الجمعة، 22 يناير 2021

المطرزي(538-611)

ابو الفتح ناصر بن أبي المكارم عبد السيد بن علي المطرزي الفقيه الحنفي النحوي  الأديب الخوارزمي؛ كانت له معرفة تامة بالنحو واللغة والشعر وأنواع الأدب، قرأ ببلده على أبيه وعلى أبي المؤيد الموفق بن أحمد بن محمد المكي خطيب خوارزم وغيرها، وسمع الحديث من أبي عبد الله بن محمد بن علي بن أبي سعد التاجرغيره وكان تام المعرفة بفنه، رأساً في الاعتزال داعياً إليه، ينتحل مذهب الإمام أبي حنيفة، رضي الله عنه في الفروع، فصيحاً، وكان في الفقه فاضلاً وله عدة تصانيف نافعة منها: " شرح المقامات " للحريري، وهو على وجازته مفيد محصل للمقصود، وله كتاب " المغرب " تكلم فيه الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من الغريب، وهو للحنفية بمثابة كتاب الأزهري للشافعية، وما أقصر فيه، فإنه أتى جامعاً للمقاصد، وله " المعرب في شرح المغرب " وهو كبير وقليل الوجود، وله " الإقناع " في اللغة و " مختصر الإقناع " و " مختصر إصلاح المنطق " و " الصباح " في النحو و " المقدمة " المشهورة في النحو أيضاً، وله غير ذلك، وانتفع الناس به وبكتبه.
ودخل بغداد حاجاً سنة إحدى وستمائة وكان معتزلي الاعتقاد، وجرى له هناك مباحث مع جماعة من الفقهاء، وأخذ أهل الأدب عنه. وكان سائر الذكر مشهور السمعة بعيد الصيت. وله شعر، فمن ذلك - وفيه صناعة:
وزند ندى فواضله وري ... ورند ربا فضائله نضير
ودر جلاله أبداً ثمين ... ودر نواله أبداً غزير 
وله أيضاً:
وإني لأستحي من المجد أن أرى ... حليف غوانٍ أو أليف أغاني 
وله أيضاً:
تعامى زماني عن حقوقي وإنه ... قبيح على الزرقاء تبدي تعاميا
فإن تنكروا فضلي فأن رغاءه ... كفى لذوي الأسماع منكم مناديا 
وله أشعار كثيرة يستعمل فيها التجانيس.
وكانت ولادته في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بخوارزم، وهو كما يقال خليقة الزمخشري، فإنه توفي في تلك السنة بتلك البلدة كما سبق في ترجمته.
وتوفي المطرزي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر وستمائة بخوارزم أيضاً، رحمه الله تعالى، ورثي بأكثر من ثلثمائة قصيدة عربية وفارسية.
والمطرزي: بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء وكسرها ة بعدها زاي، هذه النسبة إلى من يطرز الثياب ويرقمها، ولا أعلم هل كان يتعاطى ذلك بنفسه، أم كان في آبائه من يتعاطى ذلك فنسب له، والله أعلم

نافع المقرئ

أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، مولى جعونة بن شعوب الشجعي، المقرئ المدني أحد القراء السبعة؛ كان إمام أهل المدينة والذي صاروا إلى قراءته ورجعوا إلى اختياره، وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة، رضوان الله عليهم، وكان محتسباً فيه دعابة، وكان أسود شديد السواد، قال ابن أبي أويس، قال لي مالك رضي الله عنه: قرأت على نافع، وقال الأصمعي، قال لي نافع: أصلي من أصبهان، هكذا قاله الحافظ أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " وكان قرأ على أبي ميمونة مولى أم سلمة زوج رسول الله  صلى الله عليه وسلم، وكان له راويان: ورش، وقنبل، وقد سبق ذكرهما في حرف العين . وتوفي نافع المذكور سنة تسع وخمسين، وقيل غير ذلك، بالمدينة، والأول أصح. وقيل إن كنيته أبو الحسن، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو نعيم، والله أعلم بالصواب.
وجعونة: بفتح الجيم وسكون العين المهملة وفتح الواو والنون وبعدها هاء ساكنة، وهو في الأصل اسم الرجل القصير، ثم سمي به الرجل وإن لم يكن قصيراً وجعل علماً عليه، وكان جعونة حليف حمزة بن عبد المطلب، وقيل حليف العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنهما، وقيل حليف بني هاشم.
وشعوب: بفتح الشين المعجمة وضم العين المهملة وسكون الواو وبعدها باء موحدة، وهو في الأصل اسم المنية.
والشجعي: بكسر الشين المعجمة وسكون الجيم وبعدها عين المهملة، هذه النسبة إلى بني سجع، وهم من بني عامر بن ليث، ولم يتعرض السمعاني إلى ذكر هذه النسبة

نافع مولى أبن عمر

ابو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهم؛ كان ديلمياً، وأصابه مولاه عبد الله بن عمر في غزاته، وهو من كبار الصالحين  التابعين، سمع مولاه وأبا سعيد الخدري، وروى عنه الزهري وأيوب السختياني ومالك بن أنس، رضي الله عنهم. وهو من المشهورين بالحديث، ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به، ومعظم حديث ابن عمر عليه دار. وقال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد؛ وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة.
وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، رحمه الله تعالى، في كتاب " المهذب " في باب الوليمة والنثر عن نافع قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، فسمع زمارة راع، فوضع إصبعيه في أذنيه ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع حتى قلت: لا، فأخرج إصبعيه عن أذنيه ثم رجع إلى الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع.
وفي هذا الأثر إشكال تسأل  عنه الفقهاء، وهو أن عمر كيف سد أذنيه.
عن استماع صوت الزمارة، ولم يأمر مولاه نافعاً بفعل ذلك بل مكنه منه، وكان يسأله كل وقت: هل انقطع الصوت أم لا وقد أجابوا عن الإشكال بأن نافعاً حينئذ كان صبياً، فلم يكن مكلفاً حتى يمنعه من الاستماع، ويرد على هذا الجواب سؤال آخر، وهو أن الصحيح أن أخبار الصبي غير مقبول، فكيف ركن ابن عمر إلى إخباره في انقطاع الصوت وهذا الأثر يعضد حجة من قال: إن رواية الصبي مقبولة، وفي ذلك خلاف مشهور، وليس هذا موضع الكلام عليه.
وأخبار نافع كثيرة؛ وتوفي سنة سبع عشرة، وقيل سنة عشرين ومائة، رضي الله عنه.

الخميس، 7 يناير 2021

مهيار الديلمي

ابو الحسن مهيار بن مروزيه الكاتب الفارسي الديلمي الشاعر المشهور؛ كان مجوسياً فأسلم، ويقال إن سلامه كان على يد الشريف الرضي أبي الحسن محمد الموسوي - المقدم ذكره - وهو شيخه، وعليه تخرج في نظم الشعر، وقد وازن كثيراً من قصائده. وذكر شيخنا ابن الأثير الدزري في تاريخه  أنه أسلم في سنة أربع وتسعين وثلثمائة، فقال له أبو القاسم ابن برهان: يا مهيار قد انتقلت بأسوبك في النار من زاوية إلى زاوية، فقال: وكيف ذاك قال: كنت مجوسياً فصرت تسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعرك.
وكان شاعراً جزل القول، مقدماً على أهل وقته، وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلدات، وهو رقيق الحاشية طويل النفس في قصائده.
ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد وأثنى عليه وقال: كنت أراه يحضر جامع المنصور في أيام الجمعات، يعني ببغداد، ويقرأ عليه ديوان شعره ولم يقدر لي أسمع منه شيئاً.
وذكره أبو الحسن الباخرزي - المقدم ذكره - في كتاب دمية القصر فقال في حقه: هو شاعر، له مناسك الفضل مشاعر، وكاتب، تجلى تحت كل كلمة من كلماته كاعب، وما في قصيدة من قصائده بيت، يتحكم عليه لو وليت، وهي مصبوبة في قوالب القلوب، وبمثلها يعتذر الزمان المذنب عن الذنوب؛ ثم عقب هذا الكلام بذكر مقاطيع من شعره وأبيات من جملة قصائده.
وذكره أبو الحسن علي بن بسام في كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة وبالغ في الثناء عليه وذكر شيئاً من شعره. ومن نظمه المشهور قصيدته التي أولها  :

سقى دارها بالرقمتين وحياها ... ملث يحيل الترب في الدار أموالها ومنها:

وكيف بوصل الحبل من أم مالك ... وبين بلادينا زرود وحبلاها

يراها بعين الشوق قلبي على النوى ... فيحظى، ولكن من لعيني برؤياها

فلله ما أصفى وأكدر حبها ... وأبعدها مني الغداة وأدناها

إذا استوحشت عيني أنست بأن أرى ... نظائر تصبيني إليها وأشباها

وأعتنق الغصن الرطيب لقدها ... وأرشف ثغر الكأس أحسبه فاها

ويوم الكئيب استرشقت لي ظبية ... مولهة قد ضل بالقاع خشفاها

يدله خوف الثكل حبة قلبها ... فتزداد حسناً مقلتاها وليتاها

فما ارتاب طرفي فيك يا أم مالك ... على صحة التشبيه أنك إياه

إن لم تكوني خدها وجبينها ... فإنك أنت الجيد أو أنت عيناها

ألومه في حب دار عزيزة  ... يشق على رجم المطامع مرماها

دعوه ونجداً إنها شأن قلبه ... فلو أن نجداً تلعة ما تعداها

وهبكم منعتم أن يراها بعينه ... فهل تمنعون القلب أن يتمناها

وليل بذات الأثل قصر طوله ... سرى طيفها، آها لذكرته آها

تخطت إلي مشياً على الهوى ... وأخطاره، لا يصغر الله ممشاها

وقد كاد أسداف الدجى أن تضلها ... فما دلها إلا وميض ثناياها 
وله من أبيات  :

إن التي علقت قلبك حبها ... راحت بقلب منك غير علوق

عقدت ضمان وفائها من خصرها ... فوهى، كلا العقدين غير وثيق ومن سائر شعره أيضاً قوله رحمه الله تعالى (3) :

بكر العارض تحدوده النعامي ... فساقك الري يا دار أماما

[وتمشت فيك أنفاس الصبا ... يتناجين بأنفاس الخزامى

وبجرعاء الحمى قلبي فعج ... بالحمى واقرأ على قلبي السلاما

وترجل فتحدث عجبا ... أن قلباً سار عن جسم أقاما

قل لجيران الغضى آها على ... طيب عيش بالغضى لو كان داما

نصل العام ولا ننساكم ... وقصارى الوجد أن نسلخ عاما

حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحاً وثماما

ابعثوا أشباحكم في الكرى ... إن أذنتم لجفوني أن تناما وهي قصيدة طويلة نقتصر من أطايبها على هذا القدر طلباً للاختصار. ومن رقيق شعره قصيدته التي منها 

أرقت فهل لهاجعة بسلع ... على الأرقين أفئدة ترق

نشتك بالمودة ياابن ودي ... فإنك بي من ابن أبي حق

أسل بالجزع دمعك إن عيني ... إذا استبررتها (2) دمعا تعق

وإن شق البكاء على المعافى ... فلم أسألك إلا ما يشق وله في القناعة، وقد أحسن (3) فيها كل الاحسان (4) :

يلحى علىالبخل الشحيح بماله ... أفلا تكون بماء وجهك أنجلا

أكرم يديك عن السؤال فإنما ... قدر الحياة أقل من أن تسألا

ولقد أضم إلي فضل قناعتي ... وأبيت مشتملاُ بها متزملا

وأري العدو على الخاصاصة شارة ... تصف الغنى فيخالني متمولا

وإذا امرؤ أفنى االليالي حسرة ... وأمانيا أفنيتهن توكلا ومن بدبع مدائحه (5) قوله من جملة قصيدة:

وإذا رأوك تفرقت أرواحهم ... فكأنما عرفتك قبل الأعين

وإذا أردت بأن تفل كتيبة ... لاقيتها فتسم فيها واكتن وله من جملة قصيدة أبيات تتضمن العتب
إذا صور الإشفاق لي كيف أنتم ... وكيف إذا ما عن ذكري صرتم

تنفست عن عتب، فؤادي مفصحٌ ... به، ولساني للحافظ يجمجم

وفي فيّ ماءٌ من بقايا ودادكم ... كثيراً به من ماء وجهي أرقتم

أضم فمي ضنا عليه وبينه ... وبين انسكاب ريثما أتكلم وديوانه مشهور فلا حاجة إلى الإطالة في إيراد محاسنه.

