذقت فاها غير أني رويته ... عن الثقة المسواك وهو موافيها وهذا معنى مستعمل قد سار في كثير من أشعار المتقدمين والمتأخرين، فمن لك قول بشار بن برد من جملة أبيات  :
    يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك 
    وقول الأبيوردي من جملة أبيات:
    وأخبرني أترابها أن ريقها ... على ما حكى عود الأراك لذيذ 
    ونقتصر على هذا القدر.
    وكان الحافظ المذكور ينوب في الحكم بثغر الاسكندرية المحروس، ودرس به بالمدرسة المعروفة به هناك، ثم انتقل إلى مدينة القاهرة المحروسة ودرس بها بالمدرسة الصاحبية، وهي مدرسة الوزير صفي الدين أبي محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر، واستمر بها إلى حين وفاته.
    وكانت ولادته ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بالثغر المحروس. وتوفي يوم الجمعة مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة بالقاهرة، رحمه الله تعالى.
     وتوفي والده القاضي الأنجب أبو المكارم المفضل في رجب سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وكان مولده في سنة ثلاث وخمسمائة، رحمهما الله تعالى.
    والمقدسي: بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المهملة وفي آخرها سين مهملة، هذه النسبة إلى بيت المقدس.
    واللخمي: تقدم الكلام عليه.

الكيا الهراسي

    أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري، الملقب عماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي الفقيه الشافعي؛ كان من أهل طبرستان، وخرج إلى نيسابور وتفقه على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مدة إلى أن برع، وكان حسن الوجه جهوري الصوت فصيح العبارة حلو الكلام، ثم خرج من نيسابور إلى بيهق ودرس بها مدة، ثم خرج  إلى العراق وتولى تدريس المدرسة النظامية ببغداد إلى أن توفي.
    وذكره الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي - المقدم ذكره  - في " سياق تاريخ نيسابور "  فقال: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في 
    الدرس. وكان ثاني أبي حامد الغزالي، بل آصل وأصلح وأطيب في الصوت والنظر، ثم اتصل بخدمة مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي - المذكور في حرف الباء  - وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة، وكان محدثاً يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه. ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب (2) الرياح.
    وحدث الحافظ أبو طاهر السلفي قال: استفتيت شيخنا أبا الحسن المعروف بالكيا الهراسي ببغداد في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بيني وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء: " ما يقول الإمام وفقه الله تعالى في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، هل تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا " فكتب الشيخ تحت السؤال " نعم، كيف لا وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً "
    وسئل الكيا أيضاً عن يزيد بن معاوية فقال: إنه لم يكن من الصحابة لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وأما قول السلف ففيه لأحمد قولان تلويح وتصريح، ولمالك قولان تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم، ومنه قوله:
    أقول لصحبٍ ضمت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنم
    خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍ ... فكلٌ وإن طال المدى يتصرم
    [ولا تتركوا يوم السرور إلى غدٍ ... فرب غدٍ يأتي بما ليس يعلم] 
    وكتب فصلاً طويلاً، ثم قلب الورقة وكتب: لو مددت ببياضٍ لمددت العنان في مخازي (1) هذا الرجل؛ وكتب فلان بن فلان.
    وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي، رحمه الله تعالى، في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد : هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخصاً فيه وهل كان مريداً قتل الحسين، رضي الله عنه، أم كان قصده الدفع وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل ينعم بإزالة الاشتباه مثاباً، فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلاً، ومن لعن مسلماً فهو الملعون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم ليس بلعانٍ) ، وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي، صلى الله عليه وسلم. ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله الحسين، رضي الله عنه، ولا أمره لا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن بالمسلم أيضاً حرام، وقد قال تعالى: (اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعد الظن، وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء) ، ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين، رضي الله عنه، أو رضي به فينبغي أن يعلم به غاية حماقة، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من أمر بقتله ومن الذي رضي به ومن الذي كرهه لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد وزمن قديم قد انقضى، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في كان بعيد وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا أمرٌ لا تعرف حقيقته أصلاً، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلماً فمذهب الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم تجز لعنته، فكيف من تاب عن قتل وبم يعرف أن قاتل الحسين رضي الله عنه، مات قبل التوبة وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فإذاً لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله تعالى، ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له يوم القيامة: لم لم تلعن إبليس، ويقال للاعن: لم لعنت ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون والملعون وهو المبعد من الله عز وجل، وذلك غيب لا يعرف إلى فيمن مات كافراً فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة (اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات) ، فإنه كان مؤمناً والله أعلم؛ كتبه الغزالي.
    وكانت ولادة الكيا في ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة. وتوفي يوم الخميس وقت العصر مستهل المحرم سنة أربع وخمسمائة ببغداد، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، وحضر دفنه الشيخ أبو طالب الزينبي وقاضي القضاة أبو الحسن ابن الدامغاني، وكان مقدمي الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما في حال الحياة منافسة، فوقف أحدهما عند رأسه والأخر عند رجليه، فقال ابن الدامغاني متمثلاً:
    وما تغني النوادب والبواكي ... وقد أصبحت مثل حديث أمس وأنشد الزينبي متمثلاً أيضاً:
    عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقيم ولم أعلم لأي معنى قيل له الكيا، وفي اللغة العجمية الكيا هو الكبير القدر المقدم بين الناس، وهو بكسر الكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف. وكان في خدمته بالمدرسة النظامية أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي الشاعر المشهور - المقدم ذكره في حرف الهمزة (1) - فرثاه إرتجالاً بهذه الأبيات على ما حكاه الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير، وهي:
    هي الحوادث لا تبقي ولا تذر ... ما للبرية من محتوفها وزر
    لو كان ينجي علو من بوائقها ... لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر
    قل للجبان الذي أمسى على حذرٍ ... من الحمام متى رد الردى الحذر
    بكى على شمسه الإسلام إذ أفلت ... بأدمعٍ قل في تشبيهها المطر
    حبرٌ عهدناه طلق الوجه مبتسماً ... والبشر أحسن ما يلقى به البشر
    لئن طوته المنايا تحت أخمصها ... فعلمه الجم في الأفق منتشر
    سقى ثراك عماد الدين كل ضحىً ... صوب الغمام ملث الودق منهمر
    عند الورى من أسىً أيقنته خبرٌ ... فهل أتك من استيحاشهم خبر
    أحيا ابن إدريس درسٌ كنت تورده ... تحار في نظمه الأذهان والفكر
    من فاز منه بتعليقٍ فقد علقت ... يمينه بشهابٍ ليس ينكدر
    كأنما مشكلات الفقه يوضحها ... جباه دهمٍ لها من لفظه غرر
    ولو عرفت له مثلاً دعوت له ... وقلت دهري إلى شرواه 

أبو الحسن الأشعري

    أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ هو صاحب الأصول والقائم بنصرة مذهب السنة، وإليه تنسب الطائفة الأشعرية، وشهرته تغني عن الإطالة في تعريفه، والقاضي أبو بكر الباقلاني ناصر مذهبه ومؤيد اعتقاده، وكان أبو الحسن يجلس أيام الجمع في حلقة أبي إسحاق المروزي الفقيه الشافعي في جامع المنصور ببغداد. ومولده سنة سبعين، وقيل ستين ومائتين بالبصرة. وتوفي سنة نيف وثلاثين وثلثمائة، وقيل: سنة أربع وعشرين وثلثمائة، وقيل: سنة ثلاثين [فجأة]  - حكاه ابن الهمذاني في " ذيل تاريخ الطبري "  ببغداد ودفن بين الكرخ وباب البصرة، رحمه الله تعالى.
    [قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتاب " تبيين كذب المفتري فيما نسب للشيخ أبي الحسن الأشعري  - بعد أن حكى في تاريخ وفاته أقوالاً -:وقال بعض البصريين: مات سنة ثلاث وثلاثين، وهذا القول أراه صحيحاً، والأصح أنه مات سنة أربع وعشرين، وكذلك ذكره أبو بكر ابن فورك؛ انتهى].
    وقد تقدم ذكر جده أبي بردة في أول حرف العين.
    والأشعري: بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى أشعر، واسمه نبت بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له أشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه، هكذا قال السمعاني، والله أعلم.
    وقد صنف الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في مناقبه مجلداً .
    وكان  أبو الحسن الأشعري أولاً معتزلياً، ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، ورقي كرسياً ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم.
    وكان فيه دعابة ومزاح كثير، وله من الكتب كتاب " اللمع " وكتاب " الموجز " وكتاب " إيضاح البرهان " وكتاب " التبيين عن أصول الدين " وكتاب " الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل " وهو صاحب الكتب في الرد على الملاحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج، وسائر أصناف المبتدعة.ودفن في مشرعة الروايا في تربة إلى جانبها مسجد وبالقرب منها حمام وهو عن يسار المار من السوق إلى دجلة. وكان يأكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى على عقبه، وكانت نفقته في كل يوم سبعة عشر درهماً، هكذا قاله الخطيب. وقال أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم. وقال أبو محمد علي بن حزم الأندلسي: إن أبا الحسن له من التصانيف خمسة وخمسون تصنيفاً 