ويعجبني كثيراً قوله من جملة قصيدة طويلة بيت واحد وهو 

بنا أنتم من ظاعنين وخلفوا ... قلوباً أبت أن تعرف الصبر عنهم 
وتوفي ليلة الأحد لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.

وفي تلك السنة توفي الرئيس أبو علي ابن سينا الحكيم المشهور - حسبما تقدم ذكره في ترجمته- رحمهما الله تعالى؛ رأيت في بعض التواريخ أنه توفي سنة ست عشرين، والأول أصح، والله أعلم.

وذكر الباخرزي المذكور في كتابه " الدمية " أيضاً ولده الحسين بن المهيار، ونسب إليه القصيدة الحائية التي من جملتها:

يا نسيم الريح من كاظمة ... شطر ثانيشد ما هجت البكا والبرحا 
وهي قصيدة طويلة، وهي من مشاهير قصائد مهيار، ولا أعلم من أين وقع له هذا الغلط.

ومهيار: بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف راء.

ومرزويه: بفتح الميم وسكون الراء وفتح الزاي والواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم هاء ساكنة، وهما اسمان فارسيان لا أعرف معناهما

الثلاثاء، 5 يناير 2021

المهلب بن أبي صفرة

أبو سعيد المهلب بن أبي صفرة - كانت له بنت اسمها صفرة وبها كان يكنى - واسمه ظالم بن سراق بن صبح بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن الارث بن العتيك بن الأزد، ويقال الأسد بالسين الساكنة، ابن عمران بن عمرو مزيقياء ابن عامر ماء السماء بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، الازدي العتكي البصري؛ قال الواقدي: كان أهل دبا أسلموا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتدوا بعده ومنعوا الصدقة، فوجه إليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه عكرمة بن أبي جهل المخزومي رضي الله عنه، فقاتلهم فهزمهم وأثخن فيهم القتل، وتحصن فلهم في حصن لهم وحصرهم المسلمون، ثم نزلوا على حكم حذيفة بن اليمان، فقتل مائة من رؤسائهم  ، وسبى ذراريهم، وبعثهم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفيهم أبو صفرة غلام لم يبلغ، فأعتقهم أبو بكر رضي الله عنه وقال: اذهبوا حيث شئتم، فتفرقوا، فكان أبو صفرة ممن نزل البصرة.
وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف: هذا الحديث باطل، أخطأ فيه الواقدي لأن أبا صفرة لم يكن في هؤلاء ولا رآه أبو بكر قط، وإنما وفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو شيخ أبيض الرأس واللحية، فأمره أن يخضب فخضب، وكيف يكون غلاماً في زمن أبي بكر، وقد ولد المهلب وهو من أصاغر ولده قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين  . وقد كان في ولده من قبل وفاةالنبي صلى الله عليه وسلم بثلاثين سنة أو أكثر.
كان المهلب المذكور من أشجع الناس، وحمى البصرة من الخوارج، وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز استقضى أبو العباس المبرد في كتابه الكامل أكثرها، فهي تسمى بصرة المهلب لذلك، ولولا طولها وانتشار وقائعها لذكرت طرفاً منها.
وكان سيداً جليلاً نبيلاً، روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير أيام خلافته بالحجاز والعراق وتلك النواحي، وهو يومئذ بمكة، فخلا به عبد الله يشاوره، فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن امية بن خلف بن وهب القرشي الجمحي فقال: من هذا الذي قد شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا قال: أو ماتعرفه قال: لا، قال: هذا سيد أهل العراق، قال: فهو المهلب بن أبي صفرة، قال: نعم، فقال المهلب: من هذا يا أمير المؤمنين قال: هذا سيد قريش، فقال: فهو عبد الله بن صفوان، قال: نعم ال ابن قتيبة في المعارف  : ولم يكن يعاب بشيء إلا بالكذب وفيه قيل: راح يكذب، ثم قال ابن قتيبة بعد هذا: وأنا أقول: كان المهلب أتقى الناس لله عزوجل، وأشرف وأنبل من أن يكذب، ولكنه كان محرباً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحرب خدعة، وكان يعارض الخوارج بالكلمة فيوري بها من غيرها، يرهب بها الخوارج، وكانوا يسمونه الكذاب ويقولون: راح يكذب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حرباً ورى بغيرها.
وقال أبو العباس المبرد في الكامل  في شرح أبيات رمي فيها المهلب بالكذب، ما صورته: وقوله الكذاب لأن المهلب كان فقيهاً، وكان يعلم ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله " كل كذب يكتب كذباً إلا ثلاثة: الكذب في الصلح بين الرجلين، وكذب الرجل لامرأته يعدها، وكذب الرجل في الحرب يتوعد ويتهدد ". وكان المهلب ربما صنع الحديث ليشد به أمر المسلمين ويضعف به من أمر الخوارج، وكان حي من الأزد بقال لهم الندب إذا رأوا المهلب رائحاً قالوا: قد راح المهلب يكذب، وفيه يقول رجل منهم:
أنت الفتى كل الفتى ... لو كنت تصدق ما تقول 
وذكر المبرد في كتاب الكامل  في أواخره في فصل قتال الخوارج وما جرى بين المهلب والأزارقة: وكانت ركب الناس قديماً من الخشب، فكان الرجل يضرب بركانه فينقطع، فإذا أراد الضرب والطعن لم يكن له معين أو معتمد، فأمر المهلب فضربت الركب من الحديد، فهو أول من أمر بطبعها وأخبار المهلب كثيرة.
وتقلبت به الأحوال، وآخر ما ولي خراسان من جهة الحجاج بن يوسف الثقفي - المقدم ذكره - فإنه كان أمير العراقين، وضم إليه عبد الملك بن مروان خراسان وسجستان، فاستعمل على خراسان المهلب المذكور، وعلى سجستان عبيد الله بن أبي بكرة، فورد المهلب خراسان والياً عليها سنة تسع وسبعين للهجرة.

وكان قد أصيب بعينه على سمرقند لما فتحها سعيد بن عثمان بن عفان رضي الله عنه، في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه (1) ، فإنه كان معه في تلك الغزوة، وفي تلك الغزوة تلك قلعت عين سعيد أيضاً، وفيها قلعت أيضاً عين طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات المشهور بالكرم والجود، وفي تلك يقول المهلب:
لئن ذهبت عيني لقد بقين نفسي ... وفيها بحمد الله عن تلك ما ينسي
إذا ماجاء أمر الله أعيا خيولنا ... ولا بد أن تعمى العيون لدى الرمس 
وقيل إن المهلب قلعت عينه على الطالقان. ولم يزل المهلب والياً بخراسان حتى أدركته الوفاة هناك، ولما حضره أجله عهد إلى ولده يزيد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وأوصاه بقضايا وأسباب، ومن جملة ما قال له: يا بني، استعقل الحاجب، واستظرف الكاتب، فإن حاجب الرجل وجهه وكاتبه لسانه؛ ثم توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين للهجرة، بقرية يقال لها زاغول من أعمال مرو الروذ من ولاية خراسان، رحمه الله تعالى.
وله كلمات لطيفة وإشارات مليحة تدل على مكارمه ورغبته في حسن السمعة والثناء الجميل، فمن ذلك قوله: الحياة خير من الموت، والثناء الحسن خير من الحياة، ولو أعطيت مالم يعطه أحد لأحببت أن تكون لي أذن أسمع بها ما يقال في غداً إذا مت؛ وقد قيل إن هذا الكلام لولده يزيد، والله أعلم.
وكان المهلب يقول لبنيه: يا بني، أحسن ثيابكم ما كان على غيركم، وقد أشار إلى هذا أبو تمام الطائي فيما كتبه إلى من يطلب كسوة 
فأنت العليم الطب أي وصية ... بها كان أوصى في الثياب المهلب
قد ذكر الطبري في تاريخه أنه توفي سنة اثنتين وثمانين، والله أعلم، والكلام على وفاته مذكور في ترجمة ابنه يزيد، فلينظر هناك فإنه مستوفى.
ولما حضرته الوفاة جمع من حضره من بنيه ودعا بسهام فحزمت، ثم قال: أترونكم كاسريها مجمعة قالوا لا، قال: أفترونكم كاسريها مفرقة قالوا: نعم، قال: هكذا الجماعة، ثم مات  .

ولما مات رثاه الشعراء وأكثروا، وفي ذلك يقول نهار بن توسعة الشاعر المشهور:

ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب

أقاما بمرو الروذ لا يبرحانها ... وقد قعدا من كل شرق ومغرب وخلف المهلب عدة أولاد نجباء كرماء أجوادً أمجاداً، وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف ويقال: إنه وقع إلى الأرض من صلب المهلب ثلثمائة ولد - وقد تقدم في حرف الراء ذكر حفيديه روح ويزيد ابني حاتم بن قبيصة بن المهلب، وسيأتي ذكر يزيد في حرف الياء إن شاء الله تعالى.