الماوردي

    أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، المعروف بالماوردي، الفقيه الشافعي؛ كان من وجوه الفقهاء الشافعية ومن كبارهم، أخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري  بالبصرة، ثم عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني ببغداد، وكان حافظاً للمذهب وله فيه كتاب " الحاوي " الذي لم يطالعه أحد إلا وشهد له بالتبحّر والمعرفة التامة بالمذهب. وفوّض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد في درب الزّعفراني وروى عنه الخطيب أبو بكر صاحب " تاريخ بغداد "  وقال: كان ثقة.
    وله من التصانيف غير " الحاوي " " تفسير القرآن الكريم " و " النكت والعيون " و " أدب الدين والدنيا " و " الأحكام السلطانية " و " قانون الوزارة " و " سياسة الملك " و " الإقناع " في المذهب، وهو مختصر، وغير ذلك، وصنف في أصول الفقه والأدب وانتفع الناس به.
    وقيل: إنه لم يظهر شيئاً من تصانيفه في حياته، وإنما جمع كلها في موضع، فلما دنت وفاته قال لشخص يثق إليه: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يشبها كدر، فإن عاينت الموت ووقعت في النزع فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة 
    ليلاً، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قبلت وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة. قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت وضعت يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه بعده.
    وذكر الخطيب في أول " تاريخ بغداد "  عن الماوردي المذكور، قال: كتب أخي إليّ من البصرة وأنا ببغداد:
    طيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قدماً إليها وإن عاقت مقادير
    فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهواءين ممدود ومقصور وقال أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش: أنشدني أبو الحسن الماوردي، قال: أنشدنا أبو الخير الكاتب الواسطي بالبصرة لنفسه:
    جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيّان التحرك والسكون
    جنونٌ منك أن تسعى لرزقٍ ... ويرزق في غشاوته الجنين ويقال إن أبا الحسن الماوردي لما خرج من بغداد راجعاً إلى البصرة كان ينشد أبيات العباس بن الأحنف - المقدم ذكره - وهي :
    أقمنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
    وما حب البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا
    خرجت أقرّ ما كانت لعيني ... وخلّفت الفؤاد بها رهينا
    وإنما قال ذلك لأنه من أهل البصرة وما كان يؤثر مفارقتها، فدخل بغداد كارهاً لها ثم طابت له بعد ذلك ونسي البصرة فشق عليه فراقها، وقد قيل إن هذه الأبيات لأبي محمد المزني الساكن بما وراء النهر، كذا قال السمعاني، والله أعلم. 
    وتوفي يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، ودفن من الغد في مقبرة باب حرب ببغداد، وعمره ست وثمانون سنة، رحمه الله تعالى.
    والماوردي: نسبة إلى بيع الماورد، هكذا قاله الحافظ ابن السمعاني.

ابن المرزبان

أبو الحسن علي بن أحمد بن المرزبان البغدادي الفقيه الشافعي؛ كان فقيها ورعاً من جلة العلماء، أخذ الفقه عن أبي الحسين ابن القطان، وعنه أخذ الشيخ أبو حامد الإسفرايني أول قدومه بغداد. وحكي عنه أنه قال: ما أعلم أن لأحد عليّ مظلمة، وقد كان فقيهاً يعلم أن الغيبة من المظالم، وكان مدرّساً ببغداد وله وجه في مذهب الشافعي. وتوفي في رجب سنة ست وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
والمرزبان: بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون، وهو لفظ فارسي معناه صاحب الحد، ومرز هو الحد، وبان صاحب، وهو في الأصل اسم لمن كان دون الملك.

القاضي أبو الحسن الجرجاني

    القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الفقيه الشافعي؛ كان فقيهاً أديباً شاعراً، ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب " طبقات الفقهاء "  وقال: له ديوان شعر وهو القائل:
    يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما 
    وهي أبيات طويلة ومشهورة، فلا حاجة إلى ذكرها. وذكره الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر " فقال  : " هو فرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة  تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ ونظم البحتري، وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع الأرض وتدويخ بلاد العراق والشام وغيرها، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلوم علماً، وفي الكمال عالماً " وأورد له مقاطيع كثيرة من الشعر، فمن ذلك قوله:
    قد برح الحب بمشتاقك ... فأوله أحسن أخلاقك
    ولا تجفه وارع له حقه ... فإنه آخر عشاقك وأنشدني صاحبنا الحسام عيسى بن سنجر بن بهرام المعروف بالحاجري - الآتي ذكره - لنفسه دوبيت في هذا المعنى وهو:
    يا عارضه فديت بالأحداق ... لم يبق على العهود غيري باقي
    ناشدتك إلا ما عسى ترفق بي ... في الحب فإني آخر العشاق وله من أبيات:
    وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
    وبيني وبين المال شيئان حرما ... علي الغنى: نفسي الأبية والدهر
    إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خيرٌ من وقوفي بها العسر وله أيضاً:
    وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسع ... فقلت ولكن موضع الرزق ضيق
    إذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... ولم يك لي كسبٌ فمن أين أرزق
    وله أيضاً في الصاحب بن عباد:
    ولا ذنب للأفكار أنت تركتها ... إذا احتشدت لم تنتفع باحتشادها
    سبقت لأفراد المعاني وألفت ... خواطرك الألفاظ بعد شرادها
    فأن نحن حاولنا اختراع بديعة ... حصلنا على مسروقها ومعادها وله فيه يهنيه بالعافية من جملة أبيات:
    أفي كل يوم للمكارم روعةٌ ... لها في قلوب المكرمات وجيب
    تقسمت العلياء جسمك كله ... فمن أين للأسقام فيه نصيب
    إذا ألمت نفس الوزير تألمت ... لها أنفسٌ تحيا بها وقلوب
    ووالله لاحظت وجهاً أحبه  ... حياتي ، وفي وجه الوزير شحوب
    وليس شحوباً ما أراه بوجهه ... ولكنه في المكرمات ندوب
    فلا تجزعن تلك السماء تغيمت ... وعما قليل تبتدي فتصوب وله:
    ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت والكتاب جليسا
    ليس شيء أعز عندي من  العل ... م فما أبتغي سواه أنيسا
    إنما الذل في مخالطة النا ... س فدعهم وعش عزيزاً رئيسا وله:
    ما لي وما لك يا فراق ... أبداً رحيلٌ وانطلاق
    يا نفس موتي بعدهم ... فكذا يكون الاشتياق وشعره كثير وطريقه فيه سهل، وله كتاب " الوساطة بين المتنبي وخصومه " 
    أبان فيه عن فضل غزير واطلاع كثير ومادة متوفرة.
    وذكر الحاكم أبو عبد الله ابن البيع في " تاريخ النيسابوريين " أنه توفي في سلخ صفر سنة ست وستين وثلثمائة بنيسابور وعمره ست وسبعون سنة، رحمه الله تعالى، وقال غيره: إنه كان حسن السيرة في قضائه صدوقاً، ورد به أخوه محمد نيسابور في سنة سبع وثلاثين وثلثمائة وهو صغير غير بالغ، وسمعا من سائر الشيوخ، ومات بالري وهو قاضي القضاة في سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة، وحمل تابوته إلى جرجان ودفن بها، ونقل الحاكم أثبت وأصح.
    وجرجان: بضم الجيم وسكون الراء وفتح الجيم الثانية وبعد الألف نون، وهي مدينة عظيمة من ناحية خراسان.

علي بن عبد الله بن العباس

    أبو محمد علي بن عبد الله بن العباس به عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، وهو جد السفاح والمنصور الخليفتين؛ كان سيداً شريفاً بليغاً، وهو أصغر ولد أبيه، وكان أجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه وأكثره صلاة، وكان يدعى السجاد لذلك. وكان له خمسمائة أصل زيتون يصلي في كل يوم إلى كل أصل ركعتين، وكان يدعى " ذا الثفنات " هكذا قاله المبرد في " الكامل "، وقال أبو الفرج ابن الجوزي الحافظ: ذو الثفنات هو علي بن الحسين، يعني زين العابدين، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يصلي في كل يوم ألف ركعة فصار في ركبتيه مثل ثفن البعير، ذكر ذلك في كتاب " الألقاب ".
    وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، افتقد عبد الله بن العباس، رضي الله عنه في وقت صلاة الظهر، فقال لأصحابه: ما بال أبي العباس لم يحضر الظهر فقالوا: ولد له مولود، فلما صلى علي، رضي الله عنه قال أمضوا بنا إليه فأتاه فهناه فقال: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب ما سميته فقال: أو يجوز لي أن أسميه حتى تسميه فأمر به فأخرج إليه فأخذه فحنكه ودعا له ثم رده إليه وقال: خذ إليك أبا الأملاك، وقد سميته علياً وكنيته أبا الحسن، فلما قام معاوية خليفة قال لابن عباس: ليس لكم اسمه وكنيته وقد كنيته أبا محمد، فجرت عليه هكذا قاله المبرد في " الكامل " . وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب " حلية الأولياء " : إنه لما قدم على عبد الملك بن مروان قال له: غير اسمك وكنيتك، فلا صبر لي على اسمك وكنيتك قال: أما الاسم فلا، وأما الكنية فأكتني بأبي محمد، فغير كنيته؛ انتهى كلام أبي نعيم.
    قلت أنا: وإنما قال له عبد الملك هذه المقالة لبغضه في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكره أن يسمع اسمه وكنيته.
    وذكر الطبري في تاريخه إنه دخل على عبد الملك بن مروان فأكرمه وأجلسه على سريره وسأله عن كنيته فأخبره، فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد، وسأله: هل له من ولد وكان قد ولد له يومئذ محمد بن علي، فأخبره بذلك فكناه أبا محمد.
    وقال الواقدي: ولد أبو محمد المذكور في الليلة التي ولد فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه والله أعلم بالصواب.
    وقال المبرد أيضاً : وضرب علي بالسياط مرتين كلتاهما ضربه الوليد بن عبد الملك: إحداهما في تزوجه لبابة ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وكانت عند عبد الملك فعض تفاحة ثم رمى بها إليها، وكان أبخر فدعت بسكين فقال: ما تصنعين بها فقالت: أميط عنها الأذى فطلقها فتزوجها علي بن عبد الله المذكور فضربه الوليد وقال: إنما تتزوج بأمهات الخلفاء لتضع منهم، لأن مروان بن الحكم إنما تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه، فقال علي بن عبد الله إنما أرادت الخروج من هذا البلد وأنا ابن عمها فتزوجتها لأكون لها محرماً .وأما ضربه إياه في المرة الثانية فقد حدث أبو عبد الله محمد بن شجاع في إسناد متصل يقول في أخره رأيت: علي بن عبد الله يوماً مضروباً بالسوط يدار به على بعير ووجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح عليه: هذا علي بن عبد الله الكذاب فأتيته وقلت ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب قال: بلغهم عني أني أقول: إن هذا الأمر سيكون في ولدي، ووالله ليكونن فيهم حتى تملكهم عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه الذي كأن وجوههم المجان المطرقة (2) .
    قلت: ذكر ابن الكلبي في كتاب " النسب " أن الذي تولى ضرب علي بن عبد الله بن العباس، رضي الله عنهم، هو كلثوم بن عياض بن وحوح بن قشير بن الأعور بن قشير، كان والي الشرطة للوليد بن مروان، ثم أنه تولى إفريقية لهشام بن عبد الملك وقتل بها وقال غير بن الكلبي: كان قتله في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ومائة.
    وروى أن علي بن عبد الله دخل على سليمان بن عبد الملك، وهو غلط، بل الصحيح أنه هشام بن عبد الملك معه ابنا الخليفتان وهما السفاح والمنصور ابنا محمد بن علي المذكور، فأوسع له على سريره وبره وسأله عن حاجته فقال: ثلاثون ألف درهم علي دين فأمر بقضائها ثم قال له: وتستوصي بابني هذين خيراً ففعل، فشكره وقال: وصلتك رحم. فلما ولى علي قال هشام لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختل وأسن وخلط فصار يقول: إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده، فسمعه علي فقال: والله ليكونن ذلك وليملكن هذان.
    وكان علي المذكور عظيم المحل عند أهل الحجاز، حتى قال هشام بن سليمان 
    المخزومي: إن علي بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجاً أو معتمراً عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام وهجرت مواضع حلقها ولزمت مجلسه إعظاماً وإجلالاً وتبجيلاً له، فإن قعد قعدوا وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا جميعاً حوله، ولا يزالون كذلك حتى يخرج من الحرم.
    وكان آدم جسيماً له لحية طويلة، وكان عظيم القدم جداً لا يوجد له نعل ولا خف حتى يستعمله وكان مفرطاً في الطول، إذا طاف كأنما الناس حوله مشاة وهو راكب من طوله، وكان مع هذا الطول يكون إلى منكب أبيه عبد الله وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب. ونظرت عجوز إلى علي وهو يطوف وقد فرع الناس - فرع بالعين المهملة: أي علا عليهم - فقالت: من هذا الذي فرع الناس فقيل: علي بن عبد الله بن العباس، فقالت: لا إله إلا الله، إن الناس ليرذلون، عهدي بالعباس يطوف بهذا البيت كأنه فسطاط أبيض. ذكر هذا كله المبرد في " الكامل " ، وذكر أيضاً أن العباس كان عظيم الصوت وجاءتهم مرة غارة وقت الصباح فصاح بأعلى صوته: واصباحاه، فلم تسمعه حامل في الحي إلا وضعت.
    وذكر أبو بكر الحازمي في كتاب " ما اتفق لفظه وافترق مسماه " في أول حرف الغين في باب عانة وغابة، وقال: كان العباس بن عبد المطلب يقف على سلع، وهو جبل عند المدينة، فينادي غلمانه وهم في الغابة فيسمعهم، وذلك من آخر الليل، وبين الغابة وسلع ثمانية أميال.
    وكانت وفاة علي بن عبد الله سنة سبع عشرة ومائة بالشراة بالحميمة وهو ابن ثمانين سنة. وقال الواقدي: ولد في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكان قتل علي، رضي الله عنه، في ليلة الجمعة سابع عشر شهر رمضان من سنة أربعين للهجرة، وقيل غير ذلك، وتوفي علي بن عبد الله سنة ثماني عشرة ومائة، وقال غير الواقدي: إن وفاته كانت في ذي القعدة، وقال خليفة بن خياط: مات في سنة أربع عشرة، وقال في موضع آخر: سنة ثماني عشرة، وقال غيره: سنة تسع عشرة، والله أعلم.
    وكان يخضب بالسواد، وابنه محمد والد السفاح والمنصور يخضب بالحمرة، فيظن من لا يعرفهما أن محمداً علي وأن علياً محمد، رضي الله عنهما.
    والشراة: بفتح الشين المعجمة والراء وبعد الألف هاء مثناة، صقع بالشام في طريق المدينة من دمشق بالقرب من الشوبك وهو من إقليم البلقاء وفي بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة - بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الميم الثانية وبعدها هاء ساكنة - وهذه القرية كانت لعلي المذكور وأولاده في أيام بني أمية، وفيها ولد السفاح والمنصور وبها تربيا ومنها انتقلا إلى الكوفة، وبويع السفاح بالخلافة فيها كما هو مشهور - وسيأتي ذكر ولده محمد إن شاء الله تعالى.
    وذكر الطبري في تاريخه أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أخرج علي بن عبد الله بن العباس من دمشق وأنزله الحميمة في سنة خمس وتسعين للهجرة، ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية وولد له بها نيفٌ وعشرون ولداً ذكراً.

أبو الحسن العسكري

    أبو الحسن  علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا - المقدم ذكره - وهو حفيد الذي قبله، فلا حاجة إلى رفع نسبه، ويعرف بالعسكري؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، كان قد سعي به إلي المتوكل وقيل إن في منزله سلاحاً وكتاباً وغيرها من شيعته، وأوهموه أنه يطلب الأمر لنفسه، فوجه إليه بعدة من الأتراك ليلاً فهجموا عليه في منزله على غفلة، فوجدوه وحده في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر، وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض بساط ألا الرمل والحصى، فأخد على الصورة التي وجد عليها وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل عنه ولا حالة يتعلق عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي كان بيده، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني منه، فأعفاه وقال: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للشعر، قال: لابد أن تنشدني فأنشده :
    باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فما أغنتهم القلل
    واستنزلوا بعد عزٍ من معاقلهم ... فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
    ناداهم صارخٌ من بعد قبروا ... أين الأسرة والتيجان والحلل
    أين الوجوه التي كانت منعمةً ... من دونها تضرب الأستار والكلل
    فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
    قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا ... فأصبح بعد طول الأكل
     قد أكلوا قال: فأشفق من حضر على علي وظن أن بادرة تبدر إليه، فبكى المتوكل بكاء كثيراً حتى بلت دموعه لحيته وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب ثم قال: يا أبا الحسن، أعليك دين قال: نعم أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرماً.
    وكانت ولادته يوم الأحد ثالث عشر رجب، وقيل يوم عرفة سنة أربع عشرة وقيل ثلاث عشرة ومائتين. ولما كثرت السعاية في حقه عند المتوكل أحضره من المدينة وكان مولده بها، وأقره بسر من رأى وهي تدعى بالعسكر، لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره، فقيل لها العسكر، ولهذا قيل لأبي الحسن المذكور العسكري لأنه منسوب إليها، فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر. وتوفي بها يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة، وقيل لأربع بقين منها وقيل في رابعها، وقيل في ثالث رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره، رحمه الله تعالى.