(280) ومن سراة أولاده أبو فراس المغيرة، وكان أبوه يقدمه في قتال الخوارج، وله معهم وقائع مأثورة تضمنتها التواريخ أبلى فيها بلاء أبان عن نجدته وشهامته وصرامته، وتوجه صحبة أبيه إلى خراسان واستنابه عنه بمرو الشاهجان، وتوفي بها في حياة أبيه سنة اثنتين وثمانين في شهر رجب، ورثاه أبو أمامة زياد الأعجم، وهو زياد بن سليمان، ويقال ابن جابر، وهو ابن عبد القيس الشاعر المشهور، بقصيدته الحائية السائرة التي أولها:

قل للقوافل والغزاة إذا غزو ... للباكرين وللمجد الرائح:

إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرو على الطريق الواضح

فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح

وانضج جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح

واظهر ببزته وعقد لوائه ... واهتف بدعوة مصلتين شرامح

آب الجنود معاقباً أو قافلاً ... وأقام رهن حفيرة وضرائح

وأرى المكارم يوم زيل بنعشه ... زالت بفضل فواضل ومدائح

رجفت لمصرعه البلاد وأصبحت ... منا القلوب لذاك غير صحائح

الآن لما كنت أكرم من مشى ... وافتر نابك عن شباة القارح

وتكاملت فيك المروءة كلها ... وأعنت ذلك بالفعال الصالح

وكفى بنا حزناً يبيت حله ... أخرى المنون فليس عنه بنازح

فعفت منابره وحط سروجه ... عن كل طامحة وطرف طامح

وإذا يناح على امرىء فلتعلمن ... أن المغيرة فوق نوح النائح

تبكي المغيرة خلينا ورماحنا ... والباكيات برنة وتصايح

مات المغيرة بعد طول تعرض ... للقتل بين أسنة وصفائح

وإذا الأمور على الرجال تشابهت ... وتنوزعت (2) بمغالق ومفاتح

قتل (2) السحيل بمبرم ذي مرة ... دون الرجال بفضل عقل راجح

وأرى الصعالك للمغيرة أصبحت ... تبكي على طلق اليدين مسامح

كان الربيع لهم إذا انتجعوا الندى ... وخبت لوامع كل برق لائح

كان المهلب بالمغيرة كالذي ... ألقى الدلاء إلى قليب المائح

فأصاب جمة ما استقى فسقى له ... في حوضه بنوازع وموانح

أيام لو يحتل وسط مفازة ... فاضت معاطشها بشرب سائح

إن المهلب لن يزال لها فتى ... يمري قوادم كل حرب لاقح

بالمقربات لواحقاً آطالها ... تجتاب سهل سباسب وصحاصح

متلبباً تهفو الكتائب حوله ... ملح المتون من النضيح الراشح

ملك أغر متوج يسمو له ... طرف الصديق بغض طرف الكاشح

رفاع ألوية الحروب إلى العدا ... بسعود طير سوانح وبوارح

وهذه القصيدة من غرر القصائد ونخبها، ولولا خوف الإطالة لأثبتها كلها وهي طويلة تزيد على خمسين بيتاً، وقد ذكرها أبو القالي - المقدم ذكره في حرف الهمزة (1) - في كتابه الذي جعله ذيلاً على أماليه (2) ، وتكلم علي بعض أبياتها، وقال: إنها قد تنسب إلى الصلتان العبدي الشاعر المشهور، ولكن الأصح أنها لزياد الأعجم. والبيت الثاني منها تستشهد به النحاة في كتبهم على جواز تذكير المؤنث إذا لم يكن له فرج حقيقي، وهو أشهر بيت في هذه القصيدة لكثرة استعمالهم له، وقد أخذ بعض الشعراء معنى البيت الثالث والرابع فقال :
احملاني إن لم يكن لكما عق ... ر إلى جنب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان 
 وصاحب هذين البيتين هو الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن أبي الضوء العلوي الحسيني نقيب مشهد باب التبن ببغداد، وهما من جملة قصيدة يرثي بها النقيب الطاهر والد عبيد الله، ذكر ذلك العماد الكاتب في كتاب الخريدة وقال أيضاً: إن الشريف أبا محمد المذكور توفي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ببغداد، رحمه الله تعالى.
ثم بعد وقوفي على ما ذكره العماد في الخريدة وجدت هذين البيتين في كتاب معجم الشعراء تأليف المرزباني لأحمد بن محمد الخثعمي، وكنيته أبو عبد الله، ويقال أبو العباس، ويقال إنه الحسن، وكان يتشيع ويهاجي البحتري.
وكان المغيرة بن المهلب المذكور قد مزق قباء ديباجاً كان على زياد الأعجم فقال زياد في ذلك:
لعمرك ما الديباج مزقت وحده ... ولكنما مزقت عرض المهلب
فبلغ ذلك المهلب فأرضاه واستعطفه.
وذكر أبو الحسين علي بن أحمد السلامي في كتاب تاريخ ولادة خراسان أن رجلاً سمع من زياد الأعجم هذه القصيدة قبل أن يسمعها المهلب فجاءإلى المهلب فأنشده إياها، فأعطاه مائة ألف درهم، ثم أتاه زياد الأعجم فأنشده إياها، فقال له: قد أنشدنيها رجل قبلك، فقال: إنما سمعها مني، فأعطاه مائة ألف درهم.
وللمهلب عقب كثير بخراسان يقال لهم المهالبة وفيهم يقول بعض شعراء الحماسة وهو الأخنس الطائي يمدح المهلب :
نزلت على آل المهلب شاتياً ... بعيداً عن الأوطان في الزمن المحل
فما زال بي معروفهم وافتقادهم ... وبرهم حتى حسبتهم أهلي 
والوزير أبو محمد المهلب - المقدم ذكره في حرف الحاء  - من نسله أيضاً، رحمهم الله أجمعين.
وفي أوائل هذه الترجمة أسماء تحتاج إلى الضبط والكلام عليها.
فأما العتيك والأزد فقد تقدم الكلام عليهما.
وأما مزيقياء فهو بضم الميم وفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر القاف وفتح الياء الثانية وبعدها همزة ممدودة، وهو لقب عمرو المذكور وكان من ملوك اليمن، وإنما لقب بذلك لأنه كان يلبس كل يوم حلتين منسوجتين بالذهب، فإذا أمسى مرفهما وخلعهما، وكان يكره أن يعود فيهما، ويأنف أن يلبسهما أحد غيره، وهو الذي انتقل من اليمن إلى الشام لقصة يطول شرحها، والأنصار من ولده، وهم الأوس والخزرج، وحكى أبو عمر ابن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب في كتابه الذي سماه القصد الأمم في أنساب العرب والعجم وهو كتاب لطيف الحجم أن الأكراد من نسل عمرو مزيقياء المذكور، وأنهم وقعوا إلى أرض العجم فتناسلوا بها وكثر ولدهم، فسموا الكرد، وقال بعض الشعراء في ذلك وهو يعضد ما قاله أبو عمر ابن عبد البر:
لعمرك ما الأكراد أبناء فارس ... ولكنه كرد بن عمرو بن عامر وأما أبوه عامر فإنما لقب بماء السما لجوده وكثرة نفعه، فشبه بالغيث.وأما المنذر بن ماء السماء اللخمي أحد ملوك الحيرة، فإن أباه امرؤ القيس ابن عمرو بن عدي، وماء السماء أمه، وهس بنت عوف بن جشم بن النمر بن قاسط، وإنما لها ماء السماء لحسنها وجمالها.
وأما دبا بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها ألف مقصورة، وهو اسم موضع بين عمان والبحرين أضيفت جماعة من الأزد إليه لما نزلوه، وكان الأزد عند تفرقهم - حسبما ذكرناه في أول هذه الترجمة - أضيفت كل طائفة إلى شيء يميزها عن غيرها، فقيل أزد دبا، وأزد شنوءة، وأزد عمان، وأزد السراة، ومرجع الكل إلى الأزد المذكور، فلا يظن ظان أن الأزد مختلف باختلاف المضافين إليه، وقد قال الشاعر - وهو النجاشي، واسمه قيس بن عمرو بن مالك ابن حزن بن الحارث بن كعب بن الحارث الحارثي :
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل بها ريب من الحدثان
فأما التي صحت فأزد شنوءة ... وأما التي شلت فأزد عمان ولما هزم المهلب قطري بن الفجاءة - المقدم ذكره  - بعث إلى مالك بن بشير فقال: إني موفدك إلى الحجاج فسر فإنما هو رجل مثلك، وبعث إليه بجائزة فردها وقال: لإنما الجائزة بعد الاستحقاق، وتوجه فلما دخل على الحجاج قال: ماسمك قال: مالك من بشير، قال: ملك وبشارة، ثم قال: كيف تركت المهلب قال: أدرك ما أمل وأمن ما خاف، قال: فكيف هو بجنده قال: والد رءوف، قال: كيف رصاهم عنه قال: وسعهم بالفضل وأقنعهم بالعدل، قال: كيف تصنعون إذا لقيتم عدوكم قال: نلقاهم بجدنا فنقطع فيهم ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا، قال: فما حال قطري بن الفجاءة قال: كادنا بمثل ماكدناه به، قال: فما منعكم من اتباعه قال: رأينا المقام من ورائه خيراً من اتباعه قال: فأخبرني عن ولد المهلب قال: رعاة البيات حتى يؤمنوه وحماة السرح حتى يردوه، قال: أيهم أفضل قال: ذلك إلى أبيهم، قال: لتقولن، قال: هم كحلقة مفرغة لا يعلم طرفاها، قال: أقسمت عليك هل رويت في هذا الكلام قال: ما أطلع الله أحداً على غيبه. فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله الكلام المصنوع، قلت: كان حق هذا الفضل أن يكون متقدماً، لكنه كذا وقع، والله تعالى أعلم بصوابه وصحته





الخميس، 21 مايو 2020

الألوسي

أبو سعيد المؤيد بن محمد بن علي بن محمد الألوسي، الشاعر المشهور؛ كان من أعيان شعراء عصره كثير الغزل والهجاء، ومدح جماعة من رؤساء العراق، وله ديوان شعر، وكان منقطعاً إلى الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، وله فيه مادئح جيدة.ذكره محب الدبن ابن النجار في تاريخ بغداد فقال: هو عطاف بن محمد ابن علي بن أبي سعيد الشاعر المعروف بالمؤيد، ولد بألوس، قرية بقرب الحديثة، ونشأ بدجيل ودخل بغداد، وصار جاووشاً في أيام المسترشد بالله، وهجاه ابن الفضل الشاعر بأبيات؛ ثم إن المؤيد نظم الشعر فأكثر منه حتى عرف به ومدح وهجا، وكان قد لجأ إلى خدمة السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه - وقد تقد ذكره - قال: وتفسح في ذكر الإمام المقتفي وأصحابه بما لا ينبغي، فقبض عليه وسجن.وذكره العماد الكاتب في كتاب الخريدة فقال: ترفع قدره وأثرى حاله، ونفق شعره، وكان له قبول حسن، واقتنى أملاكاً وعقاراً وكثر رياشه، وحسن معاشه، ثم عثر به الدهر عثرة صعب منها انتعاشه، وبقي في حبس الأمام المقتفي أكثر من عشر سنين إلى أن خرج في أول خلافة الإمام المستنجد.
سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ولقيته حينئذ وقد غشي بصره من ظلمة المطمورة  التي كان فيها محبوساً. وكان زيه زي الأجناد، وسافر إلى الموصل، وله شعر حسن غزل وأسلوب مطرب بنظم معجب، وقد يقع له في المعاني المبتكرة ما يندر، فمن ذلك قوله في صفة القلم:ومثقف يغني ويفني دائماً ... في طوري الميعاد والإيعادقلم يفل الجيش وهو عرموم ... والبيض ما سلت من الأغمادوهبت له الآجام حين نشأ بها ... كرم السيول وهيبة الآساد قلت أنا: ولقد رأيت هذه الأبيات منسوبة إلى غيره، والله أعلم بالصواب.ولم يقل في القلم أحسن من هذا المعنى. ولبعضهم في القلم أيضاً وهو في هذا المعنى:وأرقش مرهوب الشباة مهفهف ... يشتت شمل الخطب وهو جميعتدين له الآفاق شرقاً ومغربا ... وتعنو له أفلاكها وتطيعحمى الملك مفطوماً كما كان يحتمي ... به الأسد في الآجام وهو رضيع ولبعضم أيضاً في هذا المعنى:له قلم كقضاء الإله ... بالسعد طوراً وبالنحس ماضيفما فارق الأسد في حالتيه ... يبيساً وذا ورقات غضاضففي كف ليث الوغى في الندى ... وفي وجه ليث الشرى في الغياض ومعنى البيت الثالث مأخوذ من قول بعضهم في وصف طنبور:وطنبور مليح الشكل يحكي ... بنغمته الفصيحة عندليباروى لما ذوى نغماً فصاحاً ... حواها في تقلبه قضيباكذا من عاشر العلماء طفلاً ... يكون إذا نشأ شيخاً أديبا.
وهذا معنى مطروق أكثرت الشعراء استعماله، فمن ذلك قول بعضهم وهو أبو محمد عبد الله بن قاضي ميلة:جاءت بعود يناغيها يسعدها ... انظر بدائع ما يأتي به الشجرغنت عليه ضروب الطير ساجعة ... حيناً فلما ذوى غنى به البشرفلا يزال عليه الدهر مصطخب ... يهيجه الأعجمان: الطير والوتر ولبعضهم في المعنى أيضاً :وعود له نوعان من لذة المنى ... فبورك جان يجتنيه وغارستغنت عليه وهو رطب طيروها ... وغنت عليه قينة وهو يابس ولولا خوف الإطالة والخروج عما نحن بصدده لذكرت عدة مقاطيع في هذا المعنى.ولبهاء الدين زهير المقدم ذكره من قصيدة يمدح بها اقسيس بن الملك الكامل:وتهتز أعواد المنابر باسمه ... فهل ذكرت أيامها وهي أغصان ثم قال العماد في بقية الترجمة: وكان ولده محمد ذكياً، وله شعر حسن، هاجر إلى الملك العادل نور الدين بالشام سنة أربعة وستين وكان يومئذ بصرخد، فمرض فأنفذه إلى دمشق، فمات في الطريق بقرية يقال لها رشيدة ؛ انتهى كلا العماد.ومن شعر المؤيد المذكور من جملة قصيدة له، رحمه الله تعالى:فيا بردها من نفحة حاجرية ... على حر صدر ليس تخبو سمائمهويا حسنه طيفاً وشى نور وجهه ... بطيفي فغطاني من الشعر فاحمهيجول وشاحاه على غصن بانة ... سقاها الحيا فاخضر واهتز ناعمه
فلما رمى في شملنا الصبح بالنوى ... ولم يبق منها غير معنى ألازمهوقفت بجزوى وهي منها معالم ... قواء وجسمي قد تعفت معالمهوقوف بناني (1) في يميني ولم أقف ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمهولم يبق لي رسماً بجسمي صدوها ... فيشجى بدمعي كلما انهل طاسمهولا مقلة أبقت فتغرم نظرة ... بثانية والمتلف الشيء غارمهفلله وجدي في الركاب كأنه ... دموعي وقد حنت بليل روازمهوقد مد من كف الثريا هلالها ... فقبلته حتى تهاوت مناظمه وهي قصيدة طويلة أجاد فيها، وقد وازن بها قصيدة المتنبي في سيف الدولة ابن حمدان التي أولها:وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وقد استعمل في قصيدته أنصاف أبيات من قصيدة المتنبي على وجه التضمين وأكثر شعره جيد.وله أيضاً من جملة أبيات قالها وهو محبوس:رحلوا فأفنيت الدموع تشوقاً ... من بعدهم وعجبت إذ أنا باقيوعلمت أن العود يقطر ماؤه ... عند الوقود لفرقة الأوراقوأبيت مأسوراً وفرحة ذكركم ... عندي تعادل فرحة الإطلاقلا تنكر البلوى سواد مفارقي ... فالحرق يحكم صنعة الحراق وكانت ولادته سنة أربع وتسعين وأربعمائة بألوس، ونشأ بها. وتوفي الخميس الرابع والعشرين مم شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة بالموصل، وكان خروجه من بغداد سنة ست وخمسين وخمسمائة، رحمه الله.