الأحد، 2 أبريل 2017

علي الرضا

    أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين المذكور قبله؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، وكان المأمون قد زوجه ابنته أم حبيب في سنة اثنتين ومائتين وجعله ولي عهده، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وكان السبب في ذلك أنه استحضر أولاد العباس الرجال منهم والنساء، وهو بمدينة مرو من بلاد خراسان، وكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين الكبار والصغار، واستدعى علياً المذكور فأنزله أحسن منزلة، وجمع خواص الأولياء وأخبرهم أنه نظر في أولاد العباس وأولاد علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، فلم يجد في وقته أحداً أفضل ولا أحق بالأمر من علي الرضا فبايعه، وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام؛ ونمي الخبر إلى من بالعراق من أولاد العباس، فعلموا أن في ذلك خروج الأمر عنهم، فخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي - المقدم ذكره (1) - وهو عم المأمون، وذلك يوم الخميس لخمس خلون من المحرم سنة اثنتين، وقيل سنة ثلاث ومائتين، والشرح في ذلك يطول والقصة مشهورة، وقد اختصرته في ترجمة إبراهيم بن المهدي.
    وكانت ولادة علي الرضا يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة، وقيل بل ولد سابع شوال، وقيل ثامنه، وقيل سادسه، سنة إحدى وخمسين ومائة. وتوفي في آخر يوم من صفر سنة اثنتين ومائتين، بل توفي خامس ذي الحجة، وقيل ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين، بمدينة طوس وصلى عليه المأمون ودفنه ملاصق قبر أبيه الرشيد، وكان سبب موته أنه أكل عنباً فأكثر منه، وقيل بل كان مسموماً فاعتل منه ومات، رحمه الله تعالى.
    وفيه يقول أبو نواس:
    قيل لي أنت أحسن الناس طراً ... في فنونٍ من الكلام النبيه
    لك من جيد القريض مديحٌ ... يثمر الدر في يدي مجتنيه
    فعلام تركت مدح ابن موسى ... والخصال التي تجمعن فيه
    قلت لا أستطيع مدح إمامٍ ... كان جبريل خادماً لأبيه
     وكان سبب قوله هذه الأبيات أن بعض أصحابه قال له: ما رأيت أوقح منك، ما تركت خمراً ولا طرداً ولا معنى إلا قلت فيه شيئاً، وهذا علي بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً، فقال: والله ما تركت ذلك إلا إعظاماً له، وليس قدر مثلي أن يقول في مثله، ثم أنشده بعد ساعة هذه الأبيات.
    وفيه يقول أيضاً [وله ذكر في " شذور العقول " في سنة إحدى أو اثنتين ومائتين]:
    مطهرون نقياتٌ جيوبهم ... تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
    من لم يكن علوياً حين تنسبه ... فما له في قديم الدهر مفتخر
    الله لما برا خلقاً فأتقنه ... صفاكم واصطفاكم أيها البشر
    وأنتم الملأ الأعلى وعندكم ... علم الكتاب وما جاءت به السور
     وقال المأمون يوماً لعلي بن موسى الرضا المذكور: ما يقول بنو أبيك في جدنا العباس بن عبد المطلب فقال: ما يقولون في رجل فرض الله طاعة بنيه على خلقه وفرض طاعته على بنيه، فأمر له بألف ألف درهم.
    وكان قد خرج أخوه زيد بن موسى بالبصرة على المأمون، وفتك بأهلها، فأرسل إليه المأمون أخاه علياً المذكور يرده عن ذلك، فجاءه وقال له: ويلك يا زيد، فعلت بالمسلمين بالبصرة ما فعلت، وتزعم أنك ابن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم! والله لأشد الناس عليك رسول الله، صلى اله عليه وسلم، يا زيد ينبغي لمن أخذ برسول الله، صلى اله عليه وسلم، أن يعطي به، فبلغ كلامه المأمون، فبكى وقال: هكذا ينبغي أن يكون أهل بيت رسول الله، صلى اله عليه وسلم.
    قلت: وآخر هذا الكلام مأخوذ من كلام علي زين العابدين - المقدم ذكره - فقد قيل: إنه كان إذا سافر كتم نفسه، فقيل له في ذلك فقال: أنا أكره أن آخذ برسول الله، صلى اله عليه وسلم، ما لا أعطي به.

زين العابدين علي بن الحسين

    أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين، المعروف بزين العابدين، ويقال له علي الأصغر، وليس للحسين، رضي الله عنه،
    عقب إلا من ولد زين العابدين هذا؛ وهو أحد الأئمة الاثني عشر ومن سادات التابعين، قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه.
    وأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس، وهي عمة أم يزيد بن الوليد الأموي المعروف بالناقص. وكان قتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان لما تتبع دولة الفرس وقتل فيروز بن يزدجرد المذكور بعث بابنتيه إلى الحجاج بن يوسف الثقفي - المقدم ذكره - وكان يومئذ أمير العراق وخراسان وقتيبة نائبه بخراسان، فأمسك الحجاج إحدى البنتين لنفسه وأرسل الأخرى إلى الوليد بن عبد الملك، فأولدها يزيد الناقص، واسمها شاه فريذ، وسمي بالناقص لأنه نقص أعطية الجند. وكان يقال لزين العابدين ابن الخيرتين، لقوله صلى الله عليه وسلم " لله تعالى من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريش ومن العجم فارس ".
    وذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب " ربيع الأبرار " أن الصحابة، رضي الله عنهم، لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد، فباعوا السبايا، وأمر عمر ببيع بنات يزدجرد أيضاً، فقال له علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة، فقال: كيف الطريق إلى العمل معهن قال: يقومن مهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهن فقومن وأخذهن علي، رضي الله عنه، فدفع واحدة لعبد الله بن عمر وأخرى لولده الحسين وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق، وكان ربيبه، رضي الله عنهم أجمعين، فأولد عبد الله أمته ولده سالماً، وأولد الحسين زين العابدين، وأولد محمد ولده القاسم، فهؤلاء الثلاثة بنو خالة (1) ، وأمهاتهم بنات يزدجرد.
    وحكى المبرد في كتاب " الكامل " (2) ما مثاله: يروى عن رجل من قريش لم يسم لنا قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، فقال لي يوماً: من أخوالك 
    فقلت له: أمي فتاة، فكأني نقصت من عينه، فأمهلت حتى دخل سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهم، فلما خرج من عنده قلت: يا عم من هذا فقال: سبحان الله، أتجهل مثل هذا من قومك هذا سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قلت: فمن أمه قال: فتاة، قال: ثم أتاه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فجلس عنده ثم نهض، قلت: يا عم، من هذا فقال: أتجهل من أهلك مثله ما أعجب هذا، هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، قلت: فمن أمه قال: فتاة، قال: فأمهلت شيئاً حتى جاءه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه فسلم عليه ثم نهض، فقلت: يا عم، من هذا قال: هذا الذي لا يسعُ مسلماً أن يجهله، هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقلت: من أمه قال: فتاة، فقلت: يا عم، رأيتني نقصت في عينك لما علمت أن أمي فتاة ، أفما لي في هؤلاء أسوة قال: فجللت في عينه جداً.
    وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسن والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة فقهاً وورعاً، فرغب الناس في السراري .
    وكان زين العابدين كثير البر بأمه، حتى قيل له: إنك أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها، وهذا ضد قصة أبي المخش مع ابنه، فإنه قال  : كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفاً كأنها طلعة في ذراع كأنه جمارة فما تقع عينها على لقمة نفيسة إلا خصتني بها، فزوجتها، فصار يجلس معي على المائدة ابن لي فيبرز كفاً كأنها كرنافة  في ذراع كأنه كربة،
    فوالله ما تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها.
    وحكى ابن قتيبة في كتاب " المعارف " أن أم زين العابدين سندية يقال لها سلافة ويقال غزالة والله أعلم بالصواب، وأنه زوجها بعد أبيه بن بزبيد مولى أبيه، وأعتق جارية له وتزوجها، فكتب إليه عبد الملك بن مروان يعيره ذلك، فكتب إليه زين العابدين: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وقد أعتق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صفية بنت حيي بن أخطب وتزوجها وأعتق زيد بن حارثة وزوجه بنت عمته زينب بنت جحش ".
    وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تحصر. وكانت ولادته يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وتوفي سنة أربع وتسعين وقيل تسع وتسعين وقيل اثنتين وتسعين للهجرة بالمدينة، ودفن في البقيع في قبر عمه الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنه، في القبة التي فيها قبر العباس، رضي الله عنه.