الاثنين، 3 ديسمبر 2018

رضي الدين النيسابوري

أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي الأصل النيسابوري الدار المجدث الملقب رضي الدين؛ كان أعلى المتأخرين إسناداً، لقي جماعة من الأعيان وأخذ عنهم، وسمع صحيح مسلم من الفقيه أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي - المقدم ذكره - وهو آخر من بقي من أصحابه، وسمع صحيح البخاري من أبي بكر وجيه بن طاهر بن محمد الشحامي وأبي الفتوح عبد الوهاب بن شاه ابن أحمد الشاذياخي، وسمع المؤطأ رواية أبي مصعب إلا ما استثني منه من أبي محمد هبة الله بن سهل بن عمر (2) البسطامي المعروف بالسندي (3) ، وسمع " تفسير القرآن الكريم " تصنيف أبي إسحاق الثعلبي من أبي العباس محمد الطوسي المعروف بعباسة، وسمع أيضاً من جماعة من سيوخ نيسابور منهم الفقيه أبو محمد عبد الجبار ابن محمد الخواري وأم الخير فاطمة بنت أبي الحسن علي بن المظفر بن زعبل ، وحدث بالكثير، ورحل إليه من القطار، ولنا منه إجازة كتبها من خراسان باستدعاء الوالد رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنةعشروستمائة، وإنماذكرته لشهرته تفرده في آخر عصره؛ وكانت ولادته سنة أربع وعشر وخمسمائة، ظنا. وتوفي ليلة العشرين من شوال سبع عشرة وستمائة بنيسابور، ودفن من الغد، رحمه الله تعالى.
ثم بعد إثبات هذه الترجمة على هذه الصورة بسنين رأيت بخط الشيخ المؤيد المذكور في إجازة، وقد رفع نسبه فقال: كتبه المؤيد بن محمد بن علي بن الحسن ابن محمد بن أبي صالح الطوسي.

أبو منصور الجواليقي

أبو منصور موهوب بن أبي طاهر أحمد بن محمد بن الخضر، الجواليقي البغدادي الأديب اللغوي؛ كان إماماً في فنون الأدب، وهو من مفاخر بغداد قرأ الأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي - الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - ولازمه وتتلمذ له حتى برع في فنه.
وهو متدين ثقة غزير الفضل وافر العقل مليح الخط كثير الضبط، صنف التصانيف المفيدة وانتشرت عنه، مثل شرح أدب الكاتب والمعرب ولم يعمل في جنسه أكبر منه وتتمة درة الغواص تأليف الحريري صاحب المقامات سماه التكملة فيما يلحن فيه العامة إلى غير ذلك، وكان يختار في بعض مسائل النحو مذاهب غريبة. وكان في اللغة أمثل منه في النحو، وخطه مرغوب فيه، يتنافس الناس في تحصيله والمغالاة فيه (2) .
وكان إماماً للإمام المقتفي بالله يصلي به الصلوات الخمس، وألف له كتاباً لطيفاً في علم العروض، وجرت له مع الطبيب هبة الله بن صاعد المعروف بابن التلميذ النصراني - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - واقعة عنده، وهي أنه لما حضر إليه للصلاة به ودخل عليه أول دخلة فما زاده على أن قال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى، فقال ابن التلميذ، وكان حاضراً قائماً بين يدي المقتفي، وله إدلال الخدمة والصحبة، ما هكذا يسلم (3) على أمير المؤمنين يا شيخ فلم يلتفت ابن الجواليقي إليه، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين، سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، وروى له خبراً في صورة السلام ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانباً أو يهودياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المرضي لما لزمته كفارة الحنث لأن الله تالى ختم على قلوبهم، ولن يفك ختم الله إلا الإيمان، فقال له: صدقت وأحسنت فيما فعلت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه.
وسمع ابن الجواليقي من شيوخ زمانه وأكثر، أخذ الناس عنه علماً جماً، وينسب إليه من الشعر شيء قليل، فمن ذلك ما رأيته منسوباً إليه في بعض المجاميع ولم أتحققه له، وهو:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... ووقفت خلف الورد وقفة حائم
حيران أطلب غفلة من وارد ... والورد لا يزداد غير تزاحم ثم وجدت هذين البيتين لابن الخشاب من جملة أبيات.
وحكى ولده أبو محمد إسماعيل، وكان أنجب أولاده، قال: كنت في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر، والناس يقرؤون عليه، فوقف عليه شاب وقال: يا سيدي، قد سمعت بيتين من الشعر ولم أفهم معناهما، وأريد أن تسمعهما مني وتعرفني مهناهما، فقال: قل، فأنشده:
وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ... وهجره النار يصليني به النارا
فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني، وبالجوزاء إن زارا قال إسماعيل: فلما سمعهما والدي قال: يا بني، هذا شيء من معرفة علم النجوم وتسييرها لا من صنعة أهل الأدب، فانصرف الشاب من غير حصول فائدة، واستحيا والدي من أن يسأل عن شيء ليس عنده منه علم، وقام، وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير الشمس والقمر، فنظر في ذلك وحصل معرفته، ثم جلس.
ومعنى البيت المسئول عنه أن الشمس إذا كانت في آخر القوس كان الليل في غاية الطول، لأنه يكون آخر فصل الخريف، وإذا كانت في آخر الجوزاء يا شيخ فلم يلتفت ابن الجواليقي إليه، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين، سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، وروى له خبراً في صورة السلام ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانباً أو يهودياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المرضي لما لزمته كفارة الحنث لأن الله تالى ختم على قلوبهم، ولن يفك ختم الله إلا الإيمان، فقال له: صدقت وأحسنت فيما فعلت، وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه.
وسمع ابن الجواليقي من شيوخ زمانه وأكثر، أخذ الناس عنه علماً جماً، وينسب إليه من الشعر شيء قليل، فمن ذلك ما رأيته منسوباً إليه في بعض المجاميع ولم أتحققه له، وهو:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... ووقفت خلف الورد وقفة حائم
حيران أطلب غفلة من وارد ... والورد لا يزداد غير تزاحم ثم وجدت هذين البيتين لابن الخشاب من جملة أبيات.
وحكى ولده أبو محمد إسماعيل، وكان أنجب أولاده، قال: كنت في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر، والناس يقرؤون عليه، فوقف عليه شاب وقال: يا سيدي، قد سمعت بيتين من الشعر ولم أفهم معناهما، وأريد أن تسمعهما مني وتعرفني مهناهما، فقال: قل، فأنشده:
وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ... وهجره النار يصليني به النارا
فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني، وبالجوزاء إن زارا قال إسماعيل: فلما سمعهما والدي قال: يا بني، هذا شيء من معرفة علم النجوم وتسييرها لا من صنعة أهل الأدب، فانصرف الشاب من غير حصول فائدة، واستحيا والدي من أن يسأل عن شيء ليس عنده منه علم، وقام، وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير الشمس والقمر، فنظر في ذلك وحصل معرفته، ثم جلس.
ومعنى البيت المسئول عنه أن الشمس إذا كانت في آخر القوس كان الليل في غاية الطول، لأنه يكون آخر فصل الخريف، وإذا كانت في آخر الجوزاء كان الليل في غاية القصر، لأنه آخر فصل الربيع، فكأنه يقول: إذا لم يزرني فالليل عندي في غاية الطول، وإن زارني كان الليل عندي في غاية القصر، والله أعلم.
ولبعض شعراء عصره فيه وفي المغربي مفسر المنامات (1) ، وذكرها في الخريدة لحيص بيض، هكذا وجدتها في مختصر الخريدة للحافظ:
كل الذنوب ببلدتي مغفورة ... إلا اللذين تعاظما أن يغفرا
كون الجواليقي فيها ملقيا ... أدباً، وكون المغربي معبرا
فأسير لكنته يمل (2) فصاحة ... وغفول يقظته يعبر عن كرى ونوادره كثيرة.
وكانت ولادته سنة ست وستين وأربعمائة. وتوفي يوم الأحد منتصف المحرم سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب حرب، رحمه اللله تعالى، بعد أن صلى عليه قاضي القضاة الزينبي بجامع القصر.
والجواليقي: نسبة إلى عمل الجوالق وبيعها، وهي نسبة شاذة لأن الجموع لا ينسب إليها، بل ينسب إلى آحادها إلا ما جاء شاذاً مسموعاً في كلمات محفوظة مثل قولهم: رجل أنصاري، في النسبة إلى الأنصار، والجواليق في جمع جوالق شاذ لأن الياء لم تكن موجودة في مفرده، والمسموع فيه جوالق بضم الجيم وجمعه جوالق بفتح الجيم، وهو باب مطرد، قالوا: رجل حلاحل، إذا كان وقوراً، وجمعه حلاحل، وشجر عدامل، إذا كان قديماً، وجمعه عدامل، ورجل عراعر، وهو السيد، وجمعه عراعر، ورجل علاكد، إذا كان شديداً، وجمعه علاكد، وله نظائر كثير. وهو اسم أعجمي معرب، والجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة عربية ألبيتة

موسى بن عبد الملك الأصبهاني

أبو عمران موسى بن عبد الملك بن هشام (2) الأصبهاني صاحب ديوان الخراج؛ كان من جلة الرؤساء، وفضلاء الكتاب وأعيانهم، تنقل في الخدم في أيام جماعة من الخلفاء. وكان إليه ديوان (3) السواد وغيره في أيام المتوكل، وكان مترسلاً، وله ديوان رسائل. وقد سبق طرف من خبره مع أبي العيناء في ترجمته، وما دار بينهما من المحاورة في قضية نجاح بن سلمة (4) . وله شعر رقيق حسن فمن ذلك قوله:
ولما وردنا القادسية حيث مجتمع الرفاق ...
وشممت من أرض الحجا ... ز نسيم أنفاس العراق
 أيقنت لي ولمن أحب بجمع شمل واتفاق ...
وضحكت من فرح اللقا ... ء كما بكيت من الفراق
لم يبق لي إلا تجشم ... هذه السبع الطباق
حتى يطول حديثنا ... بصفات ما كنا نلاقي [يروى: لما وردنا الثعلبية، وكلتاهما من منازل الحاج على طريق العراق، والثعلبية منسوبة إلى ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، قاله ابن الكلبي في " جمهرة النسب
ولهذه الأبيات حكاية مستطرفة أحببت ذكرها هاهنا وقد سردها الحافظ أبو عبد الله الحميدي، في كتاب جذوة المقتبس (1) ، وغيره من أرباب تواريخ المغاربة، وهي أن أبا علي الحسن بن الأشكري (2) المصري قال: كنت رجلاً من جلاس الأمير تميم بن أبي تميم، وممن يخفف عليه جداً - وهذا تميم هو أبو العز بن باديس المذكور في حرف التاء - قال: فأرسلني إلى بغداد، فاتبعت له جارية رائقة فائقةالغناء، فلما وصلت إليه دعا جلساءه، قال: وكنت فيهم، ثم مدت الستارة، وأمرها بالغناء فغنت:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهناً لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرا متمنع أركانه
فمضى لينظر كيف لاح فلم يطق ... نظراً إليه وصده (3) سجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه 
وهذه الأبيات ذكرها صاحب الأغاني (4) للشريف أبي عبد الله محمد بن صالح الحسني، قال ابن الأشكري: فأحسنت الجارية ما شاءت، فطرب الأمير تميم ومن حضر، ثم غنت:
سيسليك عما فات دولة مفضل ... أوائله محمودة وأواخره
ثنى الله عطفيه وألف شخصه ... على البر مذ شدت عليه مآزره 
قال: فطرب الأمير تميم ومن حضر طرباً شديداً، قال: ثم غنت:
أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه 
وهذا البيت لمحمد بن زريق الكاتب البغدادي، من جملة قصيدة طويلة.
قال الراوي: فاشتد طرب الأمير تميم وأفراط جداً، ثم قال لها: تمني ما شئت، فقال، أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: والله لا بد أن تتمني، فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى قال: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغدادفانتقع لون الأمير تميم وتغير وجهه وتكدر المجلس، وقام وقمنا.
وقال ابن الأشكري: فلقيني بعض خدمه وقال لي: ارجع فالأمير يدعوك، فوجدته جالساً ينتظرني، فسلمت عليه وقمت بين يديه، فقال لي: ويحك، ورأيت ما امتحنا به فقلت: نعم أيها الأمير، فقال: لا بد من الوفاء لها، ولا أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك فاصرفها، فقلت: سمعاً وطاعة.
قال: ثم قمت فتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية سوداء له تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة ةمحمل، فأدخلت فيه، وجعلتها معي، وصرت إلى مكة مع القافلة وقضينا حجنا، ثم دخلت في قافلة العراق وسرنا، فلما وردنا القادسية أتتني السوداء، وقالت لي: تقول لك سيدتي: أين نحن فقلت لها: نزول القادسية، فانصرفت إليها وأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتهاقد ارتفع بالغناء، وغنت الأبيات المذكورة، قال: فتصايح الناس من أقطار القافلة: وأعيدي بالله أعيدي قال: فما سمع لها كلمة. قال: ثم نزلنا الياسرية، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة، ينزل بها فيبيتون ليلتهم، ثم يبكرون لدخول بغداد. فلما كان وقت الصباح وإذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، فقلت: مالك قالت: إن سيدني ليست بحاضرة، فقلت: ويلك، وأين هي قالت: والله ما أدري، قال: فلم أحس لها أثراً بعد ذلك، ودخلت بغداد وقضيت حوائجي منها، وانصرفت إلى الأمير تميم فأخبرته خبرها، فعظم ذلك عليه واغتم له غماً شديداً، ثم ما زال بعد ذلك ذاكراً لها واجماً عليها.
والقادسية: بفتح القاف وبعد الألف دال مهملة مكسورة وسين مكسورة أيضاً وبعدها ياء مثناة من تحتها مشدودة ثم هاء ساكنة، وهي قرية فوق الكوفة وعندما كانت الوقعة المشهورة في زمن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.
والياسرية: بفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف سين مهملة مكسورة وراء مكسورة أيضاً وبعدها ياء مثناة من تحتها مشددة ثم هاء مشدودة ساكنة وقد ذكرنا أين هي، فلا حاجة إلى الإعادة.
وحكى إسحاق بن إبراهيم أخو زيد بن إبراهيم أنه كان يتقلد بلاد السيروان نيابة عن موسى بن عبد الملك المذكور، فاجتاز به إبراهيم بن العباس الصولي، - الشاعر المقدم ذكره - وهو يريد خراسان، والمأمون يوم ذاك بها، وقد بايع بالعهد علي بن موسى الرضا، وهي قضية مشهورة، وقد امتدحه إبراهيم المذكور بقصيدة ذكر فيها آل علي، وأنهم أحق بالخلافة من غيرهم. قال إسحاق بن إبراهيم المذكور: فاستحسنت القصيدة وسألت إبراهيم بن العباس أن ينسخها ففعل، ووهبته ألف درهم وحملته على دابة، وتوجه إلى خراسان. ثم تراخت الأيام إلى زمن المتوكل، فتولى إبراهيم المذكور موضع موسى بن عبد الملك المذكور، وكان يحب أن يكشف أسباب موسى، فعزلني وأمر أن تعمل مؤامرة (1) ، فعملت وحضرت للمناظرة عنها، فجعلت أحتج بما لايدفع فلا يقبله، ونحتكم إلى الكتاب فلا يلتفت إلى حكمهم، ويسمعني في خلال ذلك غليظ الكلام، إلى أن أوجب الكتاب اليمين على باب من الأبواب فحلفت، فقال: ليست يمين السلطان عندك يميناً لأنك رافضي، فقلت له: تأذن لي في الدنو منك فأذن لي، فقلت له: ليس مع تعريضك بمهبجتي للقتل صبر، وهذا المتوكل إن كتبت إليه بما أسمعه منك لم آمنه على نفسي، وقد احتملت كل ما جرى سوى الرفض. والرافضي من زعم أن علي بن أبي طالب أفضل من العباس، وأن ولده أحق من ولد العباس بالخلافة. قال: ومن هو ذاك قلت: أنت، وخطك عندي به. فأخبرته بالشعر الذي عنله في المأمون وذكر فيه علي بن موسى، فوالله ما هو إلا أن قلت له ذلك حتى سقط في يده ثم قال لي:
أحضر الدفتر الذي بخطي، فقلت له: هيهات، لا والله أو توثق لي بما أسكن إليه أنك لا تطالبني بشيء مما جرى على يدي، وتخرق هذه المؤامرة ولا تنظر لي في حساب، فحلف لي على ذلك بما سكنت إليه وخرق العمل المعمول، فأحضرت له الدفتر فوضعه في خفه، وانصرفت وقد زالت عني المطالبة.
ولموسى المذكور أخبار كثيرة أضربت عن ذكرها طلباً للاختصار. وتوفي في شوال سنة ست وأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
والسيروان: بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء والواو وبعد الألف نون، وهي كورة ماسبذان من أعمال الجبل.
وماسبذان: بفتح الميم وبعد الألف سين مهملة وباء موحدة وذال معجمة والجميع مفتوح وبعد الألف نون، وهي قرية كان يسكنها المهدي بن المنصور أبي جعفر، والد هارون الرشيد، وبها توفي، وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة الشاعر - المقدم ذكره:
وأكرم قبر بعد قبر محمد ... نبي الهدى قبر بماسبذان
عجبت لأيد هالت الترب فوقه ... ضحى كيف لم ترجع بغير بنان والسيروان: اسم لأربعة مواضع هذا أحدها.
وبلاد الجبل عبارة عن عراق العجم الفاصل بين عراق العرب وخراسان، وبلاده المشهورة: أصبهان وهمذان والري وزنجان.