عكرمة مولى عبد الله بن عباس

    أبو عبد الله عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما؛ أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن الحر العنبري، فوهبه لابن عباس رضي الله عنهما، حين ولي البصرة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنن وسماه بأسماء العرب.
    حدث عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري والحسن بن علي بن وعائشة، رضي الله عنهم؛ وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها، وكان ينتقل من بلد إلى بلد؛ روي أن ابن عباس قال له: انطلق فأفت الناس. وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحداً أعلم منك قال: عكرمة. وقد تكلم الناس في لأنه كان يرى رأي الخوارج.
    وروى عن جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم، وروى عنه الزهري وعمرو بن دينار والشعبي وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. ومات مولاه ابن عباس وعكرمة على الرق ولم يعتقه، فباعه ولده علي بن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عكرمة مولاه علياً، فقال له: ما خير لك، بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار، فاستقاله وأقاله وأعتقه. وقال عبد الله بن الحارث: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة موثق على باب كنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم قال: إن هذا يكذب على أبي.
    وتوفي عكرمة في سنة سبع ومائة، وقيل سنة ست، وقيل سنة أربع، وقيل سنة خمس، وقيل سنة خمس عشرة، والله أعلم، وعمره ثمانون، وقيل أربع وثمانون سنة. وروى محمد بن سعد عن الواقدي عن خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة وكثير عزة الشاعر في يوم واحد، سنة خمس ومائة، فرأيتهما جميعاً صلي عليهما في موضع الجنائز بعد الظهر، فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس، رحمهما الله تعالى، وكان موتهما بالمدينة، وقيل إن عكرمة مات بالقيروان، والأول أصح.
    وكان عكرمة كثير التطواف والجولان في البلاد: دخل خراسان وأصبهان ومصر وغيرها من البلاد.
    وعكرمة: بكسر العين المهملة وسكون الكاف وكسر الراء وفتح الميم وبعدها هاء ساكنة، وهو في الأصل اسم الحمامة الأنثى، فسمي به الإنسان.
    وعمارة بن حمزة مولى المنصور الموصوف بالتيه من أولاده، وقال الخطيب البغدادي: هو ابن ابنة عكرمة المذكور، والله أعلم.

المقنع الخراساني

    اسمه عطاء، ولا أعرف اسم أبيه وقيل اسمه حكيم، والأول أشهر؛ وكان في مبدأ أمره قصاراً من أهل مرو، وكان يعرف شيئاً من السحر والنيرجات فادعى الربوبية من طريق المناسخة، وقال لأشياعه والذين اتبعوه: إن الله سبحانه وتعالى تحول إلى صورة آدم، ولذلك قال للملائكة: اسجدوا له فسجد إلا إبليس فاستحق بذلك السخط، ثم تحول من آدم إلى صورة نوح عليه السلام، ثم إلى صورة واحد فواحد من الأنبياء عليهم السلام والحكماء حتى حصل في صورة أبي مسلم الخراساني - المقدم ذكره - ثم زعم أنه انتقل إليه منه، فقبل قوم  دعواه وعبدوه وقاتلوا دونه، مع ما عاينوا من عظيم ادعائه وقبح صورته، لأنه كان مشوه الخلق أعور ألكن قصيراً، وكان لا يسفر عن وجهه بل اتخذ وجهاً من ذهب فتقنع به، فلذلك قيل له " المقنع "، وإنما غلب على عقوله بالتمويهات التي أظهرها لهم بالسحر والنيرجات. وكان في جملة ما أظهر لهم صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين من موضعه، ثم يغيب، فعظم اعتقادهم به، وقد ذكر أبو العلاء المعري هذا القمر في قوله  :
    أفق إنما البدر المقنع رأسه ... ضلالٌ وغيٌ مثل البدر المقنع وهذا البيت من جملة قصيدة طويلة، وإليه أشار أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك الشاعر - الآتي ذكره - في جملة قصيدة طويلة بقوله  :
    إليك فما بدر المقنع طالعاً ... بأسحر من ألحاظ بدر المعمم
    ولما اشتهر أمر المقنع وانتشر ذكره ثار عليه الناس، وقصدوه في قلعته التي كان اعتصم بها وحصروه، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وسقاهن سماً فمتن منه ثم تناول شربة من ذلك السم فمات، ودخل المسلمون قلعته فقتلوا من فيها من أشياعه وأتباعه، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة، لعنه الله تعالى، ونعوذ بالله من الخذلان.
    قلت: ولم أر أحداً ذكر هذه القلعة وأين هي حتى أذكرها، ثم رأيت في كتاب الشهاب ياقوت الحموي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - الذي وضعه في معرفة المواضع المشتركة، فقال في باب سنام بفتح السين : إنها أربعة مواضع والموضع الرابع منها سنام قلعة عمرها المقنع الخارجي بما وراء النهر،
    والله أعلم، والظاهر أنها هذه القلعة، ثم وجدت في أخبار خراسان أنها هي، وأنها من رستاق كش، والله أعلم.

عطاء بن أبي رباح

    أبو محمد عطاء بن أبي رباح أسلم - وقيل سالم - بن صفوان مولى بني فهر أو جمح المكي، وقيل إنه مولى أبي ميسرة الفهري، من مولدي الجند؛ كان من أجلاء الفقهاء وتابعي مكة وزهادها، سمع جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وخلقاً كثيراً من الصحابة، رضوان الله عليهم، وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وقتادة وملك بن دينار والأعمش والأوزاعي وخلق كثير، رحمهم الله تعالى وإليه وإلى، وإلى مجاهد انتهت فتوى مكة في زمانهما. قال قتادة: أعلم الناس بالمناسك عطاء. وقال إبراهيم بن عمر ابن كيسان: أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحج صائحاً يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، وإياه عنى الشاعر بقوله:
    سل المفتي المكي هل في تزاورٍ ... وضمة مشتاق الفؤاد جناح
    فقال معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكبادٍ بهن جراح فلما بلغه البيتان قال: والله ما قلت شيئاً من هذا (2)
    [وحكي عن وكيع قال: قال لي أبو حنيفة النعمان بن ثابت: أخطأت في خمسة أبواب في المناسك بمكة فعلمنيها حجام، وذلك إني أردت أن أحلق 
    رأسي، فقال لي: أعربي أنت قلت: نعم، وكنت قد قلت له: بكم تحلق رأسي فقال: النسك لا يشارط فيه، اجلس، فجلست منحرفاً عن القبلة، فأومأ لي باستقبال القبلة، وأردت أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر، فقال: أدر شقك الأيمن من رأسك، فأدرته، وجعل يحلق رأسي وأنا ساكت فقال لي: كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب فقال: أين تريد قلت: رحلي فقال: صلي ركعتين وامض، فقلت: ما ينبغي أن يكون هذا من مثل هذا الحجام إلا ومعه علم، فقلت: من أين لك ما رأيتك أمرتني به فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل هذا.
    وحكي عن خليفة بن سلام عن يونس قال: سمعت الحسن البصري ذات يوم في مجلسه يقول: اعتبروا من المنافق بثلاث، إن حدث كذب، وإن اؤتمن خان وإن وعد أخلف، فبلغ ذلك عطاء فقال: قد كانت هذا الخلال الثلاث في ولد يعقوب، حدثوه فكذبوه، وائتمنهم فخانوه، ووعده فأخلفوه، فأعقبهم الله النبوة فبلغ الحسن فقال: {وفوق كل ذي علم عليم} (يوسف: 76)  .
    ونقل أصحابنا عن مذهبه أنه كان يرى إباحة وطء الجواري بإذن أربابهن؛ وحكى أبو الفتوح العجلي - المقدم ذكره في حرف الهمزة - في كتاب " شرح مشكلات الوسيط والوجيز " في الباب الثالث من كتاب الرهن ما مثاله: وحكي عن عطاء أنه كان يبعث بجواريه إلى ضيفانه، والذي أعتقد أنا أن هذا بعيد، فإنه ولو رأى الحل لكن المروءة والغيرة تأبى ذلك فكيف يظن هذا بمثل ذلك السيد الإمام ولم أذكره إلا لغرابته.
    وكلن أسود أعور أفطس أشل أعرج، ثم عمي، مفلفل الشعر. قال سليمان بن رفيع: دخلت المسجد الحرام والناس مجتمعون على رجل فاطلعت فإذا عطاء بن أبي رباح جالس كأنه غراب أسود.
    توفي سنة خمس عشرة ومائة، وقيل أربع عشرة ومائة، وعمره ثمان وثمانون سنة، رضي الله عنه، وقال ابن أبي ليلى: حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة، والله أعلم.
    ورباح: بفتح الراء والباء الموحدة.
    وأسلم: بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام.
    وفهر: بكسر الفاء وسكون الهاء وبعدها راء.
    وجمح: بضم الجيم وفتح الميم وبعدها حاء مهملة.
    والباقي معلوم.
    والجند: بفتح الجيم والنون وبعدها دال مهملة، وهي بلدة مشهورة باليمن خرج منها جماعة من العلماء، رحمهم الله تعالى.