الملك الأشرف موسى الأيوبي

أبو الفتح موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، الملقب الملك الأشرف مظفر الدين؛ أول شيء ملكه من البلاد مدينة الرها، سيره إليها والده من الديار المصرية في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ثم أضيفت إليه حران. وكان محبوباً إلى الناس مسعوداً مؤيداً في الحروب من يومه، لقي نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل - المذكور في حرف الهمزة - وكان يوم ذاك من الملوك المشاهير الكبار، وتواقعا في مصاف فكسره، وذلك في سنة ستمائة يوم السبت تاسع عشر شوال بموضع يقال له بين النهرين من أعمال الموصل وهي وقعة مشهورة فلا حاجة إلى تفصيلها؛ ولما توفي أخوه عبد الملك الأوحد نجم الدين أيوب صاحب خلاط وميافارقين وتلك النواحي، أخذ الملك الأشرف مملكته مضافة إلى ملكه، وتوفي الملك في شهر ربيع الأول سنة تسع وستمائة وكانت وفاته بملازكرد من أعمال خلاط ودفن بها، وكان الملك الأوحد قد ملك خلاط في سنة أربع وستمائة.
فاتسعت حينئذ مملكته وبسط العدل على الناس وأحسن إليهم إحسانا لم يعهدوه ممن كان قبله، وعظم وقعه في قلوب الناس، وبعد صيته، وكان قد ملك نصيبين الشرق في سنة ست وستمائة، وأخذ سنجار سنة سبع عشرة في رابع جمادى الأولى، ورأيت في موضع آخر أنه أخذها في مستهل صفر من السنة، والله أعلم، كذلك الخابور، وملك (2) معظم بلاد الجزيرة، وكان يتنقل فيها، وأكثر إقامته بالرقة لكونها على الفرات.
ولما مات ابن عمه الملك الظاهر غازي صاحب حلب - في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الغين - عزم عز الدين كيكاوس بن غياث الدين كيسخرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان صاحب الروم على قصد حلب فسير أرباب الأمر بحلب إلى الملك الأشرف وسألوه الوصول إليهم لحفظ البلد، فأجابهم إلى شؤالهم وتوجه إليهم وأقام بالياروقية بظاهر حلب مدة ثلاث سنين، وجرت له مع صاحب الروم وابن عمه الملك الأفضل بن صلاح صاحب سمسياط وقائع مشهورة لا حاجة إلى الإطالة في شرحها.
ولما أخذت الفرنج دمياط في سنة ست عشرة وستمائة - حسبما شرحناه في ترجمة الملك الكامل - توجهت جماعة من ملوك الشام إلى الديار المصرية، لإنجاد الملك الكامل، وتأخر عنه الملك الأشرف لمنافرة كانت بينهما، فجاءه أخوه الملك العظيم - المقدم ذكره في حرف العين - بنفسه، وأرضاه، ولم يزل بلاطفه حتى استصبحه معه، فصادف عقيب وصوله إليها بأشهر - كما ذكرناه في ترجمة الكامل محمد - انتصار المسلمين على الفرنج وانتزاع دمياط من أيديهم، وكانوا يرون ذلك بسب يمن غرته. وكان وصوله إليها في المحرم سنة ثماني عشرة وستمائة، واستناب أخاه الملك المظفر شهاب الدبن غازي ابن الملك العادل في خلاط، فعصى عليه، فقصده في عساكره وأخذها منه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وستمائة.
ولما مات الملك المعظم - في التاريخ المذكور في ترجمته - قام بالأمر من بعده ولده الملك الناصر صلاح الدين داود، فقصده عمه الملك الكامل من الديار المصرية ليأخذ دمشق منه، فاستنجد بعمه الملاك الأشرف، وكان يومئذ ببلاد الشرق، فوصل إليه، واجتمع به في دمشق، ثم خرج منها متوجهاً إلى أخيه الملك الكامل، واجتمع به وجرى الاتفاق بينهما على أخذ دمشق من الملك الناصر وتسليمها إلى الملك الأشرف، ويبقى للملك الناصر الكرك والشوبك ونابلس وبيسان وتلك النواحي، وينزل الملك الأشرف عن حران والرها وسروج والرقة ورأس عين، ويسلمها إلى الملك الكامل، فاستتب الحال على ذلك.
وتسلم الملك الكامل دمشق لاستقبال شعبان من السنة بنوابه، ورحل الناصر إلى بلاده التي عليه يوم الجمعة ثاني عشر شعبان، ثم دخل الملك الكامل إلى دمشق في سادس عشر الشهر المذكور وعاد وخرج إلى مكانه الذي كان فيه، ثم دخل هو الأشرف إلى القلعة في ثامن عشر شعبان ثم سلمها إلى أخيه الملك الأشرف على ما تقرر بينهما، في أواخر شعبان من سنة ست وعشرين وستمائة، وانتقل الملك الكامل إلى بلاده التي تسلمها بالشرق، ليكشف أحوالها ويرتب أمورها، واجتزت في التاريخ المذكور بحران وهو بها.
وانتقل الأشرف إلى دمشق واتخذها دار إقامة وأعرض عن بقية البلاد، ونزل جلال الدين خوارزم شاه على خلاط وحاصرها وضايقها أشد مضايقة، وأخذها في جمادى الآخرة من سنة ست وعشرين من نواب الملك الأشرف، وهو مقيم بدمشق، ولم يمكنه في ذلك الوقت قصدها للدفع عنها لأعذار كانت له. ثم عقيب ذلك دخل إلى بلاد الروم باتفاق مع سلطانها علاء الدين كيقباذ أخي عز الدين كيكاوس المذكور، وتعاقدا (1) على قصد خوارزم شاه، وضرب المصاف معه، فإن صاحب الروم أيضاً كان يخاف على بلاده منه. لكونه مجاوره، فتوجها نحوه في جيش عظيم من جهة الشام والشرق في خدمة الملك الأشرف، وعسكر صاحب الروم، والتقوا بين خلاط وأرزنكان، بموضع يقال له: يا للرحمان (2) في يوم الجمعة ثاني عشر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة، وانكسر خوارزم شاه، وهي واقعة مشهورة، وعادت خلاط إلى الملك الأشرف وقد خربت.
ثم رجع إلى الشام وتوجه إلى الديار المصرية، وأقام عند أخيه الملك الكامل مدة، ثم خرج في خدمته قاصدين آمد، ونزلوا عليها وفتحوها في مدة يسيرة وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة، وأضافها الملك الكامل إلى ممالكها ببلاد الشرق، ورتب فيها ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب - المذكور في ترجمة والده - وفي خدمته الطواشي شمس الدين صواب الخادم العادلي، ثم عاد كل واحد إلى بلاده.
ثم كانت واقعة ببلاد الروم والدربندات في أواخر سنة إحدى وثلاثين وستمائة وهي مشهورة، ورجع الكامل والأشرف ومن معهما من الملوك بغير حصول مقصود، ولما رجعا خرج عسكر صاحب الروم على بلاد الكامل بالشرق فأخذها وأخربها، ثم عاد الكامل والأشرف وأتباعهما ومن معهما من الملوك إلى بلاد الشرق، واستنقذوها من نواب صاحب الروم. ثم رجعوا إلى دمشق في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وكنت يومئذ بدمشق، وفي تلك الواقعة (1) رأيت الكامل والأشرف، وكانا يركبان معاً ويلعبان بالكرة في الميدان الأخضر الكبير كل يوم، وكان شهر رمضان، فكانا يقصدان بذلك تعبير النهار لأجل الصوم؛ ولقد كنت أرى من تأدب كل واحد منهما مع الآخر شيئاً كثيراً، ثم وقعت بينهما وحشة، وخرج الأشرف عن طاعة الكامل، ووافقته الملوك بأسرها، وتعاهد هو وصاحب الروم وصاحب حلب وصاحب حماة وصاحب حمص وأصحاب الشرق، على الخروج على الملك الكامل، ولم يبق مع الملك الكامل سوى ابن أخيه الملك الناصر صاحب الكرك، فإنه توجه إلى خدمته بالديار المصرية، فلما تحالفوا وتحزبوا واتفقوا وعزموا على الخروج على الملك الكامل، مرض الملك الأشرف مرضاً شديداً، وتوفي يوم الخميس رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بقلعتها ثم نقل إلى التربة التي أنشئت له بالكلاسة في الجانب الشمالي من جامع دمشق. وكان ولادته سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بالديار المصرية بالقاهرة، وقيل بقلعة الكرك، رحمه الله تعالى. وقد ذكرت في ترجمة أخيه الملك المعظم عيسى ما ذكره سبط ابن الجوزي في مولدهما؛ وتوفي أخوه شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين في رجب سنة خمس وأربعين وستمائة بميافارقين.
هذه خلاصة أحواله؛ وكان سلطاناً كريماً حليماً واسع الصدر كريم الأخلاق كثير العطاء، لا يوجد في خزانته شيء من المال مع إتساع مملكته، ولا تزال عليه الديون للتجار وغيرهم. ولقد رأى يوماً في دواة كاتبه وشاعره الكمال أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن النبيه المصري قلماً واحداً، فأنكر عليه ذلك، فأنشده في الحال دوبيت:
قال الملك الأشرف قولاً رشدا ... أقلامك يا كمال قلت عددا
جاوبت لعظم كتب ما تطلقه ... تحفى فتقط فهي تفنى أبدا ويقال إنه طرب ليلة في مجلس أنسه على بعض الملاهي، فقال لصاحب الملهى: تمن علي، فقال: تمنيت مدينة خلاط، فأعطاها له، وكان نائبه بها الأمين حسام الدين المعروف بالحاجب علي بن حماد الموصلي، فتوجه ذلك الشخص إليه ليتسلمها منه، فعوضه الحاجب عنها جملة كثيرة من المال وصالحه عنها، وكان له في ذلك غرائب.
وكان يميل إلى أهل الخير والصلاح ويحسن الاعتقاد فيهم، وبنى بدمشق دار حديث، فوض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين عثمان المعروف بابن الصلاح، المقدم ذكره.
وكان بالعقيبة ظاهر دمشق خان يعرف بابن الزنجاري، قد أجمع أنواع أسباب الملاذ، ويجري فيه من الفسوق والفجور ما لايحد ولا يوصف، فقيل له عنه: إن مثل هذا لايليق أن يكون في بلاد المسلمين، فهدمه وعمره جامعاً غرم عليه جملة مستكثرة، وسماه الناس جامع التوبة كأنه تاب إلى الله تعالى وأناب مما كان فيه. وجرت في خطابته نكتة لطيفة، أحببت ذكرها، وهي: أنه كان بمدرسة ست الشام التي خارج البلد، إمام يعرف بالجمال السبتي، أعرفه شيخاً حسناً، ويقال كان في صباه بشيء من الملاهي، وهي التي تسمى الجغانة، ولما كبر حسنت طريقته وعاشر العلماء وأهل الصلاح، حتى صار معدوداً في الأخيار، فلما احتاج الجامع المذكور إلى خطيب ذكر للملك الأشرف جماعة، وشكر الجمال المذكور، فتولى خطابته، فلما توفي تولى موضعه العماد الواسطي الواعظ، وكان يتهم باستعمال الشراب، وكان صاحب دمشق يومئذ الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل بن أيوب، فكتب إليه الجمال عبد الرحيم المعروف بابن زويتينة الرحبي أبياتاً، وهي:
يا مليكاً أوضح الحق لدينا وأبانه ... جامع التوبة قد قلدني منه أمانه ...
قال قل للملك الصا ... لح أعلى الله شانه
يا عماد الدين يا من ... حمد الناس زمانه 
كم إلى كم أنا في ضر وبؤس وإهانه ...
لي خطيب واسطي ... يعشق الشرب ديانه
والذي قد كان من قب ... ل يغني بجغانه
فكما نحن فما زلن ... اوما نبرح حانه
ردني للنمط الأو ... ل واستبق ضمانه 
وهذه الأبيات في بابها في غاية الظرف (1) ، وكان ابن زويتينة المذكور قد وصل إلى الديار المصرية في رسالة من عند صاحب حمص، وأنشدني هذه الأبيات وحكى السبب الحامل عليها، وذلك في بعض شهور سنة سبع وأربعين وستمائة. ومدح الملك الأشرف أعيان شعراء عصره، وخلدوا مدائحه في دواوينهم فمنهم:
شرف الديم محمد بن عنين وقد سبق ذكره.
والبهاء أسعد السنجاري وقد سبق ذكره أيضاً.
والشرف راجح الحلي وقد ذكرته في ترجمة الملك الظاهر.
 والكمال ابن النبيه المذكرو وكانت وفاته سنة تسع عشرة وستمائة، بمدينة نصيبين الشرق، وعمره تقديراً مقدار ستين سنة ، كذا أخبرني صهره بالقاهرة.
والمهذب (2) محمد بن أبي الحسين (3) بن يمن بن علي بن أحمد بن محمد بن عثمان ابن عبد الحميد الأنصاري، المعروف بابن الأردخل الموصلي الشاعر المشهور، ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة بالموصل، وتوفي في شهر رمضان، سنة ثمان وعشرين وستمائة بميافارقين، رحمه الله تعالى.
وغير هؤلاء خلق كثير، والله أعلم بالصواب.

الجمعة، 30 نوفمبر 2018

موسى بن نصير

بو عبد الرحمن موسى بن نصير، اللخمي بالولاء، صاحب فتح الأندلس؛ كان من التابعين، رضي الله عنهم، وروى عن تميم الداري، رضي الله عنه،
وكان عاقلاً كريماً شجاعاً ورعاً تقياً لله تعالى، لم يهزم له جيش قط.
وكان والده نصير على حرس معاوية بن أبي سفيان، ومنزلته عنده مكينة. ولما خرج معاوية لقتال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، لم يخرج معه، فقال له معاوية: ما منعك من الخروج معي ولي عندك يد لم تكافئني عليها فقال: لم يمكني أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري، فقال: ومن هو قال: الله عزوجل، فقال: وكيف لا أم لك قال: وكيف لا أعلمك هذا، فأعض وأمص (1) ، قال: فأطرق معاوية ملياً، ثم قال: أستغفر الله، ورضي عنه.
وكان عبد الله بن مروان أخو عبد الملك بن مروان والياً على مصر وإفريقية، فبعث إليه ابن أخيه الوليد بن عبد الملك أيام خلافته يقول له: أرسل موسى بن نصير إلى إفريقية، وذلك في سنة تسع وثمانين للهجرة.
وقال الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتاب جذوة المقتبس: إن موسى ابن نصير تولى إفريقية والمغرب سنة سبع وسبعين، فأرسله إليها، فلما قدمها ومعه جماعة من الجند، بلغه أن بأطراف البلاد جماعة خارجين عن الطاعة، فوجه ولده عبد الله، فأتاه بمائة ألف رأس من السبايا، ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى فأتاه بمائة ألف رأس.
قال الليث بن سعد: فبلغ الخمس ستين ألف رأس، وقال أبو شبيب (2) الصدفي: لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير. ووجد أكثر مدن إفريقية خالية لاختلاف أيدي البربر عليها، وكانت البلاد (3) في قحط شديد، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء، ومعه سائر الحيوانات، وفرق بينها وبين أولادها، فوقع البكاء والصراخ والضجيج، وأقام على ذلك إلى منتصف النهار، ثم صلى وخطب بالناس، ولم يذكر الوليد بن عبد الملك، فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين فقال: هذا مقام لا يدعى فيه لغير الله عزوجل، فسقوا حتى رووا.
ثم خرج موسى غازياً، وتتبع البربر وقتل فيهم قتلاً ذريعاً، وسبى سبياً عظيماً، وسار حتى انتهى إلى السوس الأدنى لا يدافعه أحد. فلما رأى بقية البربر ما نزل بهم استأمنوا وبذلوا له الطاعة فقبل منهم، وولى عليهم والياً، واستعمل على طنجة وأعمالها مولاه طارق بن زياد البربري، ويقال إنه من الصدف، وترك عنده تسعة عشر ألف فارس من البربر بالأسلحة والعدد الكاملة، وكانوا قد أسموا وحسن إسلامهم، وترك موسى عندهم خلقاً يسيراً من العرب لتعليم القرآن وفرائض الإسلام، ورجع إلى إفريقية، ولم يبق بالبلاد من ينازعه من البربر ولا من الروم.
فلما استقرت له القواعد كتب إلى طارق وهو بطنجة يأمره بغزو بلاد الأندلس في جيش من البربر ليس فيه من العرب إلا قدر يسير، فامتثل طارق أمره، وركب البحر (1) من سبتة إلى الجزيرة الخضراء من بر الأندلس، وصعد إلى جبل يعرف اليوم بجبل طارق لأنه نسب إليه لما حصل عليه، وكان صعوده إليه يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين وتسعين للهجرة في اثني عشر ألف فارس من البربر خلا اثني عشر رجلاً.
وذكر عن طارق أنه كان نائماً في المركب وقت التعدية، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة رضي الله عنهم يمشون على الماء، حتى مروا به فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح؛ وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد، ذكر ذلك ابن بشكوال - المقدم ذكره في حرف الخاء - في تاريخ الأندلس.
وكان صاحب طليطلة ومعظم بلاد الأندلس ملك يقال له لذريق (2) . ولما احتل (3) طارق بالجبل المذكور كتب إلى موسى بن نصير: إني فعلت ما أمرتني به، وسهل الله سبحانه وتعالى بالدخول. فلما وصل كتابه إلى نوسى بدم على تأخره، وعلم أنه إن فتح نسب الفتح إليه دونه، فأخذ في جمع العساكر، وولى على القيروان ولده عبد الله، وتبعه فلم يدركه إلا بعد الفتح. وكان لذريق المذكور قد قصد عدواً له، واستخلف في المملكة شخصاً يقال له تدمير، وإلى هذا الشخص تنتسب بلاد تدمير بالأندلس - وهي مرسية وما والاها، وهي خمس مواضع تسمى بهذا الاسم، واستولى الفرنج على مرسية سنة اثنتين وخمسين وستمائة (1) - فلما نزل طارق من الجبل بالجيش الذي معه كتب تدمير إلى لذريق الملك إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري من السماء هم أم من الأرض، فلما بلغ ذلك لذريق رجع عن مقصده في سبعين ألف فارس، ومعه العجل يحمل الأموال والمتاع، وهو على سريره بين دابتين عليه قبة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد.
فلما بلغ طارقاً دنوه قام في أصحابه فحمد الله سبحانه وتعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حث المسلمين على الجهاد ورغبهم في الشهادة، ثم قال: أيها الناس، أين المفر والبحر من ورائكم والعدو أمامكم فليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللئام، وقد استقبلتم عدو كم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم غير سيوفكم، ولا أقوات (2) لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب برعبها منكم الجراءة عليكم، فافعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية (3) ، فقد ألقت إليكم مدينته المحصنة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن لكم إن سمحتم بأنفسكم للموت. وإني لم أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة (4) ، ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أبداً فيها بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً، استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فيما حظكم فيه أوفر من حظي، وقد بلغكم نا أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان الرافلات في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك من الأبطال عرباناً (1) ، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه معكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، ويكون مغنمها خالصاً لكم من دونه ومن دون المسلمين سواكم، والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين. واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية قومه لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتكم (2) أمره ولن يعوزكم بطل عاقل تسندون أمركم إليه، وإن هلكت قلب وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا المهم من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون.
فلما فرغ طارق من تحريض أصحابه على الصبر في قتال (3) لذريق وأصحابه وما وعدهم من النيل الجزيل، انبسطت نفوسهم وتحققت آمالهم وهبت ريح النصر عليهم وقالوا: قد قطعنا الآمال مما يخالف ما عزمت عليه، فاحضر إليه فأنا معك وبين يديك. فركب طارق وركبوا وقصدوا مناخ لذريق، وكان قد نزل بمتسع من الأرض، فلما تراءى الجمعان نزل طارق وأصحابه، فباتوا ليلتهم في حرس إلى الصبح.
فلما أصبح الفريقان تلببوا (4) وعبوا كتائبهم (5) وحمل لذريق على سريره، وقد رفع على رأسه رواق ديباج يظله، وهو مقبل (6) في غاية من (7) البنود والأعلام وبين يديه المقاتلة والسلاح، وأقبل طارق وأصحابه عليهم الزرد، ومن فوق رؤوسهم العمائم البيض وبأيديهم القسي العربية، وقد تقلدوا السيوف واعتقلوا الرماح، فلما نظر إليهم لذريق قال: أما والله إن هذه الصور التي رأينا ببيت الحكمة ببلدنا، فداخله منهم رعب.
ونتكلم هاهنا على بيت الحكمة ماهو، ثم نتكلم على حديث (1) هذه الواقعة:
وأصل خبر بيت احكمة أن اليونان - وهم الطائفة المشهورة بالحكمة - كانوا يسكنون ببلاد المشرق قبل عهد الإسكندر، فلما ظهرت الفرس واستولت على البلاد، وزاحمت اليونان على ما كان بأيديهم من الممالك، انتقل اليونان إلى جزيرة الأندلس، لكونها طرفاً في آخر العمارة، ولم يكن لها ذكر يوم ذاك، ولا ملكها أحد من الملوك المعتبرةن ولاكانت عامرة، وكان أول من عمر فيها واختطها أندلس بن يافث بن نوح عليه السلام، فسميت باسمه، ولما عمرت الأرض بعد الطوفان كان صورة المعمور منها عندهم على شكل طائر رأسه المشرق والجنوب والشمال جناحاه، وما بينهما بطنه، والمغرب ذنبه، فكانوا يزدرون المغرب لنسبته إلى أخس أجزاء الطائر.
قلت (2) : وجرى في مجلس الحافظ أبي طاهر السفلي نادرة تصلح أن نذكرها هاهنا وهي أن أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله المعروف بابن الجمش البلبيسي كان في مجلسه، وعبد العزيز الشريشي يقرأ حديث عمرو بن العاص: خلقت الدنيا على صورة طير ... الحديث المذكور؛ فقال الشريشي لأبي إسحاق يمازحه: اسمع يا أبا إسحاق، وشر ما في الطير ذنبه، فقال أبو إسحاق: هيهات ما عرفت أنت ما كان ذلك الطائر المشبه كان طاووساً، وما فيه أحسن من ذنبه.
وكانت اليونان لا ترى فناء الأمم بالحروب لما ترى فيه من الإضرار والاشتغال عن العلوم التي كان أمرها عندهم من أهم الأمور، فلذلك انحازوا من بين يدي الفرس إلى الأندلس. فلما صاروا إليها أقبلوا على عمارتها، فشقوا الأنهار وبنوا المعاقل، وغرسوا (1) الجنات والكروم، وشيدوا الأمصار، وملؤوها حرثاً ونسلاً وبنياناً، فعظمت وطابت حتى قال قائلهم لما رأى بهجتها: إن الطائر الذي صورت العمارة على شكله، وكان المغرب ذنبه، كان طاوساً معظم جماله في ذنبه. فاغتبطوا بها أتم اغتباط واتخذوا دار الملك والحكمة بها مدينة (2) طليطلة لأنها وسط البلاد، وكان أهم الأمور عندهم تحصينها عمن يتصل به خبرها من الأمم، فنظروا فإذا ليس ثم من يحسدهم على أرغد العيش إلا أرباب الشظف والشقاء، وهم يوم ذاك طائفتان: العرب والبربر (3) ، فخافوهم على جزيرتهم المعمورة، فعزموا أن يتخذوا لدفع هذين الجنسين من الناس طلمساً، فرصدوا لذلك أرصاداً.