عروة بن الزبير

    أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي، وبقية النسب معروف ؛ هو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة - وقد تقدم ذكر خمسة منهم كل واحد في بابه - وأبوه الزبير بن العوام أحد الصحابة العشرة المشهود لهم بالجنة وهو ابن صفية عمة النبي، صلى الله عليه وسلم. وأم عروة المذكور أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، هي ذات النطاقين وإحدى عجائز الجنة، وعروة شقيق أخيه عبد الله ابن الزبير، بخلاف أخيهما مصعب فإنه لم يكن من أمهما، وقد وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وسمع خالته عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، وروي عنه ابن شهاب الزهري وغيره. وكان عالماً صالحاً، وأصابته الأكلة في رجلة وهو بالشام عند مجلس الوليد بن عبد الملك، فقطعت رجله في مجلس الوليد، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه، فلم يتحرك ولم يشعر الوليد أنها قطعت حتى كويت فوجد رائحة الكي، هكذا قال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (3) ، ولم يترك ورده تلك الليلة، ويقال: إنه مات ولده محمد في تلك السفرة فلما عاد إلى المدينة قال: {لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} ، وعاش بعد قطع رجله ثماني سنين.
    وذكر أبو العباس المبرد في كتاب " التعازي " ما مثاله (1) : وقال إسحاق ابن أيوب وعامر بن جعفر بن حفص وسلمة بن محارب: قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ولده محمد بن عروة فدخل محمد دار الدواب فضربته دابة فخر ميتاً، ووقعت في رجل عروة الأكلة ولم يدع ورده تلك الليلة فقال له الوليد: اقطعها فقال: لا، فسرت إلى ساقه فقال له الوليد: اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك فقطها بالمنشار وهو شيخ كبير ولم يمسكه أحد وقال لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. وقدم تلك السنة قوم من بني عبس فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن عينيه فقال: يا أمير المؤمنين بت ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيلٌ فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير وصبي مولود وكان البعير صعباً فند، فوضعت الصبي واتبعت البعير، فلم أجاوز قليلاً حتى سمعت صيحة ابن ورأسه في فم الذئب وهو يأكله، فلحقت البعير لأحبسه فنفحني برجله على وجهي فحطمه وذهب بعيني، فأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر؛ فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاء.
    وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة وقال له: والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أربٌ في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض، إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء، ومن علمك ورأيك، نفعك الله وإيانا به، والله ولي ثوابك، والضمين بحسابك.
    وحكى سعيد بن أسد قال: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب قال: كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحتملون، وكان إذا دخله ردد هذه الأية فيه: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} (الكهف: 39) حتى يخرج منه. وكان يقرأ 
    ربع القرآن كل يوم نظراً في المصحف ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاد من الليلة المقبلة.
    وقال ابن قتيبة وغيره: لما دعي الجزار ليقطعها قال له: نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألماً، فقال: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافية، قالوا: فنسقيك المرقد، قال: ما أحب أن أسلب عضواً من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه، قال: ودخل عليه قوم أنكرهم، فقال: ما هؤلاء قالوا: يمسكونك فإن الألم ربما عزب معه الصبر، قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي، فقطعت كعبه بالسكين حتى إذا بلغ العظم وضع عليها المنشار فقطعت وهو يهلهل ويكبر، ثم أنه أغلي له الزيت في مغارف الحديد فحسم به، فغشي عليه، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه، ولما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقلبها في يده ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم إني ما مشيت بك إلى حرام، أو قال معصية، ولما دخل ابنه إصطبل الوليد بن عبد الملك وقتلته الدابة كما تقدم لم يسمع في ذلك منه شيء، حتى قدم المدينة فقال: اللهم، إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدة وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لطالما عافيت.
    ولما قتل أخوه عبد الله قدم عروة على عبد الملك بن مروان فقال له يوماً: أريد أن تعطيني سيف أخي عبد الله، فقال له: هو بين السيوف ولا أميزه من بينها، فقال عروة: إذا حضرت السيوف ميزته أنا، فأمر عبد الملك بإحضارها، فلما حضرت أخذ منها سيفاً مفلل الحد فقال: هذا سيف أخي، وقال عبد الملك: كنت تعرفه قبل الأن فقال: لا، فقال: كيف عرفته قال: بقول النابغة الذبياني:
    ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلولا من قراع الكتائب وعروة هذا هو الذي احتفر بئر عروة التي بالمدينة وهي منسوبة إليه وليس بالمدينة بئر أعزب من مائها. وكانت ولادته سنة اثنتين وعشرين، وقيل ست وعشرين للهجرة. وتوفي في قرية له بقرب المدينة يقال لها فرع - بضم الفاء وسكون الراء - وهي من ناحية الربذة، بينها وبين المدينة أربع ليال، وهي ذات نخيل ومياه، سنة ثلاث وتسعين، وقيل أربع وتسعين، ودفن هناك، قاله ابن سعد، وهي سنة الفقهاء، رضي الله عنهم، وسيأتي ذكر ولده هشام إن شاء الله تعالى.
    وذكر العتبي: أن المسجد الحرام جمع بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير وأخويه مصعب وعروة المذكور أيام تألفهم بعهد معاوية بن أبي سفيان، فقال بعضهم: هلم فلنتمنه، فقال عبد الله بن الزبير: منيتي أن أملك الحرمين وأنال الخلافة، وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين وأجمع بين عقيلتي قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وقال عبد الملك بن مروان: منيتي أن أملك الأرض كلها وأخلف معاوية، وقال عروة: لست في شيء مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة وأن أكون ممن يروى عنه هذا العلم، قال: فصرف الدهر من صرف إلا أن بلغ كل واحد منهم إلى أمله. وكان عبد الملك لذلك يقول: من شره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير.

شيذلة

    أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك بن منصور الجيلي، المعروف بشيذلة، الفقيه الشافعي الواعظ؛ كان فقيهاً فاضلاً واعظاً ماهراً فصيح اللسان حلو العبارة كثير المحفوظات، صنف في الفقه وأصول الدين والوعظ، وجمع كثيراً من أشعار العرب، وتولى القضاء بمدينة بغداد بباب الأزج، وكانت في أخلاقه حدة، وسمع الحديث الكثير من جماعة كثيرة، وكان يتظاهر بمذهب الأشعري. ومن كلامه: إنما قيل لموسى، عليه السلام، لن تراني لأنه لما قيل له انظر إلى الجبل نظر إليه، فقيل له: يا طالب النظر إلينا لم تنظر إلى سوانا
    يا مدعي بمقاله ... صدق المحبة والإخاء
    لو كنت تصدق في المقا ... ل لما نظرت إلى سوائي
    فسلكت سبل محبتي ... واخترت غيري في الصفاء
    هيهات أن يحوي الفؤا ... د محبتين على استواء 
    وقال: أنشدني والدي عند خروجه من بغداد للحج:
    مددت إلى التوديع كفاً ضعيفةً ... وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي
    فلا كان هذا العهد آخر عهدنا ... ولا كان ذا التوديع آخر زادي
    وتوفي يوم الجمعة سابع عشر صفر سنة أربع وتسعين وأربعمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز محاذياً للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمهما الله تعالى.
    وعزيزي: بفتح العين المهملة وزايين بينهما ياء مثناة من تحتها وهي ساكنة، وبعد الزاي الثانية ياء ثانية.
    وشيذلة: بفتح الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الذال المعجمة والام وبعدها هاء ساكنة، وهو لقب عليه، ولا أعرف معناه من كثرة كشفي عنه.

ركن الدين الطاوسي

    أبو الفضل العراقي بن محمد العراقي القزويني، الملقب ركن الدين، المعروف بالطاوسي؛ كان إماماً فاضلاً مناظراً محجاجاً، قيماً بعلم الخلاف ماهراً فيه،
    اشتغل به على الشيخ رضي الدين النيسابوري الحنفي صاحب الطريقة في الخلاف وبرز فيه، وصنف ثلاث تعاليق في الخلاف: مختصرة وثانية وثالثة مبسوطة، واجتمع عليه الطلبة بمدينة همذان، وقصدوه من البلاد البعيدة والقريبة للاستفادة عليه، وعلقوا تعاليقه. وبنى له الحاجب جمال الدين بهمذان مدرسة تعرف بالحاجبية، وطريقته الوسطى أحسن من طريقتيه الأخريين لأن فقهها كثير وفوائدها جمة، وأكثر اشتغال الناس في هذا الزمان بها، واشتهر صيته في البلاد وحملت طريقته إليها. وتوفي بهمذان في رابع عشر جمادى الآخرة سنة ستمائة، رحمه الله تعالى.
    ولم أعلم نسبة الطاوسي إلى أي شيء ولا ذكرها السمعاني، والله أعلم. وسمعت جماعة من الفقهاء من أهل بلاده يقولون: إن في قزوين خلقاً كثيراً ينتسبون هذه النسبة، ويزعمون أنهم من نسل طاووس بن كيسان  التابعي المذكور قبل هذا، فلعله منهم، والله أعلم.

عدي الهكاري

    الشيخ عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن الحسن بن مروان، كذا أملى نسبه بعض ذوي قرابته الهكاري مسكناً، العبد الصالح المشهور الذي تنسب إليه الطائفة العدوية؛ سار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير، وجاوز حين اعتقادهم فيه الحد، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها، وكان قد صحب جماعة كثيرة من أعيان المشايخ والصلحاء المشاهير [مثل عقيل المنبجي وحماد الدباس وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي وعبد القادر الجيلي وأبي الوفاء الحلواني] ثم انقطع إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل، وبنى له هناك زاوية، ومال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلاً لم يسمع لأرباب الزوايا مثله.
    وكان مولده في قرية يقال لها بيت فار من أعمال بعلبك، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن. وتوفي الشيخ سنة سبع، وقيل خمس وخمسين وخمسمائة، في بلده بالهكارية ودفن بزاويته، رحمه الله تعالى؛ وقبره عندهم من المزارات المعدودة، والمشاهد المقصودة، وحفدته إلى الآن بموضعه يقيمون شعاره ويقتفون آثاره، والناس معهم على ما كانوا عليه زمن الشيخ من جميل الاعتقاد وتعظيم الحرمة.
    وذكره أبو البركات ابن المستوفي في " تاريخ إربل " وعده من جملة الواردين على إربل. وكان مظفر الدين صاحب إربل، رحمه الله تعالى، يقول: رأيت 
    الشيخ عدي بن مسافر وأنا صغير بالموصل، وهو شيخ ربعهٌ أسمر اللون، وكان يحكي عنه صلاحاً كثيراً، وعاش الشيخ عدي تسعين سنة، رحمه الله تعالى.

الملك العزيز ابن صلاح الدين

    الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ كان نائباً عن أبيه في الديار المصرية لما كان أبوه بالشام، وتوفي أبوه بدمشق، فاستقل بملكتها باتفاق من الأمراء، كما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه. وكان ملكاً مباركاً كثير الخير واسع الكرم محسناً إلى الناس معتقداً في أرباب الخير والصلاح؛ وسمع بالإسكندرية الحديث من الحافظ السلفي والفقيه أبي الطاهر ابن عوف الزهري، وسمع بمصر من العلامة أبي محمد ابن بري النحوي وغيرهم. ويقال إن والده كان يؤثره على بقية أولاده، ولما ولد له الملك المنصور ناصر الدين محمد كان والده بالشام والقاضي الفاضل بالقاهرة فكتب إليه يهنئه " المملوك يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر، دام رشده وإرشاده، وزاد سعده وإسعاده، وكثرت أولياؤه وعبيده وأعداده، واشتد بأعضاده فيهم اعتضاده، وأنمى الله عدده حتى يقال هذا آدم الملوك وهذه أولاده، وينهي أن الله تعالى وله الحمد رزق الملك العزيز عز نصره ولداً مباركاً علياً، ذكراً سرياً، براً زكياً تقياً نقياً، من ذرية كريمة بعضها من بعض، وبيت شريف كادت ملوكه تكون ملائكة في السماء ومماليكه ملوكاً في الأرض ".
    وكانت ولادة الملك العزيز بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة، وكان قد توجه إلى الفيوم، فطرد فرسه وراء صيد فتقطر به فأصابته الحمى من ذلك وحمل إلى القاهرة، فتوفي بها في الساعة السابعة من ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.نقلت من خط القاضي الفاضل فصلاً يتعلق بالملك العزيز بن صلاح الدين، رحمه الله تعالى، ما مثاله: لما كان يوم السبت تاسع عشر المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة اشتد المرض بالملك العزيز وخيف عليه، وأدركه في ليلته فواقٌ وأخذ نبضه في الضعف وأصبح الطبيب على إياسٍ منه، ثم لما كان وقت الظهر وقعت البشرى أنه أفاق وحضر ذهنه، وكلم من حوله وحضر إليه الأمراء والخواص، ثم قال بعد ذلك: إلى أن كان وقت العتمة من ليلة الأحد، فبدت قوته تخور، والفواق يشتد وبغته الأمر وعظمت الحمى وصغر النبض وكثر عليه الغشي، وكانت وفاته في الساعة السابعة من ليلة الأحد، ولما كان في آخر الليل خرج فخر الدين جهاركس وأسد الدين سراسنقر وجماعة من المماليك واستدعوا الأمراء فأحضرت وأعلمت بوفاته، وقال المذكورون: إنا قد اجتمعت كلمتنا على أن يكون ولد العزيز الأكبر وتقدير عمره عشر سنين واسمه محمد ولقبه ناصر الدين المنتصب في السلطنة والقائم بالأمر، وأن يكون أتابكه بهاء الدين قراقوش، وقالوا: قد كان السلطان استناب هذا الولد واستخلف على تربيته قراقوش، ونريد أن يجتمع الأمراء، ويخرج الخدام يبلغونهم رسالة عن السلطان وأنه حي، ومعنى الرسالة أن هذا ولدي سلطانكم من بعدي، فاحلفوا له واحفظوني فيه، فقلت لهم: فإن طالبكم الأمراء بسماع هذه المشافهة من السلطان ما الذي تقولون لهم فرجعوا إلى أن يخاطبوا الأمراء إذا حضروا بأن السلطان وصى بهذه الوصية، وأنه قد قضى، ويدخلون عليهم من جانب الموافاة لجد هذا الصبي وأبيه، فقلت لهم: لا تنتظروا اجتماع الأمراء، فإنهم إن حضروا جملة فلا تأمنوا أن يمتنعوا جملة، بل كل من حضر من الأمراء تقولون له: قد اتفقنا فكن معنا، وقد حلفنا فاحلف كما حلفنا، وقدموا المصحف وأسرعوا في تلقينه، فجرى الأمر على هذا، فلما تكامل الحلف أو أكثره أحضروا الولد، فبكى الناس لما رأوه وصاحوا وقاموا إليه، ووقفوا بين يديه، جميع ذلك قبل أن يسفر صباح الأحد، ثم صليت فريضة الفجر، وشرعوا في تجهيز الملك العزيز إلى قبره، وغسل في مكان موته، واجتمع الناس فيما بين الظهر والعصر للصلاة عليه، وكثر الزحام، وقامت الواعية، فلم يخلص 
    من دفنه إلى قريب المغرب، وخوطب ولده بالملك الناصر بلقب جده في هذا اليوم .
    ولما مات كتب القاضي الفاضل إلى عمه الملك العادل رسالة يعزيه، من جملتها: " فنقول في توديع النعمة بالملك العزيز: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، قول الصابرين، ونقول في استقبالها (2) بالملك العادل: الحمد لله رب العالمين، قول الشاكرين، وقد كان من أمر هذه الحادثة ما قطع كل قلب، وجلب كل كرب، ومثل وقوع هذه الواقعة لكل أحد ولا سيما لأمثال المملوك، ومواعظ الموت بليغة، وأبلغها ما كان في شباب الملوك، فرحم الله ذلك الوجه ونضره، ثم السبيل إلى الجنة  يسره.
    وإذا محاسن أوجهٍ بليت ... فعفا الثرى عن وجهه الحسن والمملوك في حال تسطير هذه الخدمة جامع بين مرضي قلب وجسد، ووجع أطراف وغليل كبد، فقد فجع المملوك بهذا المولى والعهد بوالده غير بعيد، والأسى في كل يوم جديد، وما كان ليندمل ذلك القرح، حتى أعقبه هذا الجرح، فالله تعالى لا يعدم المسلمين بسلطانهم الملك العادل السلوة، كما لم يعدمهم بنبيهم صلى الله عليه وسلم الأسوة ". ودفن بالقرافة الصغرى في قبة الإمام الشافعي، رضي الله عنه، وقبره معروف هناك.

أبو عمرو ابن الحاجب

    أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر ابن يونس الدوني ثم المصري الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب، الملقب جمال الدين؛ كان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي وكان كردياً، واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقاهرة في صغره بالقرآن الكريم، ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك، رضي الله عنه، ثم بالعربية والقراءات، وبرع في علومه وأتقنها غاية الإتقان، ثم انتقل إلى دمشق ودرس بجامعها في زاوية المالكية، واكب الخلق على الاشتغال عليه، والتزم لهم الدروس وتبحر في الفنون، وكان الأغلب عليه علم العربية، وصنف مختصراً في مذهبه، ومقدمة وجيزة في النحو، وأخرى مثلها في التصريف وشرح المقدمتين :
    أي غدٌ مع يدٍ ددٍ ذي حروفٌ ... طاوعت في الروي وهي عيون
    ودواة والحوت والنون نونا ... ت عصتهم وأمرها مستبين 
    وهو جواب عن البيتين المشهورين وهما:
    ربما عالج القوافي رجالٌ ... في القوافي فتلتوي وتلين
    طاوعتهم عينٌ وعين وعين ... وعصتهم نون ونون ونون
     فيعني بقوله " عين وعين وعين " نحو غد ويدٍ وددٍ، فإن وزن كل منها " فع " إذ أصل غد: غدوٌ ويد: يديٌ ودد: ددن، وبقوله " نون ونون ونون " الدواة والحوت والنون الذي هو الحرف، وله أيضاً في أسماء قداح الميسر ثلاثة أبيات، وهي:
    هي فذ وتوأم ورقيب ... ثم حلس ونافس ثم مسبل
    والمعلى والوغد ثم سفيح ... ومنيح وذي الثلاثة تهمل
    ولكلٍ مما عداها نصيب ... مثله أن تعد أول أول
    وصنف في أصول الفقه، وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة عنها، وكان من أحسن خلق الله ذهناً.
    ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه، وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات، وسألته عن مواضع في العربية مشكلة، فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام، ومن جملة ما سألته عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط في قولهم " إن أكلت إن شربت فأنت طالق " لم تعين تقديم الشرب على الأكل بسبب وقوع الطلاق حتى لو أكلت ثم شربت لا تطلق وسألته عن بيت أبي الطيب المتنبي وهو قوله:
    لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم ما السبب الموجب لخفض مصطبر ومقتحم، ولات ليست من أدوات الجر فأطال الكلام فيهما وأحسن الجواب عنهما، ولولا التطويل لذكرت ما قاله. ثم انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها، فلم تطل مدته هناك، وتوفي بها ضاحي نهار الخميس السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة، ودفن خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شامة؛ وكان مولده في آخر سنة سبعين وخمسمائة بأسنا، رحمه الله تعالى.
    وأسنا: بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف، وهي بليدة صغيرة من الأعمال القوصية بالصعيد الأعلى من مصر.