ولما كان البربر بالقرب منهم، وليس بينهم سوى تعدية البحر، ويرد عليهم منهم طوائف منحرفة الطباع خارجة عن الأوضاع، وازدادوا منهم نفراً، وكثر تحذيرهم من مخالطتهم في نسب أو مجاورة، حتى انبث ذلك في طبائعهم، وصار بغضهم مركباً في غرائزهم، فلما علم البربر عداوة أهل الأندلس لهم وبغضهم، أبغضوهم وجسدوهم، فلا تجد أندلسياً إلا مبغضاً بربرياً ولا بربرياً إلا مبغضاً أندلسياً، إلا أن البربر أحوج إلى أهل الأندلس من أهل الأندلس إلى البربر، لكثرة وجود الأشياء بالأندلس وعدمها ببلاد البربر.
وكان بنواحي غرب جزيرة الأندلس ملك يوناني بجزيرة يقال لها قادس، وكانت له ابنة في غاية الجمال، فتسامع بها ملوك الأندلس، وكانت جزيرة الأندلس كثيرة الملوك، لكل بلدة أو بلدتين ملك تناصفاً منهم في ذلك، فخطبها كل واحد منهم (4) ، وكان أبوها يخشى من تزويجها لواحد منهم وإسخاط الباقين، فتحير في أمره، وأحضر ابنته المذكورة، وكانت الحكمة مركبة في طباع القوم ذكورهم وإناثهم (1) - ولذلك قيل إن الحكمة نزلت من السماء على ثلاثة أعضاء من أهل الأرض: على أدمغة اليونان وأيدي أهل الصين وألسنة العرب - فلما حضرت بين يديه قال لها: يا ينية، وإني قد أصبحت في حيرة من أمري، قالت: وما حيرك قال: قد خطبك جميع ملوك الأندلس، ومتى أرضيت واحداً أسخطت الباقين، فقالت: اجعل الأمر إلي تخلص من اللوم، قال: وما تصنعين قالت: أقترح لنفسي أمراً من فعله كنت زوجته، ومن عجز عنه لم يحسن به السخط قال: وما الذي تقترحين قالت: أقترح أن يكون ملكاً حكيماً، قال: نعم ما اخترتيه (2) لنفسك، وكتب في أجوبة الملوك الخطاب: إني جعلت الأمر إليها فاختارت من الأزواج الملك الحكيم. فلما وقفوا على الأجوبة سكت عنها كل من لم يكن حكيماً.
وكان في الملوك رجلان حكيمان، فكتب كل واحد منهما إليه: أنا الرجل الحكيم. فلما وقف على كتابيهما قال: يا بنية بقي الأمر على إشكاله، وهذان ملكان حكيمان، أيهما أرضيته أسخطت الأخر قالت: سأقترح على كل واحد منهما أمراً يأتي به، فأيهما سبق إلى الفراغ مما التمسته تزوجت به، قال: وما الذي تقترحين عليهما قالت: إننا ساكنون بهذه الجزيرة، ونحن محتاجون إلى رحى تدور بها، وإني مقترحة على أحدهما إدارتها بالماء العذب الجاري إليها من ذلك البر، ومقترحة على الآخر أن يتخذ طلسماً يحصن (3) به جزيرة الأندلس من البربر، فاستظرف أبوها اقتراحها، وكتب إلى الملكين بما قالته ابنته، فأجابا إلى ذلك، وتقاسماه على ما اختارا، وشرع كل واحد في عمل ما ندب (4) إليه من ذلك.
فأما صاحب الرحى فإنه عمد إلى خرز عظام اتخذها من الحجارة، ونضد بعضها في بعض في البحر المالح الذي بين جزيرة الأندلس والبر الكبير في الموضع المعروف بزقاق سبتة، وسد الفروج التي بين الحجارة بما اقتضته حكمته، وأوصل تلك الحجارة من البر إلى الجزيرة، وآثارها باقية إلى اليوم في الزقاق الذي بين سبتة والجزيرة الخضراء، وأكثر أهل الأندلس يزعمون أن هذا أثر قنطرة كان الإسكندر قد عملها ليعبر عليها الناس من سبتة إلى الجزيرة، والله أعلم أي القولين أصح. فلما تم تنضيد الحجارة للملك الحكيم، جلب إليها الماء العذب من موضع عال في الجبل بالبر الكبير، وسلطه في ساقية محكمة البناء، وبنى بجزيرة الأندلس رحى على هذه الساقية.
وأما صاحب الطلسم فإنه أبطأ عمله بسب انتظار الرصد الموافق لعمله، غير أنه أعمل أمره وأحكمه، وابتنى بنياناً مربعاً من حجر أبيض على ساحل البحر في رمل حفر أساسه إلى أن جعله تحت الأرض بمقدار ارتفاعه فوق الأرض ليثبت، فلما انتهى البناء المربع إلى حيث اختار صور من النحاس الأحمر والحديد المصفى المخلوطين بأحكم الخلط صورة رجل بربري له لحية، وفي رأسه ذؤابة من شعر جعد قائم في رأسه لجعودتها، متأبط بصورة بصورة كساء قد جمع طرفيه على يده اليسرى، بألطف (1) تصوير وأحكمه، في رجليه نعل، وهو قائم في رأس البناء على مستدق (2) بمقدار رجليه فقط، وهو شاهق في الهواء طوله نيف عن ستين ذراعاً أو سبعين، وهو محدد الأعلى إلى أن ينتهي إلى ما سعته قدر الذراع، وقد مد يده اليمنى بمفتاح قفل قابضاً عليه مشيراً إلى البحر كأنه يقول لاعبور. وكان من تأثير هذا الطلسم في البحر الذي تجاهله أنه لم ير قط ساكناً ولا كانت تجري فيه قط سفينة بربري (3) حتى سقط المفتاح من يده.
وكان الملكان العاملان للرحى والطلسم يتسابقان إلى التمام من عملهما إذ كان بالسبق يستحق التزويج، وكان صاحب الرحى قد فرغ لكنه يخفي أمره عن صاحب الطلسم حتى لا يعلم به فيبطل عمل الطلسم، وكان يود عمل الطلسم حتى يحظى بالمرأة والرحى والطلسم، فلما علم اليوم الذي فرغ صاحب الطلسم في آخره أجرى الماء بالجزيرة من أوله وأدار الرحى، واشتهر ذلك واتصل الخبر بصاحب الطلسم وهو في أعلاه يصقل وجهه، وكان الطلسم مذهباً، فلما تحقق أنه مسبوق ضعفت نفسه فسقط من أعلى البناء ميتاً، وحصل صاحب الرحى على الرحى والمرأة والطلسم.
وكان من تقدم من ملوك اليونان يخشى على جزيرة الأندلس من البربر للسب الذي قدمنا ذكره، فاتفقوا وعملوا الطلسمات (1) في أوقات اختاروا أرصادها، وأودعوا تلك الطلسمات تابوتاً من الرخام وتركوه في بيت بمدينة طليطلة، وركبوا على ذلك البيت باباً وأقفلوه، وتقدموا إلى كل من ملك منهم بعد صاحبه أن يلقي على ذلك الباب قفلاً، تأكيداً لحفظ ذلك البيت، فاستمر أمرهم على ذلك.
ولما كان (2) وقت انقراض دولة اليونان ودخول العرب والبربر إلى جزيرة الأندلس، وذلك بعد مضي سنة وعشرين ملكاً من ملوك اليونان من يوم عملهم الطلسمات بمدينة طليطلة، وكان الملك لذريق المذكور السابع والعشرين من ملوكهم، فلما جلس في ملكه قال لوزارئه وأهل الرأي من دولته: قد وقع في نفسي من أمر هذا البيت الذي عليه سنة وعشرون قفلاً شيء، وأريد أن أفتحه لأنظر ما فيه، فإنه لم يعمل عبثاً، فقالوا: أيها الملك، صدقت لم يعمل عبثاً ولا أقفل سدى، بل المصلحة أن تلقي عليه قفلاً كما فعل من تقدمك من الملوك، وكانوا آباءك وأجدادك ولم يهملوا هذا فلا تهمله وسر سيرهم، فقال: إن نفسي تنازعني إلى فتحه، ولا بد لي منه، فقالوا: إن كنت تظن فيه مالاً فقدره ونحن نجمع لك من أموالنا نظيره، ولا تحدث علينا بفتحه حدثاً لا نعرف عاقبته، فأصر عل ذلك ، وكان رجلاً مهيباً فلم يقدروا على مراجعته، وأمر بفتح الأقفال، وكان على كل قفل مفتاحه معلقاً، فلما فتح الباب لم ير في البيت شيئاً إلا مائدة عظيمة من ذهب وفضة مكللة بالجواهر، وعليها مكتوب هذه مائدة سليمان بن داودعليهما السلام، ورأى في البيت ذلك التابوت، وعليه قفل ومفتاحه معلق، ففتحه فلم يجد فيه سوى رق، وفي جوانب التابوت صور فرسان مصورة بأصباغ محكمة التصوير على أشكال العرب، وعليهم الفراء وهم معممون على ذوائب جعد، ومن تحتهم الخيل العربية، وبأيديهم القسي العربية وهم متقلدون بالسيوف (1) المحلاة، معتقلون بالرماح (2) ، فأمر بنشر ذلك الرق، فإذا فيه: متى فتح هذا الباب وهذا التابوت المقفلان بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التابوت إلى جزيرة الأندلس، وذهب ملك اليونان من أيديهم، ودرست حكمتهم، فهذا هو بيت الحكمة المقدم ذكره؛ فلما سمع لذريق ما في الرق ندم على ما فعل، وتحقق انقراض دولتهم، فلم يلبث إلا قليلاً حتى سمع أن جيشاً وصل من المشرق جهزه ملك العرب يستفتح بلاد الأندلس؛ انتهى الكلام على بيت الحكمة.
ونعود الآن إلى تتمة حديث لذريق وجيش طارق بن زياد:
فلما رأى طارق لذريق قال لأصحابه: هذا طاغية القوم، فحمل وحمل أصحابه معه، فتفرقت المقاتلة من بين يدي لذريق، فخلص إليه طارق، وضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره، فلما رأى أصحابه مصرع ملكهم اقتحم الجيشان، وكان النصر للمسلمين، ولم تقف هزيمة اليونان على موضع، بل كانوا يسلمون بلداً بلداً ومعقلاً معقلاً.
فلما سمع بذلك موسى بن نصير المذكور أولاً عبر الجزيرة بمن معه، ولحق بمولاه طارق، فقال له: يا طارق، إنه لن يجازيك الزليد بن عبد الملك عى بلائك بأكثر من أن يبيحك جزيرة الأندلس، فاستبحه هنيئاً مريئاً، فقال طارق: أيها الأمير، والله لا أرجع عن قصدي هذا مالم أنته إلى البحر المحيط وأخوض فيه بفرسي، يعني البحر الشمالي الذي تحت بنات نعش، فلم يزل طارق يفتح وموسى معه إلى أن بلغ جليقية، وهي على ساحل البحر المحيط، ثم رجع.
قال الحميدي في " جذوة المقتبس ": إن موسى بن بصير نقم على طارق إذ غزا بغير إذنه، وسجنه وهم بقتله، ثم ورد عليه كتاب الوليد بإطلاقه فأطلقه، وخرج معه إلى الشام. وكان خروج موسى من الأندلس وافداً على الوليد يخبره بما فتح الله سبحانه وتعالى على يديه وما معه من الأموال في سنة أربع وتسعين للهجرة، وكان معه مائدة سليمان بن داود عليهما السلام التي وجدت في طليطلة على ما حكاه بعض المؤرخين، فقال: كانت مصنوعة من الذهب والفضة، وكان عليها طوق لؤلؤ وطوق ياقوت وطوق زمرد، وكانت عظيمة بحيث إنها حملت على بغل قوي فما سار قليلاً حتى تفسخت قوائمه، وكان معه تيجان الملوك الذين تقدموا من اليونان، وكلها مكللة بالجواهر، واستصحب ثلاثين ألف رأس من الرقيق.
ويقال إن الوليد كان قد نقم عليه أمراً، فلما وصل إليه وهو بدمشق أقامه في الشمس يوماً كاملاً في يوم صائف حتى خر مغيشاً عليه.
وقد أطلنا هذه الترجمة كثيراً لكن الكلام انتشر فلم يمكن قطعه، مع أني تركت الأكثر وأتيت بالمقصود.
وقال الليث بن سعد: إن موسى بن نصير حين فتح الأندلس كتب إلى الوليد ابن عبد الملك، إنها ليست الفتوح ولكنها الجنة (1) .
ولما وصل موسى إلى الشام ومات الوليد بن عيد الملك وقام من بعده سليمان أخوه، وحج في سنة سبع وتسعين للهجرة - وقيل سنة تسع وتسعين - حج معه موسى بن نصير، ومات في الطريق بوادي القرى، وقيل بمر الظهران، على اختلاف فيه. وكانت ولادته في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة تسع عشرة للهجرة، رحمه الله تعالى.