ابن جني

    أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي المشهور؛ كان إماماً في علم العربية، قرأ الأدب على الشيخ أبي علي الفارسي - المقدم ذكره في حرف الحاء - وفارقه وقعد للإقراء بالموصل، فاجتاز بها شيخه أبو علي فرآه في حلقته والناس حوله يشتغلون عليه، فقال له " زببت وأنت حصرم "، فترك حلقته وتبعه ولازمه حتى تمهر.
    وكان أبوه جني مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، وإلى هذا أشار بقوله في جملة أبيات:
    فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي
    على أني أؤول إلى ... قرومٍ سادة نجب
    قياصرة إذا نطقوا ... أرم الدهر ذو الخطب
    أولاك دعا النبي لهم ... كفى شرفاً دعاء نبي " أرم " بمعنى سكت.
    وله أشعار حسنة، ويقال أنه كان أعور، وفي ذلك يقول - وقيل إن هذه الأبيات لأبي منصور الديلمي:
    صدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نية فاسده
    فقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحده
    ولولا مخافة أن لا أراك ... لما كان في تركها فائده
    ورأيت له قصيدة بائية يرثي بها المتنبي ولولا طولها لأتيت بها  .
    وأما أبو منصور الديلمي فالمشهور عنه غير هذه التسمية، وأنه أبو الحسن علي بن منصور، وكان أبوه من جند سيف الدولة بن حمدان، وكان شاعراً مجيداً خليعاً، وكان بفرد عين، وله في ذلك أشياء مليحة فمن ذلك قوله:
    يا ذا الذي ليس له شاهدٌ ... في الحب معروفٌ ولا شاهده
    شواهدي عيناي إني بها ... بكيت حتى ذهبت واحدة
    وأعجب الأشياء أن التي ... قد بقيت في صحبتي زاهده وله في غلام جميل الصورة بفرد عين، وقد أبدع فيه:
    له عين أصابت كل عين ... وعين قد أصابتها العيون ولابن جني من التصانيف المفيدة في النحو كتاب " الخصائص " و " سر الصناعة " و " المنصف في شرح تصريف أبي عثمان المازني " و " التلقين في النحو " و " التعاقب " و " الكافي في شرح القوافي " للأخفش، و " المذكر والمؤنث " و " المقصور والممدود " و " التمام في شرح شعر الهذليين " و " المنهج في اشتقاق أسماء شعراء الحماسة " ومختصر في العروض ومختصر في القوافي و " المسائل الخاطريات " و " التذكرة الأصبهانية " و " مختار تذكرة أبي علي الفارسي " وتهذيبها و " المقتضب " في المعتل العين و " اللمع " و " التنبيه " و " المهذب " و " التبصرة " وغير ذلك، ويقال: إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أخذ منه أسماء كتبه، فإن له " المهذب " و " التنبيه " في الفقه، و " اللمع " و " التبصرة " في أصول الفقه. وشرح ابن جني ديوان المتنبي وسماه الفسر  
    وكان قد قرأ الديوان على صاحبه، ورأيت في شرحه قال: سأل شخص أبا الطيب المتنبي عن قوله:
    بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا ... فقال: كيف أثبت الألف في " تصبرا "
    مع وجود لم الجازمة، وكان من حقه أن يقول " لم تصبر "، فقال المتنبي: لو كان أبو الفتح هاهنا لأجابك، يعنيني، وهذه الألف هي بدل من نون التأكيد الخفيفة، كان في الأصل " لم تصبرن " ونون التأكيد الخفيفة إذا وقف الإنسان عليها أبدل منها ألفاً، قال الأعشى:
    ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا ... وكان الأصل فاعبدن فلما وقف أتى بالألف بدلاً.
    وكانت ولادة ابن جني قبل الثلاثين والثلثمائة بالموصل. وتوفي يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، ببغداد.
    وجني: بكسر الجيم وتشديد النون وبعدها ياء.

تقي الدين ابن الصلاح

    أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الشهرزوري المعروف بابن الصلاح، الشرخاني الملقب تقي الدين، الفقيه الشافعي؛ كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسددة وهو أحد أشياخي الذين انتفعت بهم. قرأ الفقه أولاً على والده الصلاح وكان من جلة مشايخ الأكراد المشار إليهم، ثم نقله والده إلى الموصل واشتغل بها مدة، وبلغني أنه كرر على جميع كتاب " المهذب " ولم يطر شاربه، ثم إنه تولى الإعادة عند الشيخ العلامة عماد الدين أبي حامد ابن يونس بالموصل أيضاً، وأقام قليلاً ثم سافر إلى خراسان فأقام بها زماناً وحصل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام وتولى التدريس بالمدرسة الناصرية بالقدس المنسوبة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى، وأقام بها مدة، واشتغل الناس عليه وانتفعوا به، ثم انتقل إلى دمشق وتولى تدريس المدرسة الرواحية التي أنشأها الزكي أبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد ابن رواحة الحموي، وهو الذي أنشأ المدرسة الرواحية بحلب أيضاً. ولما بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب، رحمه الله تعالى، دار الحديث بدمشق فوض تدريسها إليه. واشتغل الناس عليه بالحديث، ثم تولى تدريس ست الشام زمرد خاتون بنت أيوب - وهي شقيقة شمس الدولة توران شاه بن أيوب المقدم ذكره التي هي داخل البلد قبلي البيمارستان النوري، وهي التي بنت المدرسة الأخرى ظاهر دمشق، وبها قبرها وقبر أخيها المذكور وزوجها ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص - فكان يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير إخلال بشيء منها إلا لعذر ضروري لابد منه، وكان من العلم والدين على قدم حسن، وقدمت عليه في أوائل شوال سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وأقمت عنده بدمشق ملازم الاشتغال مدة سنة.
    وصنف في علوم الحديث كتاباً نافعاً، وكذلك في مناسك الحج جمع فيه أشياء حسنة يحتاج الناس إليها، وهو مبسوط، وله إشكالات على كتاب " الوسيط " في الفقه، وجمع بعض أصحابه فتاويه في مجلد. ولم يزل أمره جارياً على سداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلي عليه بعد الظهر، وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر، رحمه الله تعالى. ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة بشرخان.
     وتوفي والده الصلاح ليلة الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان عشرة وستمائة بحلب، ودفن خارج باب الأربعين في الموضع المعروف بالجبل بتربة الشيخ علي بن محمد الفارسي، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين
    وخمسمائة تقديراً لأنه كان لا يتحققه، وتولى بحلب تدريس المدرسة الأسدية المنسوبة إلى أسد الدين شيركوه بن شاذي - المقدم ذكره - وكان قد دخل بغداد واشتغل بها، واشتغل أيضاً على شرف الدين بن أبي عصرون - المقدم ذكره.
    والنصري: بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى جده أبي نصر المذكور.
    وشر خان: بفتح الشين المثلثة والراء والخاء المعجمة وبعد الألف نون، قرية من أعمال إربل قريبة من شهرزور.
     وتوفي الزكي ابن رواحة المذكور يوم الثلاثاء سابع رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية، وذكر الشهاب عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في تاريخه المرتب على السنين  أنه مات سنة ثلاث وعشرين.
     وتوفيت ست الشام بنت أيوب المذكورة في سنة ست عشرة وستمائة يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة، رحمها الله تعالى  .
    وروي عن تقي الدين المعروف بابن الصلاح، رحمه الله تعالى، أنه قال: أخبرني الشيخ الصالح علي بن الرواس، قدس الله روحه، قال: ألهمت في النوم هذه الكلمات: ادفع المسألة ما وجدت التجمل يمكنك، فإن لكل يوم رزقاً جديداً، والإلحاح في الطلب يذهب البهاء، وما أحسن الصنيع إلى الملهوف، وربما كانت الغير نوعاً من أدب الله تعالى، والحظوظ مراتب فلا تعجل على ثمرةٍ قبل أن تدرك، فإنك ستنالها في أوانها، ولا تعجل في حوائجك فتضيق بها ذرعاً ويغشاك القنوط، والله أعلم.